ثانية أنجم/بنغالورو
فوزية ترنم، التي تشغل منصب نائبة مفوض مقاطعة كالبوراغي -وهي منطقة كانت يومًا مهدًا لإمبراطوريات الدَّكن، وتواجه اليوم الجفاف والهجرة والتنمية غير المتوازنة- عملت منذ عام 2003م على إحياء محاصيل الدخن وتعزيز الديمقراطية.
فوزية، وهي ضابطة في السلك الإداري الهندي من دفعة عام 2015م وُلدت في بنغالورو، أعادت حبوب الدخن القديمة إلى ظاهرة وطنية تسمى "خبز كالبوراغي"، ومكّنت آلاف النساء عبر مجموعات المساعدة الذاتية، وضَمِنت الشفافيةَ في القوائم الانتخابية.
وفي شهر يناير، حصلت فوزية على جائزة أفضل الممارسات الانتخابية من رئيسة الجمهورية دروبادي مورمو. وفي عمر السادسة والثلاثين، بدأت رحلتها في ظل الطفرة التكنولوجية في بنغالورو، حيث نشأت في أسرة تولي التعليم أهمية كبيرة.

وعلى الرغم من كونها العضو الوحيد في عائلتها الذي يعمل في القطاع الحكومي، شقت فوزية طريقها الخاص. فإنها أكملت دراستها في مدرسة بيشوب كوتون الثانوية للبنات، ثم حصلت على بكالوريوس في التجارة من كلية جوتي نيفاس، وماجستير في إدارة الأعمال في المالية من جامعة كريست، حيث نالت الميدالية الذهبية.
والتحقت بشركة "تي سي إس"، ولكن قلبها كان يميل نحو العمل العام. وتقول في حوار حصري: "لطالما رغبتُ في العمل كموظفة خدمة عامة". وتركت وظيفتها عام 2010م للتفرغ للاستعداد لامتحانات الخدمة المدنية.
واجتازت فوزية امتحان الخدمة المدنية في محاولتها الأولى عام 2011م، وتم تعيينها في خدمة الإيرادات الهندية. وأثناء عملها كمُساعدة مفوض في دائرة ضريبة الدخل في بنغالورو، انخرطت فوزية بعمق في مبادرات التعليم وتمكين المرأة، مع تركيز خاص على المناطق الريفية.
وتوضح قائلة: "في المدن تتوافر الكثير من الخدمات، لأن العديد من الجهات الخاصة تدخل أيضًا لأغراض ربحية وتجارية. وأما في المناطق الريفية والنائية، فالحكومة هي التي تقود التنمية في الغالب. وتأثيرنا هناك كبير، ونطاق عملنا واسع. فإذا قمنا بتحسين الخدمات الحكومية في المناطق الريفية، فستتبعها التنمية تلقائيًا".
.jpg)
وفي عام 2012م، التحقت فوزية بالأكاديمية الوطنية للضرائب المباشرة في ناغبور. وتقول: "كانت تلك أول مرة أغادر فيها المنزل… وهناك استمتعت حقًا بفترة التدريب". وبعد حصولها على أربع ميداليات ذهبية، عادت إلى بنغالورو أكثر عزيمةً وإصرارًا.
وفي عام 2014م، أعادت التقدّم لامتحان الخدمات المدنية، فحققت المركز الحادي والثلاثين على مستوى الهند. وتمّ ضمُّها إلى السلك الإداري الهندي في ولايتها.
وبصفتها مفوضة بلدية كالبوراغي عام 2019م، قادت فوزية مبادرة "جناسپندانا" -وهي منتديات لمعالجة شكاوى المواطنين- والتي حولت الشكاوى إلى حلول منجزة، وأسهمت في بناء الثقة وتعزيز التعلم المؤسسي.
وفي منصبها كالرئيس التنفيذي لمجلس منطقة تشِكّابالابور (2019–2020)، ركزت على جهود حفظ المياه، وتحسين المدارس ومراكز الأنجانواري (رياض الأطفال الحكومية)، ورفعت تصنيف المقاطعة في نتائج SSLC إلى المرتبة الأولى على مستوى الولاية.
.jpg)
وامتداد المقاطعة الجاف، والمثقلة بارتفاع معدلات التسرّب المدرسي، وانتحار المزارعين، والفجوات بين الجنسين، وضع قدراتها على المحك. وتعترف فوزية قائلة: "بعض الأيام تبدو صعبة، لكن علينا أن نواصل تحفيز أنفسنا، لأن أثر عملنا مهم، وفرصة إحداث الفرق تستحق العناء".
وقد أطلقت مبادرات صديقة للمزارعين تُعزّز دور المرأة، مثل مبادرة "روتي كالبوراغي"، التي أعادت تقديم محاصيل الدخن التراثية في المقاطعة — مثل الجوار والراجي — على هيئة أرغفة مغذية تتماشى مع الأهداف الوطنية للتغذية، وفي الوقت ذاته تُنعش الشعور بالفخر المحلي.
وأُعيد طرح المبادرة بمشاركة نساء مجموعات المساعدة الذاتية كخبّازات ومسوقات، فأصبحت الآن جزءًا من وجبات المدارس وتُباع في الأسواق على مستوى البلاد، ما منحها جائزة التميز في الحوكمة. ثم تلت ذلك مبادرات في السياحة والرياضة: مهرجانات الدخن التي أصبحت منصات ثقافية، ودوريات الرياضات الريفية التي عززت وحدة الشباب.
وفي تشِكّابالابور، شهدت فترة عملها لمدة 14 شهرًا كرئيسة تنفيذية لمجلس المنطقة زيارات ميدانية متواصلة، التقت خلالها بمزارعين موهوبين كانوا يقولون لها: "لا نريدك أن تغادري المنطقة".
.jpg)
وبصفتها مديرة لقطاع البستنة في بنغالورو، حيث أشرفت على أكثر من 20 مقاطعة، زرعت فوزية بذور تغييرٍ منهجي، فأطلقت مكتبات في مجالس القرى، ووسّعت مجموعات المساعدة الذاتية. وفي مقاطعة كوبال، بصفتها الرئيسة التنفيذية لمجلس المنطقة، عرضت مبادراتها أمام سكرتير مجلس الوزراء — أعلى موظف بيروقراطي في الهند — حول شبكات المكتبات ومجموعات النساء. ولكل منصب شغلته، خيط جديد في نسيج تجربتها: مزيج بين التراث والتكنولوجيا، وبين الهوية والعمل.
وفي زمن تنتشر فيه تقنيات التزييف العميق، يبرز تميّز فوزية في الإدارة الانتخابية. وخلال الانتخابات البرلمانية لعام 2024م، أدّت عملية إصلاحها لسجلات الناخبين في كالبوراغي -من رقمنة عمليات التحقق، إلى إقامة مخيمات ميدانية للمهاجرين- إلى ضمان صفر أصوات مزيفة، ما منحها إشادة رئاسية. وتعلّق بتواضع: "إنها جائزة لطيفة… لكنها تعني الكثير لأنها كانت جهدًا جماعيًا من جميع المشاركين. وأما بناء فريق كهذا فكان تجربة مثيرة".
.jpg)
وأحدثت فوزية تحولًا في مراكز الرعاية الصحية الأولية في المناطق الريفية بتشِكّابالابور وكوبال وكالبوراغي، حيث أسهمت بهدوء في خفض معدلات وفيات الأمهات عبر ربط مجموعات المساعدة الذاتية بنقاط الخدمات الصحية. وتقول: "الجوائز تُبرز الإنجازات، لكن في كثير من الأحيان يكون الأثر أعمق من أي تقدير".
اقرأ أيضًا: رحلة قدسية من بانغاربيت إلى بوسطن هي حكاية تحويل الضعف إلى قوة
وقد وُضِعت رشاقتها المهنية على المحك في مايو 2025م، عندما أدلى عضو المجلس التشريعي عن حزب بهاراتيا جاناتا، إن. رافيكومار، بتصريحات غير لائقة بحقها استهدفت دينها. وعلى الفور، أصدرت رابطة ضباط السلك الإداري بيانًا قويًا يدين التصريحات، فيما تعهّد كبير الوزراء سيداراميا باتخاذ الإجراءات اللازمة.
وتبع ذلك تسجيلُ قضية جنائية، وتراجع رافيكومار عن تصريحاته واصفًا إيّاها بأنها صدرت "عن غير قصد". وفي حين، ظلّت فوزية ثابتة، وعكفت على مواصلة عملها دون أن تتأثر.