مكتبة شبلي النعماني في لكناؤ.. أكثر من 260 ألف كتاب وآلاف المخطوطات النادرة

22-10-2026   آخر تحديث    |  نشر في  |  بواسطة    آواز دي وايس  |  آواز دي وايس  
مكتبة شبلي النعماني في دار العلوم لندوة العلماء بلكناؤ
مكتبة شبلي النعماني في دار العلوم لندوة العلماء بلكناؤ

 


نعمان*

تُعَدُّ حركة "ندوة العلماء"، التي تأسست في الهند عام 1894م، إحدى الحركات العلمية والتاريخية البارزة في المنطقة؛ إذ أسّس روّادها مؤسسةً تعليميةً تميّزت بإعداد الكوادر وتأهيل الرجال. ولم تقتصر جهودهم على التعليم فحسب، بل امتدت لتشمل إنشاء مكتبة جامعة تضم مؤلفات متنوعة ومخطوطات نادرة، لتكون منارةً علميةً ينتفع بها الباحثون وطلاب العلم، وكل من لديه شغف بالقراءة والبحث.

وقد أشار إلى هذه الضرورة العلامة شبلي النعماني -رحمه الله-، الذي تُنسب إليه هذه المكتبة؛ إذ كان تأسيس مكتبة عظيمة في ندوة العلماء من أحلامه الكبيرة، وقد بذل في هذا المجال جهودًا أولية مشكورة، حيث قال: "إن من الحوائج المِلِّيَّة والمذهبية تأسيس مكتبة ضخمة عامة، بقدر ما نحتاج إلى مدرسة أو كلية أو جامعة قومية. ويجب على هذه الأمة، لبقاء دينها وعلومها وتاريخها، أن توفّر مكتبة تحتوي على كتب نفيسة في العلوم المذهبية، وعلى تراث العلوم والفنون التي أوجدها المسلمون خاصة، وعلى ذكريات زمن السلف وإنجازاتهم، وعلى جميع الكتب التي تتعلق بالفنون الحديثة الرائجة التي لا بد منها للرقي المجتمعي. ومع هذا كله، تكون المكتبة وقفًا عامًا لا ملكية شخصية، يستفيد منها جميع مواطني الهند، وخاصة المصنّفون وأهل القلم" (فهرست مطبوعات، ص 1، دار المصنفين، علي جراه).

وقد وُضع أساس هذه المكتبة عمليًّا عام 1899م، وكانت في بدايتها تقع في المقر القديم لندوة العلماء بمنطقة "غولا غنج". فتقدّم الشيخ عبد الرافع بهبةٍ اشتملت على ثلاثة آلاف كتاب، إسهامًا في تأسيس هذه المكتبة العظيمة. وتوالت بعد ذلك عطايا العلماء والرؤساء وأهل الثروة، فأضافوا إلى هذا التراث العلمي، حتى إن بعضهم أوقف مكتباته كاملةً لصالحها. وعلى الرغم من قِصَر المدة، فقد جُمعت فيها خلال تلك الحقبة جواهر علمية ثمينة، تستقطب القراء وتلفت أنظار المحققين وأهل العلم.

وقد أشار أبو الكلام آزاد، أول وزير للتعليم في الهند، إلى أهمية مخطوطات المكتبة ونوادرها في مقالته المنشورة عام 1906م، حيث قال: "كان يعقوب الكندي حكيمًا مشهورًا في عهد الخليفة المأمون الرشيد، وهو المعروف بالفيلسوف الأول في الإسلام؛ ومجموعة رسائله النادرة، لو قُدِّر لأي مكتبة محظوظة أن تعرضها، لكانت مكتبة دار العلوم لندوة العلماء".

وأضاف: "وفرت هذه المكتبة، التي تقع في مدرسة إسلامية كتبًا تتعلق بالفن الموسيقي، كان قد تُرجمت من اللغة السنسكريتية في زمن الإمبراطور الأكبر والملك شاه جهان... وتمتلك المكتبة نسخة كاملة صحيحة واضحة لتصنيف حجة الإسلام الإمام الغزالي "جواهر القرآن" ، والتي كانت نسخها نادرة غير كاملة في ذلك الزمن". (مجلة الندوة، فبراير 1906م).

ثم نُقلت إلى "القاعة العباسية" في دار العلوم عام 1908م، بناءً على اقتراح العلامة السيد سليمان الندوي -رحمه الله-، غير أن هذه القاعة لم تكن كافية لاستيعاب حجم المكتبة ومحتوياتها. وقد أكد السيد الندوي أن: "فلاح دار العلوم، وسعة معرفة أبنائها، واستغناءهم العلمي، ورغبتهم في مطالعة الكتب، كلها نتيجة هذه المكتبة".

وفي عهد رئاسة العلامة أبي الحسن علي الحسني الندوي -رحمه الله-، وُضع حجر الأساس لمبنى فخم مكوّن من خمسة طوابق، خُصِّص للمكتبة، وذلك في 2 نوفمبر 1975م، على يد الشيخ أحمد بن عبد العزيز آل مبارك، رئيس القضاة في دولة الإمارات العربية المتحدة آنذاك. وافتُتح المبنى رسميًّا في 28 فبراير 1984م، بحضور الشيخ حسن حبنكة، رئيس رابطة علماء الشام، والشيخ عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر، والدكتور محمد حسين الذهبي، وزير الأوقاف وشؤون الأزهر.

فمكتبة العلامة شبلي النعماني اليوم صرح علمي متميز يُعنى بحفظ الكتب الدينية والتاريخية والثقافية. والمكتبة العامة لندوة العلماء ليست مجرد مكتبة، بل تضطلع بأهداف متعددة الأبعاد، إذ تفتح أبوابها للجميع، وتبذل جهودًا كبيرة في سبيل إحياء التراث العلمي وصونه.

ومع وقوفنا وقفة إكبار وإجلال أمام هذا التراث الضخم الذي آل إلينا من أسلافنا، لا بد أن ننهض بمسؤولية نشره وإبرازه، وفاءً للسلف الماضي وخدمةً للأجيال القادمة. ولعل خير وسيلة إلى ذلك ما اقترحه الأستاذ عبد السلام محمد هارون في كتابه "تحقيق النصوص ونشرها"، إذ دعا إلى أن "على الكليات الجامعية ذات الطابع الثقافي الإسلامي أن تلتزم بتكليف طلبة الدراسات العليا أن يقوم كل منهم بتحقيق مخطوط يمت بصلة إلى موضوع الرسالة التي تقدم بها". وقد استفاد من هذه المكتبة آلاف الباحثين وطلاب العلم، وكانت مرجعًا لمئات من طلاب الماجستير والدكتوراه في مدينة لكناؤ.

وتفتح المكتبة أبوابها يوميًّا من الساعة الثامنة صباحًا حتى منتصف الليل، لخدمة جميع أبناء المدينة وزوارها دون استثناء، مسلمين وغير مسلمين، من أساتذة الجامعات والطلاب والباحثين والصحفيين، فضلًا عن السياح وهواة الاطلاع على الكتب والمخطوطات النادرة. كما توفر لجميع زوارها التسهيلات المتاحة للطلاب، بما في ذلك خدمات الطباعة والمكتبة الإلكترونية (E-Library) المجهزة بالوسائل الحديثة، إلى جانب فريق استقبال مدرَّب يتولى تقديم العون والمساعدة للزوار، وتيسير استفادتهم من خدمات المكتبة وتجربتهم العلمية والثقافية.

وتضم المكتبة بعض الكتب المكتوبة بطريقة برايل المخصصة للمكفوفين، كما تحتفظ بأسطرلاب يعود إلى عهد السلطان أورنك زيب عالمكير. وأما في مجال الأدب والفنون، فتزخر المكتبة بمخطوطات باللغة العربية والفارسية والأردية، لم يُنشر كثير منها بعد، ومنها الديوان الكامل لمنتظر، تلميذ مصحفي، وديوان برهمن، وديوان صبا، وديوان مصحفي، و"شاهنامه أردو"، وديوان شيدا. وتضفي مخطوطات أخرى، مثل "مهرجان تاب" و"تذكرة مير حسن"، رونقًا خاصًّا على المكتبة. كما تضم نسخة مزخرفة رائعة من "شاهنامه فردوسي"، استُخدمت في تزيينها ألوان مستخلصة من الأحجار الكريمة، إلى جانب نسخة مصوّرة متميزة من كتاب "عجائب المخلوقات".

وتضم المكتبة، المؤلفة من ثلاثة طوابق، والتي تبلغ مساحتها الإجمالية 60 ألف قدم مربع، أكثر من 260 ألف كتاب في مجالات متنوعة، تشمل الأدب والعلوم واللغات والأديان. وتحتوي على مؤلفات بنحو 25 لغة، من بينها 25 ألف كتاب باللغة الإنجليزية وأكثر من 5 آلاف كتاب باللغة الهندية. وإلى جانب ذلك، تزخر المكتبة بأكثر من 6 آلاف مخطوطة نادرة، يعود تاريخ بعضها إلى نحو 800 عام.

وإلى جانب ذلك، تضم المكتبة أرشيفًا غنيًّا بالمجلات والصحف القيّمة، من أبرزها: "الندوة" (بالأردية، لكناؤ)، و"الضياء" (بالعربية، لكناؤ)، و"معارف" (أعظم كراه)، و"تعمير حيات" (لكناؤ). كما تتوفر فيها نسخ رقمية من جميع أعداد المجلات الأسبوعية التي أصدرها مولانا عبد الماجد الدريابادي، وهي: "الصدق"، و"الصدق الجديد"، و"سچ"، وذلك خلال الفترة الممتدة من عام 1925م إلى عام 1985م.

وفي ظل التطور العلمي والتكنولوجي المتسارع الذي يشهده العالم، حرصت إدارة المكتبة على تزويدها بأحدث الوسائل والتقنيات، وتوفير خدمات متعددة للباحثين، من بينها إتاحة الاطلاع على المخطوطات والكتب من خلال خزائن عرض زجاجية، فضلًا عن إمكانية طباعة المواد المطلوبة، بما يتيح للباحثين والأكاديميين والطلاب والمهتمين الاستفادة من مقتنياتها. وجدير بالذكر أن المكتبة أتاحت عبر موقعها الإلكتروني الرسمي خدمة البحث عن المخطوطات والكتب، مما يسهّل الوصول إلى مصادرها العلمية والتراثية.

*طالب في دار العلوم لندوة العلماء بلكناؤ، أترابراديش.

قصص مقترحة