بين العبادة والمسؤوليات.. كيف تجد الأم مساحة للراحة؟

05-10-2026   آخر تحديث    |  06-10-2026 نشر في  |  بواسطة    آواز دي وايس  |  إيمان سكينة  
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

 


إيمان سكينة

قد تكون الأم محاطة بالناس طوال اليوم، ومع ذلك تشعر بوحدة شديدة. فهناك وجبات ينبغي إعدادها، وأطفال يحتاجون إلى الرعاية، وأعمال ينبغي إنجازها، وبيوت تحتاج إلى التدبير، ورسائل تنتظر الرد، وعدد لا يُحصى من القرارات الصغيرة التي لا يلاحظها أحد سواها. وبالنسبة إلى كثير من الأمهات المسلمات، هناك أيضًا رغبة في القيام بكل شيء مع الحفاظ على القوة الروحية؛ المحافظة على الصلاة في وقتها، وتلاوة القرآن، وتربية أبناء صالحين، والبقاء متاحة لأفراد الأسرة، والتحلي بالصبر طوال كل ذلك.

لكن الأمهات بشر قبل أن يكنّ مقدّمات للرعاية. إنهن يتعبن، ويحتجن إلى الهدوء، ويحتجن إلى النوم، ويحتجن إلى لحظة لا يناديهن فيها أحد، ولا يطلب منهن شيئًا، ولا يبكي أحد من أجلهن، ولا يحتاج إليهن أحد.

والإسلام لا يعلّمنا أن نتجاهل حدودنا البشرية. بل إن القرآن يذكّرنا بأن الله لا يكلّف نفسًا فوق طاقتها: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" (القرآن الكريم، البقرة: 286).

وليست هذه الآية أمرًا بمواصلة تحمّل كل شيء من دون راحة، بل هي أيضًا تذكير بأن الله يعلم قدرتنا، ويعلم ما نكابده، ويعلم ثقل الأعباء التي نحملها.

الراحة ليست كسلًا

هناك أحيانًا فكرة غير صحية مفادها أن "الأم المسلمة الصالحة" يجب أن تظل تضحي بنفسها باستمرار. ولكن السنة النبوية تقدم لنا صورة أكثر توازنًا. فقد علّمنا النبي محمد ﷺأن للجسد حقًا علينا. وفي حديث معروف قال: "إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا" (صحيح البخاري).

فالنوم، والطعام، والوقت الخاص بالنفس، واستعادة النشاط الجسدي، ليست علامات على الضعف، بل هي جزء من احترام الجسد الذي ائتمننا الله عليه.

فالأم التي تأخذ قيلولة بينما يكون أطفالها منشغلين بأمان لا تهدر وقتها. والأم التي تطلب من زوجها أو أحد أفراد أسرتها أن يتولى رعاية الأطفال لمدة ساعة لا تكون مقصّرة. ففي بعض الأحيان، تكون استعادة الطاقة هي بالضبط ما يمكّنها من العودة بمزيد من الصبر.

اجعلي الصلاة مساحة للراحة

عندما تصبح الحياة مرهقة ومثقلة بالمسؤوليات، قد تبدو الصلاة بسهولة وكأنها مسؤولية أخرى تُضاف إلى جدول مزدحم أصلًا. لكن الصلاة شُرعت لتعيد وصلنا بالله، لا لتكون مجرد مهمة أخرى نضيفها إلى قائمة أعمالنا اليومية. يقول الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (القرآن الكريم، الرعد: 28).

وحتى بضع دقائق من الهدوء بعد الصلاة يمكن أن تتحول إلى استراحة روحية تعيد للإنسان توازنه. فبدلًا من الإسراع مباشرة إلى المهمة التالية، يمكن أن تجلس الأم للحظات، وتتنفس بهدوء، وتدعو الله، وتتذكر أنها لا تحمل مسؤولية أسرتها وحدها. فالله معها.

اتّبعي سنة الاعتدال

لم تكن حياة النبي ﷺقائمة على الإفراط. فقد علّمنا الاعتدال في الطعام والنوم وشؤون الحياة الدنيا. ويمكن أن تطبّق الأمهات هذا المبدأ في حياتهن اليومية من خلال التخلي عن السعي إلى الكمال غير الضروري.

وليس من الضروري أن يكون المنزل في أبهى صورة كل يوم، ولا أن تكون كل وجبة معدّة بإتقان وتفصيل. والأطفال لا يحتاجون إلى أم لا تخطئ أبدًا، وإنما يحتاجون إلى أم حاضرة عاطفيًا، محبة، وتحصل على قدر معقول من الراحة. وأحيانًا يكون قولكِ: "ليس اليوم" ضربًا من الحكمة.

ابحثي عن لحظات صغيرة للفرح

لا تعني استعادة النشاط دائمًا قضاء عطلة أو قضاء يوم كامل بمفردك. فقد تتمثل أحيانًا في احتساء كوب من الشاي وهو لا يزال ساخنًا، أو القيام بنزهة هادئة، أو قراءة بضع صفحات من كتابك المفضل، أو التحدث إلى صديقة، أو ممارسة البستنة، أو الجلوس تحت أشعة الشمس، أو مجرد الاستمتاع ببضع دقائق من الصمت. وقد أدرك النبي محمد ﷺأيضًا أهمية الاستمتاع بما هو طيب وبناء الروابط العاطفية. فالإيمان لا يتطلب من الإنسان أن يتخلى عن الفرح.

اطلبي المساعدة دون شعور بالذنب

من أهم الدروس التي ينبغي أن تدركها الأمهات أن تحمّل المسؤولية لا يعني القيام بكل شيء بمفردهن. وقد وصف القرآن الزواج بأنه علاقة تقوم على السكينة والمودة والرحمة: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (القرآن الكريم، الروم: 21).

وينبغي للأم أن تكون قادرة على قول: "أحتاج إلى المساعدة"، من دون أن تشعر بالذنب. فالزوج، والأبناء الأكبر سنًا، والأقارب، والصديقات الموثوقات، جميعهم يمكن أن يكونوا جزءًا من شبكة الدعم التي تحتاج إليها.

جدّدي روحكِ، لا جسدكِ فقط

أحيانًا يكون الاحتراق النفسي أعمق من مجرد التعب الجسدي. فالقلب أيضًا يصاب بالإرهاق عندما يقضي الإنسان يومه كله في العطاء، بينما نادرًا ما يحصل على ما يغذي روحه. وقد تمنح بضع آيات من القرآن، أو دعاء هادئ، أو ذكر الله أثناء القيام بالأعمال المنزلية، أو نزهة قصيرة مع التأمل في خلق الله، أو مجرد البكاء بين يدي الله، نوعًا من الراحة لا يستطيع النوم وحده أن يوفره. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (القرآن الكريم، الشرح: 5–6).

ولا يتعين على الأمهات المسلمات أن يثبتن إخلاصهن من خلال إنهاك أنفسهن وإهلاكها من شدة التعب. فالعناية بالأطفال عبادة، لكن العناية بالشخص الذي ائتمنه الله على هؤلاء الأطفال أمر مهم أيضًا. فالأم التي ترتاح، وتطلب المساعدة، وتضحك، وتصلي، وتتغذى بشكل جيد، وتمنح نفسها وقتًا لالتقاط أنفاسها، لا تصبح أقل إخلاصًا. بل لعلها بذلك تهيئ نفسها للعطاء بمزيد من الحب والصبر. وأحيانًا يكون أكثر ما يمكن أن تفعله الأم المسلمة المتعبة موافقةً لروح الإسلام هو أن تتوقف قليلًا، وتتوكل على الله، وتسمح لنفسها بالراحة.

قصص مقترحة