شنكار كومار
اتفقت ثلاث دول، هي باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية، في الخامس من أكتوبر، على تفعيل تدابير الردع المنصوص عليها في "اتفاق مكة" الذي وقّعته هذه الدول في أوائل أغسطس. ويتطلب تفعيل هذه التدابير نشر قوات باكستانية وتركية في المملكة العربية السعودية على وجه السرعة، لمواجهة هجمات الحوثيين في اليمن.
غير أن هذه الخطوة أدت إلى تفاقم الأوضاع في الشرق الأوسط، في ظل تصعيد الحوثيين هجماتهم بالطائرات المسيّرة والصواريخ، ما ألحق أضرارًا بالمطارات وغيرها من البنى التحتية الحيوية في المملكة العربية السعودية.
وقد أعلنت تركيا أنها لن تنشر قواتها العسكرية لمحاربة الحوثيين. وفي خضم هذه التطورات، يبرز تساؤل جوهري عن مدى قدرة باكستان على مواجهة الحوثيين، الذين راكموا خبرة قتالية ويتمتعون بعلاقات وثيقة مع إيران، في وقت تكافح فيه إسلام آباد للسيطرة على الجماعات المتمردة المحلية داخل أراضيها.
وسواء في بلوشستان أو خيبر بختونخوا أو إقليم كشمير المتنازع عليه والمحتل من قبل باكستان، لا تجد إسلام آباد سوى خيبات الأمل. فقد كشفت جماعات مسلحة متمردة، مثل جيش تحرير بلوشستان، وجبهة تحرير بلوشستان، وجيش بلوش الجمهوري، وحركة طالبان باكستان، مرارًا عن أوجه القصور في القدرات العملياتية للقوات الأمنية الباكستانية.
وفي عام 2025 وحده، قُتل 1235 جنديًا خلال العمليات ضد المتمردين في بلوشستان ومناطق أخرى من الأراضي الباكستانية، وفقًا لما أعلنه المدير العام للعلاقات العامة للقوات المسلحة الباكستانية، وهو المتحدث الرسمي باسمها.
وكشفت بيانات بوابة الإرهاب في جنوب آسيا، عن مقتل أكثر من 4100 عنصر من قوات الأمن الباكستانية خلال العمليات العسكرية ضد المتمردين في مناطق مختلفة من البلاد خلال الفترة من عام 2016 إلى عام 2025. وفي حين تسلط هذه الأرقام الضوء بوضوح على صعوبة المواجهة التي تخوضها باكستان ضد الجماعات المتمردة، فإن ما يزيد الوضع تعقيدًا هو فتحها جبهة مواجهة مع أفغانستان الخاضعة لحكم حركة طالبان.
وخلال السنوات الخمس الماضية، أسفرت الاشتباكات على طول الحدود الباكستانية الأفغانية عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى في صفوف القوات المسلحة في كلا البلدين. ومع استمرار التوتر بين إسلام آباد وكابول، تبدو فرص إنهاء الأعمال العدائية في المستقبل القريب ضئيلة للغاية.
وفي ظل هذه الخلفية، يبرز تساؤل جوهري عن كيفية تمكّن القوات المسلحة الباكستانية، التي تعاني من الاستنزاف وتواجه محدودية في القدرات العسكرية، من تعزيز عملياتها المضادة لمواجهة الحوثيين. وفي الوقت نفسه، من المهم تقييم ما إذا كانت المملكة العربية السعودية قد حققت أي مكاسب عسكرية من السماح بنشر القوات الباكستانية على أراضيها.
وفي مقابلة أجرتها شبكة "سي إن إن" قبل أيام، قال الفريق أحمد شريف تشودري، المدير العام للعلاقات العامة للقوات المسلحة الباكستانية، إن القوات الباكستانية موجودة بالفعل في المملكة العربية السعودية منذ عقود، وتعمل في مجالات متعددة وتتمتع بقدرات متنوعة.
وفي سبتمبر من العام الماضي، وقّعت إسلام آباد والرياض اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشترك، وتعهدتا بموجبها باعتبار أي عدوان على إحداهما هجومًا على البلدين معًا.
وعلى الرغم من ذلك، يبرز تساؤل عن أسباب بقاء القوات الباكستانية في موقف المتفرج دون تدخل، بينما شنّ الحوثيون موجات متتالية من الهجمات على المملكة العربية السعودية اعتبارًا من مارس 2026. فمن استهداف المطارات إلى خطوط أنابيب النفط الرئيسة ومصافي التكرير والسفن، فضلًا عن عدد من المنشآت الحيوية الأخرى، شكّلت الهجمات التي يقودها الحوثيون تحديًا خطيرًا لأمن المملكة العربية السعودية.
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن مقاتلات تابعة للقوات الجوية الباكستانية تشارك، بحسب التقارير، في شن غارات على الحوثيين في اليمن، وذلك عقب تفعيل اتفاق مكة. وأضاف التقرير نفسه أن نحو 8000 جندي باكستاني يتمركزون في المملكة العربية السعودية.
غير أن باكستان سارعت إلى إصدار بيان نفت فيه بشدة مشاركة مقاتلاتها في شن غارات على منشآت الصواريخ والطائرات المسيّرة التابعة للحوثيين في اليمن.
وإن هذا النفي الباكستاني يفسّر الموقف بوضوح؛ إذ لا ترغب إسلام آباد في الانجرار إلى صراع مع الحوثيين، بما قد يقلب الأمور ضد مصالحها. وفي الواقع، تسعى إسلام آباد إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع المملكة العربية السعودية، مع إدراكها في الوقت نفسه للواقع الجيوسياسي المعقّد، المتمثل في أن إيران دولة مجاورة كبرى تربطها بباكستان حدود برية طويلة.
وتدرك باكستان أن مشاركة قواتها المسلحة في اليمن لا بد أن تؤدي إلى إثارة التوتر مع إيران، فضلًا عن انعكاساتها على الوضع الداخلي في البلاد. ويُعزى ذلك إلى أن الشيعة، الذين يشكّلون ما بين 10 و15 في المئة من سكان باكستان، قد ينحازون إلى طهران في حال اندلاع صراع بين البلدين الجارين. ومن شأن حدوث ذلك أن يؤدي إلى اضطرابات داخلية في باكستان.
وهذا ما يفسّر رفض باكستان دعوة المملكة العربية السعودية إلى تقديم الدعم في حربها الرامية إلى وقف تقدم المتمردين الحوثيين في اليمن، رغم كونها عضوًا في التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، الذي أُعلن عن تشكيله بقيادة الرياض عام 2015. بل إن البرلمان الباكستاني صوّت ضد الانضمام إلى التدخل العسكري الذي قادته الرياض في ذلك البلد الواقع في غرب آسيا.
وفي ضوء هذا الوضع، يبرز تساؤل عن مدى فاعلية "اتفاق مكة". وتؤكد باكستان أن الاتفاق لا يلزمها بالمشاركة في عمليات عسكرية هجومية، وأن طبيعته دفاعية بحتة.
وإذا اقتصر دور باكستان على المساعدة الدفاعية وتبادل المعلومات الاستخباراتية وحماية البنية التحتية الحيوية، فإن الاتفاق سيظل يوفر فوائد ملموسة للرياض، غير أن ذلك لا يحدث، إذ يبدو أن إسلام آباد غير مستعدة لتحمل التكاليف الإستراتيجية المترتبة على الاضطلاع بدور فعّال في مواجهة الحوثيين. وتكشف الهجمات المتصاعدة التي يشنها الحوثيون، بما فيها الهجوم الصاروخي الأخير على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، فضلًا عن هجمات الطائرات المسيّرة، الكثير عن هذا الواقع.
ويتمثل السؤال الأساسي في ما إذا كان "اتفاق مكة" قادرًا على توفير ضمانات أمنية موثوقة للمملكة العربية السعودية، في الوقت الذي لا تزال فيه باكستان غير مستعدة للمخاطرة بالانجرار إلى مواجهة أوسع نطاقًا.