"الاعتقال الرقمي".. عندما يتحول الخوف إلى سلاح في يد المحتالين

29-08-2026  آخر تحديث   | 28-08-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

 


كومار أشيش*

يرنّ الهاتف، ويعرّف المتصل نفسه بأنه ضابط شرطة أو مسؤول في مكتب التحقيقات المركزي أو ضابط في مديرية الإنفاذ، وأحيانًا يدّعي أنه قاضٍ. ويخبرك بأن رقم "آدهار" الخاص بك، أو رقم هاتفك المحمول، أو حسابك المصرفي، أو طردًا مسجلًا باسمك، مرتبط بقضية جنائية خطيرة.

وخلال دقائق، تتحول المكالمة من مجرد استفسار إلى أزمة تبدو حقيقية. يُقال لك إنك تخضع للتحقيق، وإن مذكرة توقيف قد صدرت بحقك، وإن عليك البقاء متصلًا عبر مكالمة فيديو. كما يُطلب منك عدم التحدث إلى أي شخص. ثم تأتي في النهاية المطالبة بالمال، التي قد تُقدَّم تحت مسميات مختلفة، مثل "مبلغ للتحقق"، أو "مبلغ ضمان"، أو "أموال الكفالة"، أو "تحويل مؤقت لأغراض التحقيق".

وإنه نوع جديد من الجرائم لا يدخل فيه المجرم إلى منزلك، ولا يكسر قفلك، ولا ينتزع محفظتك، بل يتسلل إلى عقلك ويستولي على أموالك. إنها عملية الاحتيال المعروفة باسم "الاعتقال الرقمي".

وإن أول حقيقة أساسية يجب على كل مواطن أن يتذكرها هي أنه لا يوجد في الهند أي إجراء قانوني يُسمى "الاعتقال الرقمي". فلا يمكن أن تحل مكالمة فيديو محل إجراءات القبض القانونية. وقد أكّدت محكمة راجستان العليا، أثناء نظرها من تلقاء ذاتها في تنامي هذه الظاهرة خلال يناير 2025، أن ما يُعرف بـ"الاعتقال الرقمي" لا يستند إلى أي أساس قانوني في الهند.

سيكولوجية الاحتيال

ما يجعل هذه الجريمة خطيرة بشكل خاص هو أنها تستغل شيئًا بالغ الأهمية، وهو ثقة الناس في أجهزة إنفاذ القانون. فالمحتال لا يكتفي بانتحال صفة ضابط أو مسؤول، بل يصنع مسرحًا كاملًا يوحي بالسلطة والنفوذ. إذ تُستخدم بطاقات هوية مزيفة، وإشعارات مفبركة، وأزياء الشرطة، وشعارات رسمية، ومكاتب مصطنعة، بل أحيانًا متصلون آخرون ينتحلون صفة مسؤولين كبار، لجعل الخدعة أكثر إقناعًا. ثم يُعزل الضحية ويُبقى على اتصال مستمر بالمحتالين. وهذا العزل متعمد؛ فالشخص الخائف الذي لا يُسمح له باستشارة أسرته أو أصدقائه أو محاميه يكون أكثر عرضة للتلاعب والاستغلال. ولذلك، فإن أخطر سلاح في يد المحتال ليس التكنولوجيا، بل "الخوف".

ماذا يقول القانون فعليًا بشأن الاعتقال؟

يحدد "قانون بهاراتيا ناغاريك سوراكشا سانهيتا" لعام 2023م، الذي ينظم الإجراءات الجنائية في الهند، إطارًا قانونيًا واضحًا لعملية الاعتقال. وتنص المادة 35 على الحالات التي يجوز فيها لضابط الشرطة إجراء الاعتقال من دون مذكرة توقيف، بينما تحدّد المادة 36 عددًا من المتطلبات المهمة المتعلقة بضابط الاعتقال وإجراءات تنفيذ الاعتقال.

كما تقر المادة 38 بحق الشخص المعتقل في مقابلة محامٍ يختاره أثناء الاستجواب، وذلك وفقًا للإطار القانوني المنصوص عليه. ويُلزم القانون كذلك باتخاذ ضمانات أساسية، من بينها إبلاغ الشخص بأسباب اعتقاله، وإتاحة إمكانية إبلاغ أحد أقاربه أو أي شخص آخر يختاره بشأن عملية الاعتقال.

وتنص المادة 57 على ضرورة عرض الشخص المُعْتَقل على القاضي المختص أو المسؤول المعني وفقًا للإجراءات المنصوص عليها، بينما تقرر المادة 58 أنه لا يجوز، في الظروف العادية، احتجاز الشخص المعتقل لأكثر من 24 ساعة من دون الحصول على السلطة القضائية اللازمة، مع مراعاة الاستثناءات المنصوص عليها في القانون. كما تؤكد المادة 62 بشكل صريح أن عملية الاعتقال يجب أن تتم وفقًا لأحكام هذا القانون وبما يتوافق معها.

وتُبرز هذه الأحكام مبدأً مهمًا، وهو أن الاعتقال ممارسة لسلطة قانونية تحيط بها ضمانات وإجراءات محددة. وليس مجرد تهديد يستطيع متصل مجهول اختلاقه عبر تطبيق "واتساب" أو مكالمة هاتفية.

وهنا يجب أن نفهم أن "قانون بهاراتيا ناغاريك سوراكشا سانهيتا" يُجيز، في ظروف محددة، تبليغ أو إرسال أوامر الحضور إلكترونيًا. لكن لا ينبغي الخلط بين ذلك وبين ما يُسمى بـ"الاعتقال الرقمي". فأمر الحضور الإلكتروني الحقيقي يكون جزءًا من إجراء قانوني رسمي، ولا يعني بأي حال من الأحوال إصدار تعليمات للشخص بتحويل أموال إلى حساب مصرفي خاص.

ما القوانين التي يمكن تطبيقها على المحتالين؟

لا توجد جريمة مستقلة في قانون العدالة الهندي "بهاراتيا نيايا سانهيتا" (BNS) تحمل اسم "الاعتقال الرقمي"، إذ يُستخدم هذا المصطلح لوصف أسلوب وطريقة تنفيذ عملية الاحتيال. وأما الجرائم الفعلية فتُحدد بناءً على الأفعال التي تثبت أثناء التحقيق. فعلى سبيل المثال، تتناول المادة 318 من قانون "بهاراتيا نيايا سانهيتا" جريمة الغش والاحتيال، وتشمل الخداع الذي يدفع شخصًا، بطريقة غير نزيهة أو احتيالية، إلى تسليم ممتلكاته أو القيام بفعل يسبب، أو يُحتمل أن يسبب، ضررًا. كما أن المثال التوضيحي الوارد في النص القانوني نفسه يشير إلى إمكانية وقوع الاحتيال من خلال الادعاء الكاذب بصفة رسمية. وأما المادة 319 من قانون (BNS) فتتعلق بـالغش عن طريق انتحال الشخصية، وقد تنطبق على الحالات التي ينتحل فيها المجرمون صفة مسؤولين أو أشخاص آخرين لخداع الضحايا. وفي الحالات التي يُستخدم فيها الخوف أو التهديد للحصول على الأموال، قد تنطبق أيضًا المادة 308 المتعلقة بالابتزاز، وفقًا لوقائع كل قضية.

وقد تتضمن القضايا الأكثر تعقيدًا جرائم تتعلق بالتزوير، أو استخدام مواد إلكترونية أو وثائق مزورة، أو التآمر، أو الجريمة المنظمة، أو مخالفة أحكام قانون تكنولوجيا المعلومات لعام 2000. ومع ذلك، يجب أن تُحدَّد المواد القانونية الدقيقة من قبل جهة التحقيق المختصة، بناءً على الأدلة المتوافرة في كل قضية على حدة.

وقد يبادر الضحية تلقائيًا إلى حذف الرسائل المسيئة أو حظر رقم المتصل، لكن من منظور التحقيق، قد يكون ذلك خطأً. إذ يعترف "قانون بهاراتيا ساكشيا أدهينيام" لعام 2023 صراحةً بالسجلات الإلكترونية والرقمية كأدلة. وتنص المادة 61 على أنه لا يجوز رفض قبول سجل إلكتروني أو رقمي كدليل لمجرد كونه إلكترونيًا أو رقميًا، وذلك مع مراعاة أحكام المادة 63. كما تحدّد المادتان 62 و63 الإطار القانوني المتعلق بالسجلات الإلكترونية وشروط قبولها كأدلة. لذلك، ينبغي للضحية الاحتفاظ، كلما كان ذلك متاحًا، بالأدلة التالية:

  • أرقام الهواتف وهويات المتصلين؛
  • رسائل واتساب أو أي رسائل عبر منصات المحادثة الأخرى؛
  • لقطات الشاشة؛
  • رسائل البريد الإلكتروني؛
  • الإشعارات أو البطاقات التعريفية المزورة؛
  • أرقام الحسابات المصرفية؛
  • معرّفات UPIومراجع المعاملات؛
  • الروابط الإلكترونية وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي؛
  • تفاصيل المكالمات وأي مواد رقمية أخرى ذات صلة.

لذلك، لا تحذف الأدلة بدافع الإحراج أو الخوف، بل احتفظ بها، فقد تكون ضرورية في التحقيق وإثبات الجريمة.

استجابة الشرطة: تتبّع الأموال والتكنولوجيا والشبكة الإجرامية

لا يمكن أن تتوقف التحقيقات الحديثة في الجرائم الإلكترونية عند تحديد هوية الشخص الذي أجرى المكالمة، إذ قد يكون المتصل مجرد عنصر واحد ضمن شبكة إجرامية أكبر بكثير. فخلف عملية "الاعتقال الرقمي" قد يقف أشخاص يتولون الحصول على شرائح اتصال، وفتح أو إدارة حسابات مصرفية وهمية أو حسابات تُستخدم كوسيط لنقل الأموال، وإعداد وثائق مزورة، وتوفير البنية التحتية التقنية، وتحويل عائدات الجريمة عبر حسابات متعددة. ولهذا السبب، يتطلب التحقيق الفعّال إجراء فحص متزامن لمسار الاتصالات، والأثر الرقمي، ومسار حركة الأموال، بهدف كشف جميع عناصر الشبكة الإجرامية والوصول إلى المسؤولين عن العملية بأكملها.

ولقد أنشأت الحكومة المركزَ الهندي لتنسيق مكافحة الجرائم الإلكترونية لتعزيز التنسيق في مواجهة الجرائم الإلكترونية. كما يقدم المركز دعمًا تقنيًا لشرطة الولايات والأقاليم الاتحادية، ويسهّل اتخاذ إجراءات ضد البنية التحتية الرقمية وشرائح الاتصال والحسابات المصرفية الوسيطة المرتبطة بمثل هذه العمليات الاحتيالية. وأما بالنسبة إلى الضحية، فإن هناك مبدأً بالغ الأهمية: الإبلاغ عن الجريمة في أسرع وقت ممكن.

الإبلاغ فورًا

يوفر الخط الوطني للمساعدة في الجرائم الإلكترونية على الرقم 1930 والبوابة الوطنية للإبلاغ عن الجرائم الإلكترونية آليات للإبلاغ عن الجرائم السيبرانية. وقد نصحت الحكومة، بشكل خاص، المواطنين الذين يتلقون مكالمات تتعلق بما يُعرف بـ"الاعتقال الرقمي" بضرورة الإبلاغ عنها فورًا. وفي حالات الاحتيال المالي الإلكتروني، قد تكون كل دقيقة حاسمة. فكلما وصلت الشكوى بسرعة إلى الجهات المعنية في القطاع المالي وإنفاذ القانون، زادت فرص تتبّع المعاملة ومحاولة منع استمرار تحويل الأموال أو انتقالها إلى حسابات أخرى.

ماذا يجب أن تفعل إذا تلقيت مثل هذه المكالمة؟

ينبغي أن تصبح المبادئ الخمسة التالية جزءًا من عادات السلامة الرقمية لدى كل أسرة:

أولًا: توقّف.لا تتخذ أي قرار مالي وأنت تحت تأثير الخوف أو الضغط.

ثانيًا: اقطع الاتصال.لا داعي للبقاء على اتصال مستمر مع شخص مجهول لمجرد أنه يدّعي أنه مسؤول أو موظف حكومي.

ثالثًا: تحقّق بشكل مستقل.إذا ادعى المتصل أنه يمثّل جهة حكومية، فابحث بنفسك عن بيانات الاتصال الرسمية لتلك الجهة وتحقق من صحة ادعائه.

رابعًا: لا تحوّل أي أموال لإثبات براءتك.لا تدفع ما يُسمى تأمينًا أو مبلغ تحقق أو كفالة أو رسوم تحقيق إلى أي حساب يحدده المتصل.

خامسًا: أبلغ فورًا.اتصل بالرقم 1930، وقدّم بلاغًا عبر البوابة الوطنية للإبلاغ عن الجرائم الإلكترونية، وأبلغ مصرفك أو مزود خدمة الدفع فورًا إذا كنت قد حولت أموالًا. وفي حالات الطوارئ العاجلة، يمكن أيضًا طلب مساعدة الشرطة عبر الرقم 112.

اقرأ أيضًا: مكافحة المخدرات مسؤولية مشتركة بين الشرطة والأسرة والمجتمع

رسالة خاصة لكبار السن

يستحق كبار السن اهتمامًا خاصًا، لأن المحتالين غالبًا ما يستغلون احترامهم للسلطات الرسمية وخوفهم من العواقب القانونية. وينبغي أن تضع كل أسرة قاعدة بسيطة: لا يتم إجراء أي تحويل مالي كبير استجابةً لمكالمة مفاجئة يدّعي فيها المتصل أنه مسؤول حكومي أو شرطي، قبل استشارة شخص موثوق والتحقق من صحة الاتصال بشكل مستقل. كما ينبغي للأسر التأكد من أن كبار السن يعرفون كيفية الاتصال بالرقم 1930، وطريقة الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة، والشخصَ الذي يمكنهم الاتصال به إذا تلقوا مكالمة فيديو تتضمن تهديدًا أو ترهيبًا. وإذا وقع شخص بالفعل ضحية للاحتيال، فيجب ألا تكون الاستجابة الأولى هي اللوم أو التوبيخ. فضحية الجريمة الإلكترونية تحتاج إلى الدعم والمساندة، لا إلى الإحراج.

*الدكتور كومار آشيش (IPS) يشغل حاليا منصب نائب المفتش العام للشرطة، منطقة كوشي، سَهَرسه، بيهار.