مسعود عالم الندوي: شخصية عملاقة في الأدب والدعوة

09-04-2026  آخر تحديث   | 24-02-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | أشفاق أحمد 
مسعود عالم الندوي: شخصية عملاقة في الأدب والدعوة
مسعود عالم الندوي: شخصية عملاقة في الأدب والدعوة

 


أشفاق أحمد*

شهد الأدب العربي في الهند خلال النصف الأول من القرن العشرين نهضةً ملحوظة ارتبطت بجهود عدد من العلماء والأدباء الذين سعوا إلى إحياء العربية بوصفها لغة علم وأدب وثقافة. ومن أبرزهم الشيخ مسعود عالم الندوي (1910–1954م)، الذي جمع بين الثقافة الشرعية والموهبة الأدبية والمهنة الصحفية، وأسهم إسهامًا كبيرًا في تعزيز حضور اللغة العربية وآدابها في أنحاء الهند. وقد تميّزت جهوده بكونها لم تقتصر على الكتابة الأدبية، بل شملت العمل المؤسسي والصحفي والتربوي، مما جعل أثره يتجاوز حدود الإنتاج الفردي إلى بناء بيئة ثقافية عربية في الهند.

واحتلّ الندوي مكانةً مرموقة، ونال شهرةً واسعة في مجال اللغة العربية وآدابها، لمساهمته في تطور المعارف الإسلامية والآداب العربية. وهو من الرواد في الصحافة العربية في الهند. وإن مقالاته الأدبية والدينية، وكتاباته العربية الأخرى نالت شهرةً ذائعةً في الهند، واسترعت انتباه أدباء العرب وكتابهم، فأشادوا بأسلوبه الحديث الرائع.

وولد الأديب مسعود عالم في "بتنة"، عاصمة ولاية بيهار في عام 1910م. وأخذ مبادئ العلوم الإسلامية والعربية في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى دار العلوم لندوة العلماء حيث درس العلوم الدينية، واتقن اللغة العربية، وتضلع من فنونها الأدبية. استفاد، بوجه الخصوص، من الدكتور/ تقي الدين الهلالي. ولأجل طموحاته العلمية، وأنشطته الدعوية الإصلاحية، أسس عام 1942م مركزا في جالندهر وسماها "دار العروبة للدعوة الإسلامية"، وبعد انقسام الهند انتقل هذا المركز إلى باكستان في عام 1948م، وعمل مديرا له. كان من أهم أعضاء "الجماعة الإسلامية"- التي أسّسها وأرسى قواعدها أبو الأعلى المودودي. والشيخ مسعود هو أول من قام بتعريف أنشطة الجماعة الإسلامية الإصلاحية في البلدان العربية من خلال ترجمة العديد من الكتب التي ألفها رئيس هذه الجماعة وقائدها المودودي باللغة الأردية. وتوفي الندوي في عام 1954م في كراتشي بباكستان.

وأدّى مسعود عالم الندوي دورًا فعالاً في تطوير مستوى الصحافة العربية في الهند، بالإضافة إلى ما قام به من خدمات جليلة من خلال كتبه العربية والأردية العديدة التي نالت شهرةً واسعةً بين الكتاب وعلماء الإسلام في الهند وخارجها. وأنشأ في عام 1932م، مجلة عربية سماها "الضياء" لتنمية اللغة العربية وآدابها، ونشر التعاليم الإسلامية السمحة في شبه القارة الهندية وخارجها. وكانت هذه المجلة فريدة من نوعها في تاريخ الهند؛ فأشاد بها كبار الأدباء والكتاب في الهند والعالم العربي، وذلك لأنها قامت بدور ريادي في تطور الصحافة العربية في الهند، ورفع مستواها. فأشاد أمين ناصر الدين اللبناني بالمجلة قائلاً:

"في مدينة لكنؤ مجلة عربية: اسمها "الضياء" ينشرها الأستاذ المفضال السيد مسعود عالم الندوي مطبوعة على الحجر مشتملة من البحوث الإسلامية على كل مفيد...هي أصح لغة وأروع أسلوبا من أكثر الجرائد والمجلات التي تنشر في الأقطار العربية".

وهو ممن عرف بالتواضع في السلوك، والبساطة في المظهر والملبس والحديث والمعاملة، وكان متضلعًا من العلوم الإسلامية، وعلوم اللغة العربية، كما أن له اطلاعًا واسعًا على الأدب العربي شعرًا ونثرًا، وله إسهامات في الكتابة عن الموضوعات الإسلامية والقضايا المعاصرة باللغتين الأردية والعربية على حد سواء.

فالأستاذ مسعود عالم الندوي من الشخصيات الفذة في الهند التي اشتهرت بالأسلوب الأدبي الرائع، وهو الأسلوب الذي يمتاز بالسلاسة والروعة، وبفصاحة اللغة وبلاغة البيان. وعلى الرغم من أن الندوي عاش في النصف الأول من القرن العشرين، ولكن أسلوبه العربي تحرر من قيود السجع والزخرفة اللفظية المتداولة بين الناس في ذلك الوقت في الهند.

ولا يمكن فهم إسهام الندوي دون الإشارة إلى دور ندوة العلماء التي نشأت بهدف إصلاح التعليم الإسلامي وربطه بالعالم الإسلامي، مع الاهتمام باللغة العربية بوصفها لغة الثقافة الإسلامية. وقد أسهمت هذه المؤسسة في تكوين جيل من الأدباء الذين كتبوا بالعربية مباشرة، وسعوا إلى إحياءها في بيئة غير عربية.وقد تأثر الندوي بهذا الاتجاه، فكان نتاجًا لمدرسة ترى في الأدب العربي وسيلةً للتواصل الحضاري، لا مجرد دراسة لغوية أو تراثية.

والأستاذ مسعود الندوي يعد من علماء الإسلام الذين برعوا في العلوم الإسلامية والعلوم العربية. وكان الندوي من المؤسسين للجماعة الإسلامية التي كان يقودها المودودي. وقام الأستاذ مسعود بترجمة مؤلفات المودودي إلى العربية، وكانت ترجمته إلى العربية من أقوى التراجم وأدقها. ومن الكتب التي تم ترجمتها عام 1367هـ 1947م: الدين القيم، وشهادة الحق، ومنهاج الانقلاب الإسلامي، ونظريةالإسلام السياسية، والإسلام والجاهلية، ونظام الحياة فيالإسلام، ومعضلات الاقتصاد وحلها في الإسلام، وغيرها العديد.

ووضع الندوي كتبًا عربية قيمة، ومنها: "تأثير الإسلام في الشعر العربي"، و"تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند"، و"حاضر مسلمي الهند وغابرهم". وأما مؤلفاته في الأردية فمنها؛ "الحركة الإسلامية الأولى في الهند"، و"نظرة على أفكار الشيخ عبيد الله السندي"، و"محمد بن عبد الوهاب المصلح المظلوم والمفترى عليه"، و"الاشتراكية والإسلام"، و"الترجمة العربية". ونشر له عدد كبير من البحوث والمقالات في الجرائد العربية والأردية الموقّرة.

وإن الأستاذ مسعود عالم الندوي رجل اجتمعت فيه صفات عدة؛ فهو عالم وداعية وكاتب ومؤلف ومترجم، فضلاً عن أنه رحالة جاب الأقطار، ويتصل بالدعاة والعاملين في الحقل الإسلامي بكل مكان، ويدعو إلى توحيد جهود العاملين للتصدي لأعداء المسلمين الذين أجمعوا أمرهم على حربالإسلام والمسلمين.

ومن أعماله البارزة التعريف بفكر المودودي والجماعة الإسلامية بين المسلمين في البلاد العربية، وعلى الأخص وسط العاملين في الحقل الإسلامي بعد أن قام بترجمة أكثر مؤلفات السيد أبي الأعلى المودودي ونشرها. وكتابه "شهور في ديار العرب" (بالأردية) نال صيتًا واسعًا بين القراء العرب. وقام بترجمة هذا الكتاب الدكتور سمير عبد الحميد إبراهيم، الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وقتذاك، وقامت بطباعته مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض وذلك بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس المملكة العربية السعودية عام 1419هـ-1999م.

والأستاذ مسعود الندوي كان من المهتمين بنشر اللغة العربية وآدابها، باعتبارها لغة القرآن الكريم، حتى إنه سمّى الدار التي تولّت طباعة الكتب الإسلامية «دار العروبة للدعوة الإسلامية»، وكان مديرها. وقد كان يساعده الأستاذ محمد عاصم الحداد، رفيقه في الرحلة إلى البلاد العربية والحج، والذي تولّى إدارة الدار بعد وفاة الشيخ مسعود الندوي.

ويمثّل مسعود عالم الندوي نموذجًا فريدًا للأديب الذي جمع بين الثقافة الإسلامية والوعي الأدبي الحديث، فأسهم في إحياء اللغة العربية في الهند ليس بوصفها لغة تراث فحسب، بل لغة إبداع وثقافة. وقد تركت جهوده في الصحافة العربية والكتابة الأدبية والعمل الثقافي أثرًا واضحًا في مسار الأدب العربي الهندي، وأسهمت في تمهيد الطريق لجيل لاحق من الأدباء الذين واصلوا مشروع الكتابة العربية في شبه القارة الهندية.ولغزارة علمه، وإخلاصه في مجال الدعوة والإرشاد، وجهوده المضنية في نشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية شبّهه السيد سليمان الندوي بـ"شكيب أرسلان في شبه القارة الهندية". وكان الندوي من الشخصيات التي يعتز بها كل من له صلة بالآداب العربية في الهند.

*أستاذ في مركز الدراسات العربية والإفريقية، جامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي.

قصص مقترحة