إتش. كاظمي
تقع مدينة سَهارَنْبُور في ولاية أُترا براديش، على مسافة تقارب مئةً وسبعين كيلومترًا إلى الشمال الشرقي من العاصمة الهندية نيودلهي، وتُعدّ من أبرز المراكز الهندية لصناعة الأثاث الخشبي والنقش اليدوي على الخشب. وخلال العصور الوسطى، وتحديدًا في عهد السلطان إلتمش، أصبحت سَهارَنْبُور جزءًا مهمًّا من سلطنة دلهي، وشهدت في تلك الفترة بدايات ازدهار فن نحت الخشب، إيذانًا بتشكّل تقليدها العريق في هذه الحرفة.
وتمتاز هذه الصناعة بتاريخ عريق، إذ يعمل فيها آلاف الحرفيين الذين يتوارثون هذه المهنة جيلًا بعد جيل. وتكتنف نشأةُ فنِّ نحت الخشب في سَهارَنْبُور بعض الغموض التاريخي، لكن أغلب التقديرات تشير إلى أن بداياته تعود إلى أواخر القرن الثامن عشر أو مطلع القرن التاسع عشر. وقد تأثر هذا الفن بدرجة كبيرة بالحضارة المغولية التي تركت أثرًا واضحًا في الصناعة الخشبية بالمدينة خلال العهد المغولي الممتد بين أعوام 1526م و1857م.
واستقر في سَهارَنْبُور عددٌ من الحرفيين المهرة الذين قَدِموا بدعوات من الملوك وكبار المسؤولين من مناطق بعيدة، وكان من بينهم نقّاشون كشميريون حملوا معهم خبراتٍ متقدمة في فنون النحت والزخرفة، وأسهموا في تطوير الطابع الفني لهذه الصناعة في المدينة. كما انعكست روعة العمارة المغولية وفنونها، بما في ذلك الزخارف الدقيقة والنقوش الهندسية الإسلامية، على تصاميم الأثاث الخشبي، فتحولت منتجات سَهارَنْبُور إلى أعمال فنية متميزة.
ومع مرور الزمن، استطاعت هذه الصناعة التكيّف مع الأذواق والمتطلبات المتغيرة، فاستوعبت تصاميم وأساليب متنوعة، مع الحفاظ على هويتها التقليدية المميزة. واليوم تُعدّ سَهارَنْبُور أكبر مركز في الهند لصناعة الأثاث الخشبي المنحوت يدويًّا ومنتجات الديكور الخشبية المصنوعة يدويًّا.
وعقب استقلال الهند وانتهاء الحقبة الاستعمارية البريطانية، مرّ فنُّ نحت الخشب في سَهارَنْبُور بمرحلةٍ من التحديات نتيجة التحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها البلاد، وما رافقها من تغيّرات أثّرت في الحرف التقليدية. غير أن هذه الصناعة تمكنت من الصمود واستعادت زخمها تدريجيًّا خلال العقود اللاحقة، مستندةً إلى الخبرات المتوارثة والطلب المتزايد على المنتجات الحرفية.
وفي عام 1960م، بادر عددٌ من كبار الحرفيين، اعتمادًا على مهاراتهم المتوارثة وأدواتهم اليدوية التقليدية، إلى تأسيس ورشةٍ متخصصة لنحت الخشب في سَهارَنْبُور، لتشكّل نقطةَ انطلاقٍ جديدة لهذا الفن العريق. وأسهمت هذه المبادرة في إنتاج قطع أثاثٍ فاخرة حظيت بإعجاب واسع بفضل دقة صناعتها وروعة تصاميمها، التي استُلهمت من طرزٍ فنية متنوعة، شملت الأساليب الإيطالية والفرنسية والفيكتورية والمغربية والهندية التقليدية، إلى جانب بعض الطرز الملكية والاستعمارية البريطانية. كما تأثرت بعض التصاميم بطرازي الروكوكو والباروك، مما أضفى عليها طابعًا يجمع بين الفخامة الكلاسيكية والمهارة الحرفية الرفيعة.
وفي العقود الأخيرة، أسهمت مبادرات حكومية، مثل برنامج "صنع في الهند"، ومبادرة "استارت أب إنديا"، ومشروع "منطقة واحدة… منتج واحد"، إلى جانب الثورة الرقمية وانتشار الإنترنت، في دعم هذه الصناعة وتعزيز قدرتها التنافسية، مما ساعد على توسيع حضور منتجات سَهارَنْبُور في الأسواق المحلية والعالمية.
خَطاكِهيري: قلب صناعة الأثاث
تُعَدّ منطقة خَطاكِهيري القلبَ النابض لصناعة وتجارة الأثاث الخشبي في سَهارَنْبُور، لما تتمتع به من قربٍ من مصادر المواد الخام وتوافر أعداد كبيرة من الحرفيين المهرة. وتشتهر المنطقة بإنتاج الأبواب المنحوتة يدويًّا، والخزائن الفاخرة، وطاولات الطعام الأنيقة التي تجمع بين الوظيفة والجمال الفني. كما تضم عددًا كبيرًا من الورش الحرفية والمصانع التي تُنتج طيفًا واسعًا من قطع الأثاث الموجّهة إلى الأسواق المحلية والعالمية.
.png)
الورشة الحرفية في خَطاكِهيري بسَهارَنْبُور
وبحسب تقديرات محلية، يُقدَّر عدد الأشخاص المرتبطين بصورة مباشرة أو غير مباشرة بصناعة نحت الخشب في سَهارَنْبُور بنحو سبع مئة ألف شخص. كما يسهم في ازدهار هذه الحرفة أكثر من ألف ومئتي مصنع وورشة صغيرة ومتوسطة، تعمل على صون هذا التراث الصناعي العريق وتعزيز حضوره في الأسواق الهندية والعالمية.
واكتسب العديد من مصنّعي الأثاث في سَهارَنْبُور شهرةً عالمية بفضل التزامهم بمعايير الجودة العالية ودقة الصنعة، حتى أصبحت منتجاتهم تُعرض في صالات الأثاث الراقية والمعارض المتخصصة في مختلف أنحاء العالم. وتُصدَّر منتجات المدينة المتنوعة، من الأثاث الخشبي المنحوت يدويًّا وقطع الزينة الفنية إلى الأدوات المنزلية، إلى العديد من الدول العربية والأوروبية والآسيوية، فضلًا عن الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وكندا، لما تتميز به من جودةٍ عالية وحرفيةٍ متقنة وتصاميم تجمع بين الأصالة والابتكار.
المواد المستخدمة
يقول حارث، صاحب أحد مصانع الأثاث الخشبي في سَهارَنْبُور: "يعتمد الحرفيون في هذه الصناعة على أنواعٍ فاخرة من الأخشاب، مثل خشب الساج، وخشب الشيشم، وخشب المانجو، لما تتمتع به من متانةٍ وجمالٍ طبيعي يدوم طويلًا. ويُعَدّ خشب الشيشم من أكثر الأخشاب استخدامًا، لما يمتاز به من صلابةٍ وجودةٍ عالية ولونٍ بنيٍّ غني يضفي على الأثاث فخامةً خاصة. ولكل نوعٍ من هذه الأخشاب خصائصه واستعمالاته المميزة؛ فيُستخدم خشب الشيشم غالبًا في صناعة القطع الصغيرة والأعمال الدقيقة، بينما يُفضَّل خشب الساج في صناعة الأثاث الفاخر بفضل متانته العالية ومقاومته للعوامل المختلفة، أما خشب المانجو فيُستخدم بكثرة في إنتاج القطع ذات الطابع العتيق والتحف الفنية".
ويضيف: "تمرّ الأخشاب بعدة مراحل تستغرق وقتًا طويلًا قبل أن تتحول إلى قطع أثاث جاهزة؛ ففي البداية تُترك لمدة قد تصل إلى عامين حتى تجف بصورة طبيعية، وذلك لتقليل نسبة الرطوبة فيها ومنع تعرضها للتشققات لاحقًا. وبعد ذلك تُعالج بمواد خاصة لحمايتها من الرطوبة والحشرات، قبل أن تبدأ مراحل التقطيع والنحت والتطعيم والتلميع، وهي مراحل تتطلب دقةً كبيرة وخبرةً متوارثة لدى الحرفيين".

وتُعَدّ عمليةُ التقطيع الخطوةَ الأولى في صناعة الأثاث الخشبي؛ إذ تُحوَّل جذوع الأشجار إلى ألواحٍ مسطحة تُعالج وتُجهَّز بعناية وفق المقاسات المطلوبة. ثم تُرسَم عليها الخطوط والعلامات التي تحدد تفاصيل التصميم وأبعاده، قبل أن تنتقل إلى أيدي الحرفيين النقّاشين الذين يبدؤون رحلة تحويل الخشب الخام إلى أعمالٍ فنية متقنة تحمل طابعًا جماليًّا مميزًا وتعكس مهاراتٍ متوارثة عبر الأجيال.

ثم تأتي مرحلةُ النحت، وهي من أهم المراحل الفنية في صناعة الأثاث الخشبي، إذ يُبدع الحرفيون من خلالها زخارف هندسية ونقوشًا دقيقة تُكسب القطع الخشبية طابعًا فريدًا وقيمةً جمالية عالية. وتبدأ هذه المرحلة برسم التصميم المطلوب على الورق، ثم نقله وتثبيته بعناية على سطح الخشب. بعد ذلك تُحفَر الأجزاء الدقيقة باستخدام أدواتٍ متخصصة لإبراز التفاصيل والزخارف المطلوبة، في عملية تتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة والصبر. ويُنجَز النحت يدويًّا بالكامل، الأمر الذي يعكس مهارة الحرفيين وخبراتهم المتوارثة عبر الأجيال، ويمنح كل قطعة شخصيةً فنيةً مميزة لا يمكن تكرارها بالآلات الحديثة.

وأمّا فنُّ التطعيم، فيعتمد على توظيف النحاس لإضفاء مزيد من الجمال والتميّز على القطع الخشبية من خلال زخارف نباتية وهندسية وكتابات فنية متقنة. وتبدأ هذه العملية بتقطيع شرائح النحاس وتشكيلها وفق قوالب خاصة للحصول على الأشكال المطلوبة، ثم يُحفَر الخشب بعناية لإعداد تجاويف دقيقة تُثبَّت فيها القطع المعدنية بإحكام. وبعد ذلك تُلصَق بمواد خاصة وتُدعَّم بمسامير دقيقة لضمان ثباتها ومتانتها، فتخرج القطعة في هيئة عملٍ فني متكامل يمتزج فيه دفء الخشب الطبيعي مع بريق النحاس، في تناغم يعكس براعة الحرفيين ودقة صناعتهم.

ثم تأتي مرحلةُ التلميع، وهي من أكثر المراحل التي تتطلب دقةً وعناية؛ ففيها تُزال الشوائب وآثار النحت، ويُمنح الخشب ملمسًا ناعمًا ولمعانًا جذّابًا يبرز جمال نقوشه وتفاصيله الفنية. كما يُستخدم معجونٌ خاص لمعالجة الحواف غير المستوية والشقوق الدقيقة، قبل أن تُصقل القطعة مرارًا بورق الصنفرة حتى تخرج في صورتها النهائية.
ولهذا السبب يُباع أثاث سَهارَنْبُور بأسعار أعلى مقارنةً بالأثاث العادي أو المصنوع من مواد صناعية؛ إذ ترتبط قيمته بجودة الأخشاب المستخدمة، وطول مراحل التصنيع، والدقة العالية في التنفيذ، فضلًا عن متانته وقدرته على التحمل. ويمكن لهذا الأثاث أن يبقى صالحًا للاستعمال لعقود طويلة، بل ينتقل في كثير من الأحيان من جيل إلى آخر بوصفه قطعةً تراثية ذات قيمة فنية ومادية.
ولا تزال نماذج من هذا الأثاث الخشبي التقليدي محفوظة في عدد من القصور والمتاحف التاريخية في الهند، بما في ذلك قصور بعض الحكام والنُّظّام القدامى، حيث تعرض قطعٌ خشبية مزخرفة تشهد على براعة الحرفيين الهنود وإتقانهم لفنون النحت والزخرفة، وتُجسّد الإرث الفني العريق الذي اشتهرت به سَهارَنْبُور على مدى قرون.
أنواع الأثاث والمنتجات الخشبية
من القصور الملكية إلى المنازل العادية، وجدت الحِرف الخشبية السَّهارَنْبُورية مكانًا لها في مختلف الفضاءات المعمارية والبيئات السكنية، بفضل ما تتميز به من جودةٍ عالية وجمالٍ فني متقن. وعند التجول في أسواق الخشب بسَهارَنْبُور، يطالع الزائر طيفًا واسعًا من المنتجات الخشبية المصنوعة يدويًّا، تتنوع بين الطاولات والكراسي والخزائن والأسِرّة، وصناديق الحُليّ، واللوحات الجدارية، والمشربيات، والصواني الزخرفية، فضلًا عن أطقم الأرائك العصرية والتحف الخشبية الفنية.

وتتميّز هذه المنتجات بزخارف نباتية وهندسية دقيقة مستوحاة من الفن المغولي والتراث الهندي العريق، ما يمنحها طابعًا فريدًا يجمع بين الأصالة والجمال. كما تتنوع تصاميمها بين الكلاسيكية والتقليدية والعصرية، لتلبي أذواق شريحة واسعة من الزبائن داخل الهند وخارجها، وتؤكد المكانة المرموقة التي تحتلها سَهارَنْبُور في عالم صناعة الأثاث الخشبي المنحوت يدويًّا.
الطرز والتصاميم الفنية
تشتهر الحِرف الخشبية السَّهارَنْبُورية بتصاميمها المتميزة التي تمزج بين المهارة الحرفية الهندية المتوارثة والتأثيرات الفنية المغولية والكشميرية، مما أكسبها طابعًا فريدًا يميزها عن غيرها من الصناعات الخشبية. وتزدان هذه الأعمال بزخارف نباتية متشابكة، وأنماط هندسية متناسقة، ونقوش أرابيسك دقيقة مستوحاة من الفن والعمارة المغولية التي تركت بصمتها الواضحة على التراث الفني في شمال الهند. كما يبرع الحرفيون في تنفيذ المشربيات الخشبية المعروفة محليًّا باسم "الجالي"، والتي تتميز بتفاصيلها الدقيقة وتكويناتها الهندسية المعقدة، فضلًا عن النقوش الكشميرية التقليدية التي تعكس مستوى رفيعًا من الدقة والإتقان.

وإلى جانب ذلك، تُزيَّن العديد من القطع الخشبية بفنِّ التطعيم بالنحاس أو النحاس الأصفر، المعروف محليًّا باسم "ترقاشي"، وهو من أبرز السمات الفنية التي تضفي على منتجات سَهارَنْبُور مزيدًا من التميّز والجاذبية. ويعتمد هذا الفن على إدخال أسلاك أو شرائح معدنية دقيقة داخل تجاويف محفورة في الخشب، لتشكيل زخارف نباتية وهندسية وكتابات فنية تضفي على القطعة قيمةً جمالية وحرفية عالية. كما يشمل هذا الفن استخدام تقنيات الحفر البارز والحفر اليدوي العميق، التي تمنح الأسطح الخشبية بُعدًا بصريًّا وملمسًا مميزًا، وتُبرز تفاصيل الزخارف بدقة وإتقان.
الابتكار الحديث في صناعة الأثاث
على الرغم من تمسّك صناعة الأثاث في "سَهارَنْبُور" بجذورها الحرفية العريقة، فإنها نجحت في مواكبة التحولات الحديثة واستيعاب الاتجاهات الجديدة في عالم التصميم والإنتاج. فقد أدخل العديد من المصنّعين تقنيات حديثة، مثل الحفر بالليزر وأدوات التصميم الرقمية، إلى جانب تطوير نماذج عصرية تتسم بالبساطة والأناقة وتستجيب لأذواق الأجيال الشابة واحتياجات الأسواق العالمية. كما اتجهت بعض المصانع إلى تبنّي ممارسات أكثر استدامة وصداقةً للبيئة، من خلال استخدام أخشابٍ مستدامة ومواد تشطيب آمنة بيئيًّا، بما ينسجم مع التوجهات العالمية المتزايدة نحو الإنتاج المسؤول والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وتؤدي هذه الصناعة دورًا مهمًّا في دعم الاقتصاد المحلي، إذ توفر فرص عمل لآلاف الحرفيين والعمال، وتسهم في نقل الخبرات التقليدية إلى الأجيال الجديدة عبر برامج التدريب والتأهيل. كما أسهمت التجارة الإلكترونية والمعارض الدولية في توسيع نطاق انتشار منتجات سَهارَنْبُور، وفتح أسواق جديدة أمامها في مختلف أنحاء العالم، في وقت يزداد فيه إقبال المستهلكين على القطع المصنوعة يدويًّا لما تتمتع به من متانة وقيمة فنية وطابع تراثي أصيل.
ويرى خبراء الاقتصاد أن تطوير آليات التسويق، وتوسيع قنوات التصدير، وتقديم مزيد من الدعم للحرفيين، من شأنه أن يعزز قدرة صناعة الأثاث الخشبي الهندية على المنافسة في الأسواق العالمية ويزيد من حجم صادراتها. كما يؤكد العاملون في هذا القطاع أن أهمية هذه الصناعة لا تقتصر على إسهامها في النشاط الاقتصادي وتوفير فرص العمل، بل تمتد إلى صون التراث الثقافي والحرف التقليدية التي تشكل جزءًا من الهوية الحضارية للهند.
فلا يقتصر فنُّ نحت الخشب في سَهارَنْبُور على كونه صناعةً جمالية أو نشاطًا اقتصاديًّا فحسب، بل يُمثّل مكوّنًا أصيلًا من الهوية الثقافية للمنطقة. فكل قطعةٍ خشبية تُنتَج في ورشها تحمل بصمات التراث المحلي وروح الحِرفية الهندية المتوارثة عبر الأجيال، وتروي قصة مهارةٍ وصبرٍ وإبداعٍ حافظت على حضورها رغم تغير الأزمنة وتبدّل الأساليب. ومن خلال هذا التلاقي بين الفن والتراث والحرفة، تواصل سَهارَنْبُور ترسيخ مكانتها بوصفها إحدى أبرز حواضر الصناعات الخشبية التقليدية في الهند والعالم.