إيمان سكينة
تتشكّل حياة الإنسان ليس فقط بالقرارات الكبرى، بل أيضًا بالأفعال الصغيرة التي تتكرر يوميًا. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الأفعال المتكررة إلى عادات، وتقوم العادات في النهاية بتشكيل شخصية الإنسان. ويولي الإسلام، بوصفه منهج حياة متكامل، أهمية كبيرة للروتين اليومي والسلوك المستمر. وبالنسبة إلى المهنيين العاملين، فإن بناء عادات إيجابية منسجمة مع القيم الإسلامية يُعد أمرًا عمليًا وتحويليًا في آنٍ واحد. فمن خلال النية الصادقة، وتنظيم اليوم حول الصلاة، والانضباط الأخلاقي، والعناية الواعية بالنفس، يصبح العمل اليومي طريقًا للنمو الروحي والارتقاء الإيماني.
ويعلّم الإسلام أن النجاح الحقيقي يكمن في التوازن؛ في التفوّق في المهنة مع تنمية الإيمان وبناء الأخلاق. فعندما تُوجَّه الروتينات اليومية بالمبادئ الإسلامية، يستطيع المهنيون أن يعيشوا حياة منتجة قائمة على المعنى والسكينة والإخلاص لله تعالى. ويهدي القرآن الكريم والسنة النبوية المسلمين إلى عادات تُنمّي الإيمان، وتُهذّب النفس، وتُحقّق التوازن بين المسؤوليات الدنيوية والنمو الروحي.
كما يشجّع الإسلام على الاستمرارية، ولو في الأعمال الصغيرة. فقد قال النبي محمد ﷺإن أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ. ويُبرز هذا المبدأ أن التغيير الدائم لا يأتي من اندفاعات مفاجئة من الحماس، بل من جهد ثابت وصادق. فالعادات الإيجابية في الإسلام ليست مجرد أدوات لزيادة الإنتاجية، بل تتحول إلى عبادات إذا أُدّيت بالنية الصحيحة.
وكلُّ عادةٍ يبنيها المسلم تحمل في طيّاتها القدرة على تقوية علاقته بالله تعالى. فسواء أكان ذلك بالاستيقاظ المبكر، أو الكلام الطيب، أو المحافظة على النظافة، فإن هذه الأفعال تعكس الطاعة والوعي بالتوجيه الإلهي.
ويرتقي الإسلام بالعمل الصادق حين يربطه بالعبادة. فعندما يكتسب المهني رزقه من طرقٍ مشروعة، ويؤدي مسؤولياته بأمانة وإتقان، يتحول عمله إلى لونٍ من ألوان التعبّد. وإن بدء يوم العمل بنية صادقة كخدمة الناس، وإعالة الأسرة، وابتغاء مرضاة الله، يحوّل المهام الروتينية إلى أعمال ذات قيمة روحية.
ويساعد هذا المنهج الذهني المهنيين على إيجاد معنى وغاية حتى في الأدوار المليئة بالضغوط، إذ يذكّرهم بأن النجاح لا يُقاس فقط بالمناصب أو الدخل، بل بالإخلاص وحسن السلوك الأخلاقي. وتوفّر الصلوات الخمس اليومية إطارًا طبيعيًا لتنظيم يوم العمل. فبدل النظر إلى الصلاة على أنها انقطاع عن العمل، يشجّع الإسلام المؤمنين على اعتبارها لحظة تجديد. فالتوقف لأداء الصلاة يمنح صفاءً ذهنيًا، ويخفّف التوتر، ويعيد توجيه القلب نحو ما هو أهم وأبقى.
وإن تخطيط الاجتماعات وفترات الراحة والالتزامات المهنية وفق أوقات الصلاة يُنمّي الانضباط ويُعزّز التوازن في الحياة اليومية. ومع مرور الوقت، تُسهم هذه الممارسة في تقوية مهارات إدارة الوقت، وبناء روتينٍ متجذّر في الوعي الروحي واستحضار القيم الإيمانية.
وغالبًا ما يعاني المهنيون العاملون من الإرهاق وضيق الوقت، إلا أن الإسلام يقدّم منهجًا يقوم على الاستمرارية لا على الشدّة، ويشجّع على العادات الصغيرة القابلة للاستدامة. فقراءة بضع آيات من القرآن أثناء التنقّل، أو ذكر الله لفترة قصيرة بين المهام، أو المواظبة على أداء ركعتين إضافيتين من الصلاة بانتظام، هي ممارسات بسيطة يمكن دمجها بسهولة في الجداول المزدحمة.
وتؤكّد القيم الإسلامية على الصدق والأمانة التميز في جميع المعاملات. وإن الالتزام بهذه القيم في البيئات المهنية يرسّخ عادات الانضباط الذاتي وتحمل المسؤولية. كما أن تجنّب الطرق المختصرة غير المشروعة، والوفاء بالعهود، ومعاملة الزملاء باحترام، كلّها تعكس الخُلُق الإسلامي وتُعزّز الأساس الأخلاقي للفرد. ويتيح التأمّل الذاتي المنتظم للمهنيين فرصة تقييم مدى انسجام عاداتهم مع إيمانهم. وتُسهم هذه الممارسة في تشجيع التطوير المستمر، وتحمي من الإرهاق الناتج عن المنافسة غير الصحية أو الانغماس المفرط في الماديات.
اقرأ أيضًا: مسلم يتحدّى الخطر وينقذ امرأتين من اعتداء في بريلي
وإن إحاطة الإنسان نفسه بتأثيرات إيجابية، سواء في بيئة العمل أو خارجها، تؤدي دورًا مهمًا في الحفاظ على العادات الحسنة. فاختيار زملاء يقدّرون الالتزامات الدينية، أو الارتباط بمجموعات مجتمعية داعمة، يُسهم في ترسيخ الروتينات الروحية ويمنح التشجيع والاستمرارية.وحتى التغييرات البسيطة، مثل وضع تذكير بأوقات الصلاة أو تحديد حدود واضحة بين العمل والحياة الخاصة، تساعد على مواءمة الحياة المهنية مع القيم الإسلامية، وتُعزّز التوازن والطمأنينة في مسيرة الإنسان العملية.
ولا يُثبِّط الإسلام الطموح، بل يعلّم أن النجاح الدنيوي لا ينبغي أن يطغى على مبدأ المحاسبة في الآخرة. فاتباع روتينٍ متوازن يذكّر المهنيين بأن التقدّم الوظيفي، والثروة، والمكانة الاجتماعية أمور زائلة، في حين أن حُسن الخُلُق وقوة الإيمان هما الباقيان والدائمان.