كوزيكود
على مدى ما يقرب من عقدين، ظلّ عبد الرحيم حاضرًا في ذاكرة عائلته ودعواتها داخل قرية صغيرة في كيرالا؛ ابنًا عالقًا في سجن بالسعودية، ورجلًا يواجه شبح الموت في أرض غريبة.
وفي صباح الخميس، ومع عودته أخيرًا إلى منزله قبيل عيد الأضحى، تحولت الأزقة الضيقة في منطقة كودامبوزها بمدينة كوزيكود إلى مشاهد امتزجت فيها الدموع بالدعوات والاحتفالات. ولم تكن عودته مجرد رجوع شخص إلى أسرته، بل بدت بالنسبة لكثيرين في كيرالا انتصارًا للإنسانية الجماعية، وتجسيدًا لوحدة أبناء كيرالا وتضامن المجتمع المالايالي.
وكان عبد الرحيم قد أمضى ما يقرب من عشرين عامًا في سجن بالسعودية بعد إدانته في قضية وفاة ابن صاحب عمله من ذوي الإعاقة، قبل أن يصل إلى مسقط رأسه وسط استقبال مؤثر من مئات القرويين والأقارب والمحبين. وأصبحت عملية الإفراج عنه ممكنة بعدما جمع أبناء كيرالا من مختلف أنحاء العالم -بغض النظر عن دياناتهم أو أوضاعهم الاجتماعية- أكثر من 34 كرور روبية كتعويض مالي (دية) لتأمين حريته.
وكان سكان منطقة كودامبوزها ينتظرون منذ ساعات الفجر. وبحلول الساعة التاسعة والربع صباحًا تقريبًا، عندما دخلت السيارة الرياضية متعددة الاستخدامات التي تقل عبد الرحيم إلى القرية، كانت الطريق الضيقة المؤدية إلى منزله العائلي "زينت منزل" مكتظة بالناس. ووقف الأطفال فوق الجدران المحيطة بالمنازل، بينما اتكأ كبار السن على عصيّهم قرب البوابة، وتابعت النساء المشهد بصمت من الشرفات، وقد غلبت الدموع على كثير منهن حتى قبل أن يتمكنّ من رؤيته.
20 വർഷത്തിന് ശേഷം സൗദി ജയിലിൽ നിന്ന് മോചിതനായ കോഴിക്കോട് സ്വദേശി അബ്ദുൽ റഹിം നാട്ടിലെത്തി#AbdulRahim #SaudiArabia #Kozhikode #Kerala #BreakingNews pic.twitter.com/UAOykRb5Fd
— DD News Malayalam (@DDNewsMalayalam) May 28, 2026
ومع تحرك السيارة ببطء وسط الحشود، اندفع الناس نحوها؛ بعضهم يرفع الدعوات، وآخرون أرادوا فقط رؤية الرجل الذي هزّت قصته مشاعر ولاية بأكملها. وخفّض عبد الرحيم نافذة السيارة ولوّح بيده بصعوبة، فيما ارتسمت على وجهه ملامح الإرهاق والذهول والامتنان في آنٍ واحد.
وللحظات بعد نزوله من السيارة، بدا عليه التأثر الشديد أمام بحر الوجوه التي أحاطت به. وكان كثيرون من الموجودين في الحشد لم يلتقوا به شخصيًا من قبل، إلا أنهم تحدثوا عنه كما لو كان فردًا من عائلاتهم.
وعلى شرفة المنزل، وقفت والدته المسنّة فاطمة. فقد حفرت السنوات التي قضاها ابنها في السجن خطوطًا عميقة على وجهها، غير أن عينيها صباح الخميس لم تكونا تريان سوى ابنها العائد. وما إن التقت نظرات عبد الرحيم بوالدته حتى انهارت بالبكاء، وغطّت وجهها بمنشفة وهي تبكي بحرقة، فيما حاول الأقارب تهدئتها. وأما عبد الرحيم، فكان هو الآخر يكافح لحبس دموعه أثناء تقدمه نحوها وسط الجموع.
وفي داخل المنزل، كانت أول وجبة بانتظاره قد أعدّتها والدته التي أمضت ما يقرب من عشرين عامًا وهي تدعو الله لعودة هذا اليوم. وقال عبد الرحيم لاحقًا، بصوت ارتجف تأثرًا: "لا أجد كلمات تصف سعادتي. إنني على قيد الحياة اليوم بفضل دعوات وآلاف الأشخاص الطيبين الذين قدموا لي المساعدة بإخلاص. وسأظل ممتنًا لهم إلى الأبد". وكان عبد الرحيم قد سافر إلى السعودية قبل نحو عشرين عامًا بحثًا عن فرصة أفضل للعيش، وكان يبلغ من العمر آنذاك 26 عامًا فقط. لكن المأساة وقعت بعد أسابيع قليلة من وصوله إلى الدولة الخليجية.
وكان عبد الرحيم يعمل سائقًا لدى أسرة سعودية، وكان يرافق ابن صاحب العمل من ذوي الإعاقة خلال إحدى الرحلات، حين انفصل -بحسب التقارير- أنبوب التغذية الطبي المتصل بعنق الطفل إثر اهتزاز مفاجئ داخل المركبة. ووفق رواية عبد الرحيم أمام المحكمة السعودية، فإن يده اصطدمت عن طريق الخطأ بالجهاز الطبي الموصول بالطفل، قبل أن يفقد الأخير وعيه ويفارق الحياة لاحقًا.
ورغم وصف الحادث بأنه غير متعمد، أُلقي القبض على عبد الرحيم في 24 ديسمبر 2006م، وبعد سنوات من الإجراءات القضائية، صدر بحقه حكم بالإعدام عام 2012م. وفي كيرالا، تحولت القضية تدريجيًا من مأساة عائلية خاصة إلى قضية رأي عام.
وعندما انتشرت الأنباء عن موافقة أسرة الضحية على العفو عن عبد الرحيم مقابل 15 مليون ريال سعودي -أي ما يعادل نحو 34 كرور روبية هندية- بدأ أبناء كيرالا العاديون في التحرك بطرق استثنائية. واكتسبت حملة "أنقذوا عبد الرحيم" زخمًا واسعًا في مختلف أنحاء كيرالا وبين الجاليات الهندية المقيمة في دول الخليج.
After 20 years in a Saudi jail, Kozhikode native Abdul Rahim returned home to Kerala. Malayalis worldwide united through the “Save Abdul Rahim” campaign and raised Rs 34 crore in blood money, securing his release. pic.twitter.com/uQyZ4k37Dj
— TheNewsMinute (@thenewsminute) May 28, 2026
وسرعان ما تحولت حملة جمع التبرعات إلى واحدة من أكبر الحملات الإنسانية الشعبية التي شهدتها كيرالا. وتدفقت المساهمات من لجان المساجد، والكنائس، والمعابد، والعمال المغتربين، والطلاب، وأصحاب المتاجر، وسائقي عربات "الأوتو ريكشا"، إضافة إلى العاملات في مجموعات "كودومباشري". واستعاد منسق لجنة التبرعات كيه. كيه. علي كوتي ذكرياته مع الحملة، قائلاً إن الناس تبرعوا بما استطاعوا تقديمه. وأضاف: "بعضهم أرسل 100 روبية، وآخرون 1000 روبية. وكثير من الفقراء تبرعوا من قوتهم القليل".
وشهدت الحملة لحظات لافتة، إذ جُمِع نحو 10 ملايين روبية خلال تسع دقائق فقط في إحدى مراحل التبرعات. وبحلول اليوم الخامس من شهر رمضان، تجاوزت التبرعات 5 كرور روبية، غير أن الارتفاع الأكبر جاء خلال الأيام الأخيرة من الشهر الفضيل.
وفي الليلة السابعة والعشرين من شهر رمضان، تحولت مشاعر الناس ودعواتهم إلى دعم شعبي هائل، حيث جُمِع نحو 9 كرور روبية في يوم واحد فقط. وعندما اكتمل المبلغ المطلوب في 12 أبريل، تدفق -بحسب التقارير- كرور روبية إضافية خلال دقائق معدودة.
وبالنسبة إلى كثيرين في كيرالا، لم تكن الحملة مجرد جمع أموال، بل تحولت إلى لحظة نادرة من الوحدة تجاوزت الانتماءات الدينية والطبقية والسياسية. وفي الثاني من يوليو 2024م، ألغت محكمة سعودية حكم الإعدام الصادر بحق عبد الرحيم بعد استكمال اتفاق الدية، إلا أنه ظل في السجن بموجب القانون العام السعودي لإكمال مدة عقوبته البالغة 20 عامًا.
After two decades away from home, Shri Abdul Raheem is finally returning to his family in Kozhikode, Kerala. His flight to India left moments ago.
— India in Saudi Arabia (@IndianEmbRiyadh) May 27, 2026
Shri Abdul Raheem, who was facing a death sentence, has been pardoned and released after spending 20 years in prison. Throughout… pic.twitter.com/BvwqyiqzVY
وأكّدت السفارة الهندية في السعودية لاحقًا الإفراج عن عبد الرحيم، موضحة أن المسؤولين ظلوا على تواصل مستمر مع السلطات السعودية، وتابعوا أوضاعه ورفاهيته طوال مراحل الإجراءات القانونية. كما أشادت السفارة بالدعم الاستثنائي الذي قدمه أبناء الجالية الهندية من خلال حملة جمع التبرعات.
وفي صباح الخميس، بينما كان عبد الرحيم يجلس أخيرًا داخل منزله المتواضع في كودامبوزها يتناول الطعام الذي أعدّته له والدته، بدت الأجواء خارج المنزل أشبه بمهرجان احتفالي. واستمر الناس في الوصول جماعاتٍ؛ بعضهم يحمل الزهور، وآخرون جاءوا فقط لتقديم الدعوات ومصافحته. وفي القرية التي أمضت سنوات تردد اسمه في الدعوات الخافتة، لم يعد عبد الرحيم مجرد سجين بعيد في السعودية.
ولقد عاد أخيرًا إلى منزله قبيل عيد الأضحى.