بهاكتي تشالاك/ ماهاراشترا
كلما رفرف العلم الهندي ثلاثي الألوان، تمتلئ قلوبنا تلقائيًا بالفخر والاعتزاز. ولكن قبل أن يصل هذا العلم إلى أيدينا، يكون قد قطع رحلة طويلة من العمل الدؤوب، والتفاني الذي لا يتزعزع، والوطنية الصامتة.
وفي منزل متواضع بمدينة بونه، تتواصل منذ 52 عامًا، دون انقطاع، تقليدٌ عريق يتمثل في صناعة العلم الوطني وإيصاله إلى آلاف المنازل. وقد شاركت ثلاثة أجيال من عائلة الشيخ في الحفاظ على هذا التقليد.
وبدأت هذه التقاليد العائلية في الأزقة الضيقة بمنطقة "كاسبا بيث"، وظلت راسخة حتى اليوم رغم الفيضانات الكبيرة، والهجرة، وتغير الزمن. وتحولت هذه التقاليد الآن إلى خدمة وطنية مفعمة بالحب، يُصنع في إطارها أكثر من 50 ألف علم كل عام.
وبالنسبة إلى عائلة الشيخ، فإن هذا العمل ليس مجرد تجارة، بل هو تعبير خالص عن التفاني في خدمة الوطن وحبه.
نهوض "كاسبا بيث" من آثار الفيضانات
بدأت رحلة هذه العائلة في صناعة العلم ثلاثي الوطني قبل خمسة عقود، عندما أسّس حمو إلياس الشيخ هذا العمل في منطقة "كاسبا بيث". وعندما اجتاحت المنطقة فيضانات مدمرة، نقلت البلدية المحلية العائلة إلى مكان جديد. وعلى الرغم من أن العائلة فقدت الكثير جرّاء الفيضانات، فإنها رفضت التخلي عن تقليدها في صناعة العلم الوطني.

وقد تولّت زوجة أحد أفراد العائلة، في البداية، مواصلة هذا التقليد الذي بدأه الأجداد، ثم تبنّته الأسرة بأكملها. وفي حين كانت العائلة تنتج في البداية ما بين 400 و500 علم سنويًا فقط، تحوّل هذا العمل الآن إلى عملية واسعة النطاق، إذ تنتج الأسرة بفخر 50 ألف علم كل عام.
موسم الوطنية يبدأ قبل أشهر
قبل وقت طويل من انطلاق الأناشيد الوطنية في 15 أغسطس أو 26 يناير، يتحول منزل عائلة الشيخ إلى ورشة عمل تعج بالنشاط. وتبدأ الاستعدادات قبل شهرين إلى ثلاثة أشهر من المناسبات الوطنية. فمن الحصول على العصي الخشبية من سوق "مهاتما فولي" إلى قص الورق وتلوينه ووضع الغراء، يتولى أفراد الأسرة بأنفسهم جميع مراحل العمل. ويمر كل علم بين أيدي أربعة أو خمسة أشخاص قبل أن يكتمل. وبعد الانتهاء من صنعها، تُرتّب الأعلام وتُربط في حزم تضم كل منها 50 علمًا، ثم تُسلَّم إلى أصحاب المتاجر المحليين والباعة المتجولين.
ويقول إلياس الشيخ عن علاقته العاطفية العميقة بهذا العمل: "نكنّ لعلمنا الوطني بالغ الاحترام والحب. ونحن لا نقوم بهذا العمل من أجل الربح، بل نمارسه بدافع الحب الخالص والسعادة. ولقد أمضينا سنوات طويلة في هذا العمل، حتى إننا نشعر بالقلق إذا لم نصنع الأعلام. ونواصل اليوم هذا التقليد إلى حد كبير لأن أبناءنا يصرّون على ذلك، فهو يمنحهم السعادة".
الدافع الحقيقي هو الفخر وليس الربح
في وقتٍ تُقاس فيه كل الجهود بمعايير الربح والخسارة، تبرز عائلة الشيخ مثالًا نادرًا. فالعائلة ميسورة الحال من الناحية المالية، وبفضل الله، يتمتع أفراد الجيل الجديد بوظائف جيدة ومصادر دخل مستقرة. ومع ذلك، فإنهم مصممون على الحفاظ على هذا التقليد الذي يتطلب جهدًا متواصلًا.
ويقول إلياس: "هذا العمل يمنحنا سعادة بالغة. وما دام في أجسادنا نَفَس، فسوف نواصل صناعة هذه الأعلام. وإذا تركنا هذا العمل، فلن نعرف بأي شيء نشغل أنفسنا. وبفضل الله، يكسب أبناؤنا دخلًا جيدًا، لكننا نقوم بهذا العمل المبارك من أجل وطننا. فهو يمنح قلوبنا السكينة، ويكسبنا أيضًا الأجر الروحي لخدمة الوطن".
ولا يقل الجيل الجديد حماسًا عن الأجيال السابقة. فإيمان الشيخ، زوجة أحد أفراد الأسرة الشابة، تعمل هي الأخرى بحماس إلى جانب بقية أفراد العائلة. وعن شعورها بالفخر، تقول: "قبل زواجي، كانت حياتي تقتصر على المنزل والمدرسة والجامعة. ولكن عندما انضممت إلى هذه العائلة، أدركت مدى انشغال أفرادها بعمل نبيل وعظيم. وأشعر بفخر بالغ لكوني جزءًا من هذا العمل، ولإسهامي بدوري في خدمة الوطن".
لا هندوسي ولا مسلم.. بل هندي فقط
في مجتمع يحاول فيه الناس أحيانًا إقامة حواجز على أساس الدين، تزول كل هذه الحواجز عند عتبة منزل عائلة الشيخ. فكل من يأتي إلى منزلهم لشراء علم لا يأتي إلا بهوية واحدة: إنه هندي.
وحول فلسفة مواصلة التقليد الذي بدأه أجداده، يقول إلياس: "ليس الأمر أننا نحقّق أرباحًا كبيرة من هذا العمل، لكن التقليد الذي بدأه أجداد عائلة زوجتي جيلًا بعد جيل يجب ألا يتوقف. وما يحفزّنا هو حلم واحد فقط، وهو أن يصل العلم الوطني إلى كل يد وكل منزل".

ويضيف مبتسمًا: "نحن هنا لا ننظر إلى من هو هندوسي ومن هو مسلم. فمن يأتي إلينا يأتي فقط للحصول على علم الهند. فهو لا يخبرنا بهويته الدينية، ونحن لا نسأله عنها. ومن يريد علَمًا، نقدمه له بكل سرور".
تقليد راسخ في حب الهند
كل علم ثلاثي الألوان يُصنع في هذا المنزل الصغير بمدينة بونه هو شاهد على حب عائلة الشيخ للهند وولائها لها دون قيد أو شرط. فلا مكان هنا لحساب الأرباح، ولا للتمييز على أساس الطبقة الاجتماعية أو الدين. وما يترسخ في هذا المنزل هو شعور عميق واحد: الوطن أولًا.