بهاكتي تشالاك
تمكّنت شغفتة شيخ من التغلب على تحديات كبيرة، لتشق طريقها نحو النجاح في مجال الخدمة العامة. وتنحدر شغفتة من قرية تيرخيدا الصغيرة في منطقة داراشيف بولاية ماهاراشترا، حيث نشأت في أسرة تعاني ضائقة مالية؛ فوالدها يعمل سائق شاحنة، فيما تعمل والدتها أجيرةً في الحقول الزراعية. وإلى جانب هذه الظروف الصعبة، واجهت معارضة من بعض فئات مجتمعها لفكرة مواصلة الفتيات تعليمهن العالي.
واليوم، أصبحت شغفتة مصدر إلهام للآخرين، بعدما اجتازت ستة اختبارات متتالية للتوظيف الحكومي، وحصلت على اختيارات لشغل عدد من المناصب.
وانطلاقًا من إصرارها على الالتحاق بالخدمات الإدارية، تخلّت عن وظيفة واعدة في مجال تكنولوجيا المعلومات لدى شركة "تاتا للخدمات الاستشارية"، لتتفرغ للتحضير للامتحانات التنافسية. وقد وقع عليها الاختيار الآن لشغل منصب مسؤول تقييم الضرائب والشؤون الإدارية، وهو منصب مرموق.
واستعرضت شغفتة، في حديثها إلى "آواز دي وايس"، رحلتها الشاقة التي تخللتها صعوبات مالية وإخفاقات متكررة وحالة من الاكتئاب، قبل أن تتوجها بالمثابرة والإصرار على نحو لافت.
ونشأت شغفتة مع أختها الكبرى وشقيقيها الأصغر سنًا، وشهدت عن قرب قسوة الفقر. وأتمّت الصف العاشر في مدرسة قريتها، قبل أن تنتقل إلى داراشيف لمواصلة دراستها الثانوية العليا في الفرع العلمي. ثم التحقت بدراسة هندسة علوم الحاسوب في مدينة لاتور، ومَوّلت تعليمها من خلال قرض دراسي.

وقد أثمرت جهودها عن حصولها على فرصة توظيف من خلال برنامج التوظيف الجامعي في شركة "تاتا للخدمات الاستشارية". غير أن طموحها في الالتحاق بالخدمات الإدارية دفعها بعد فترة وجيزة إلى إعادة النظر في مسارها المهني. فبعد أن أمضت سبعة أشهر في القطاع الخاص، استقالت من وظيفتها وبدأت الاستعداد للامتحانات التنافسية بدوام كامل.
الإخفاقات والاكتئاب وفرصة ثانية
انتقلت شغفتة إلى مدينة بونه للاستعداد لامتحانات الخدمات المدنية في الولاية. وعلى الرغم من اجتيازها الامتحان التمهيدي في محاولاتها الثلاث الأولى، فإنها أخفقت مرارًا في اجتياز الامتحان الرئيس.
وألقت الإخفاقات المتتالية بظلالها الثقيلة على صحتها النفسية، وأدخلتها في حالة من الاكتئاب، استغرقت نحو عام ونصف العام للتعافي منها.
وبحلول ذلك الوقت، كانت مدخراتها قد نفدت، لكنها لم تكن مستعدة للتخلي عن حلمها. ولتغطية نفقات المعيشة والدراسة في بونه، التحقت بالعمل مدققةً لغوية ومحررةً للمحتوى لدى دار نشر متخصصة في كتب التحضير للامتحانات التنافسية. ويُذكر أن أحد الكتب التي عملت عليها حقق مبيعات بلغت نحو مئة ألف نسخة.
وبعد تعافيها، عادت شغفتة إلى الاستعداد للامتحانات بعزيمة متجددة. وتقدمت إلى جميع امتحانات التوظيف التي أُعلن عنها في عام 2023، وبدأت جهودها تؤتي ثمارها خلال العامين التاليين، إذ نجحت في ستة امتحانات متتالية.
وجاء أول نجاح لها باختيارها لشغل وظيفة مفتشة قنوات ري في إدارة الموارد المائية. كما وقع عليها الاختيار لشغل خمس وظائف أخرى، هي: مساعدة مبتدئة في مجلس منطقة راتناجيري، ومساعدة في أمانة حكومة الولاية، ومساعدة إيرادات في مديرية الزراعة بمدينة لاتور، ومساعدة ضرائب في إدارة ضريبة السلع والخدمات بمدينة مومباي، ومساعدة في مجلس منطقة بونه.
وباشرت شغفتة عملها مفتشةً لقنوات الري، وعملت في منطقة بيد لمدة عامين. كما تنازلت طواعيةً عن الوظائف الخمس الأخرى، لتتيح لمرشحين آخرين مستوفين للشروط فرصة الحصول عليها.
مواجهة الحواجز الاجتماعية
بالنسبة إلى شغفتة، لم تكن مواصلة التعليم العالي بصفتها امرأة مسلمة تقتصر على مواجهة الصعوبات المالية، بل واجهت أيضًا تحديات ناجمة عن التوقعات الاجتماعية والقيود المفروضة على تعليم المرأة وحركتها.
واستعادت شغفتة تلك التجارب قائلةً إن الحصول على التعليم والمضي قدمًا في الحياة بالنسبة إلى امرأة تنتمي إلى أسرة مسلمة قد ينطوي على نوع مختلف تمامًا من المعاناة. وأقرّت بأنها شعرت في مرحلة ما بالخوف من مغادرة منزلها من دون ارتداء البرقع.
كما واجهت نصائح وانتقادات غير مرغوب فيها من المحيطين بها. فحين كان وشاحها ينزلق عن رأسها، كان بعضهم ينصح أسرتها بتزويجها. واتهم آخرون والديها بإفسادها، لأنهما سمحا لها بالسعي وراء طموحاتها.

وعلى الرغم من هذه الضغوط، ظلت شغفتة متمسكة بأهدافها. ورغم أن والديها لم يتمكنا من تقديم دعم مالي يُذكر لها، فإنهما ساندَاها نفسيًا ومعنويًا، ومنحاها التشجيع الذي احتاجت إليه لمواصلة مسيرتها.
وفي معرض حديثها عن التحديات التي لا تزال تواجه الفتيات المسلمات في سبيل مواصلة التعليم العالي، وجّهت شغفتة رسالة صادقة إلى الآباء والأمهات، دعتهم فيها إلى عدم الضغط على بناتهم للزواج قبل أن تتاح لهن فرصة تحقيق الاستقلال المالي.
كما حثّت النساء على مراعاة مسؤولياتهن تجاه أسرهن، وتجنب التصرفات التي قد تمس كرامة الأسرة وسمعتها.
فصل جديد في مسيرة الخدمة العامة
بعد إعلان نتائج التوظيف في مجلس منطقة بونه، استقالت شغفتة من وظيفتها مفتشةً لقنوات الري، والتحقت بالعمل مساعدةً في مجلس منطقة بونه.
والآن، فتح اختيارها لشغل منصب مسؤول تقييم الضرائب والشؤون الإدارية فصلًا جديدًا في مسيرتها المهنية. ومن المتوقع أن تستقيل من منصبها الحالي خلال الأسابيع المقبلة، لتتولى مسؤولياتها الجديدة.
وبالنسبة إلى شابة بدأت مسيرتها في قرية كانت فيها القيود المالية والمعارضة الاجتماعية تهددان طموحاتها، يمثل هذا الإنجاز محطة مهمة في حياتها. وتقول شغفتة إنها ستؤدي واجباتها بأمانة وتفانٍ، وستحرص على أن تكون على قدر المسؤولية التي يفرضها المنصب الذي استحقته، وأن تضيف إليه شرفًا واعتبارًا.
وأما الشباب الذين فقدوا الأمل، فإن رحلة شغفتة تبعث في نفوسهم أملًا جديدًا. فبدلًا من الاستسلام عند الإخفاق، تقدم شغفتة شيخ مثالًا يُحتذى به في النهوض مجددًا وإثبات الذات ومواصلة السعي نحو آفاق أرحب من النجاح.