ثانية أنجم
ما الذي يعرّف الطبيب أكثر من الرتب والألقاب وسنوات الخدمة؟ أهي التخصصات التي يختارها، أم الأنظمة التي يسهم في بنائها، أم القيم التي يرفض التنازل عنها؟ وبالنسبة إلى الدكتورة عاصمة بانو، الأستاذة المشاركة ورئيسة القسم في كلية بنغالورو الطبية ومركز الأبحاث، تكمن الإجابة في مسيرة حياة قامت على اختيار الطرق الصعبة والتمسك الصارم بالصدق والنزاهة والهدف.
وُلدت الدكتورة عاصمة بانو وتلقت تعليمها في جنوب بنغالورو، وبدأت رحلتها الأكاديمية في مدرسة ساراسواتي فيجايا، حيث كانت من المتفوقات منذ سنواتها الأولى. واستمر تميزها خلال مرحلة ما قبل الجامعة، إذ حصلت على مراتب متقدمة، ثم واصلت تفوقها في كلية الطب ببنغالورو.
وبالنسبة إلى كثيرين ممن يمتلكون هذا المستوى الأكاديمي، يكون المسار نحو تخصصات تقليدية مرموقة هو الخيار الطبيعي. غير أن الدكتورة عاصمة اختارت طريقًا مختلفًا. وتقول: "لم أسلك الطرق المعتادة في اختيار التخصصات، أسمي ذلك قدرًا أو خيارًا شخصيًا، فقد اخترت علم الأحياء الدقيقة".

وفي وقتٍ كان فيه طب فيروس نقص المناعة البشرية في بداياته، وكانت مكافحة العدوى لا تحظى بالاهتمام الكافي، كما كان مجال إدارة النفايات الطبية الحيوية لا يزال في طور التطور في الهند، رأت الدكتورة عاصمة هدفًا حيث رأى الآخرون حالة من عدم اليقين. وتقول بثقة هادئة: "لقد سلكتُ كل الطرق التي لم يسلكها الآخرون. ولم تكن سهلة أبدًا، لكن الطرق الصعبة تقود إلى وجهات جميلة".
وقد أصبحت هذه الفلسفة حجر الأساس في مسيرتها المهنية، التي امتدت لأكثر من 26 عامًا في كلية بنغالورو الطبية ومركز الأبحاث، حيث عملت محاضِرة، ثم أستاذة مساعدة، ثم أستاذة مشاركة، وصولًا إلى أستاذة ورئيسة القسم.
وقضت سنواتها الأولى في مؤسسات طبية عالية الضغط مثل مستشفى فيكتوريا، ومستشفى باورينغ، ومرافق رعاية الإصابات، حيث عملت لما يقارب تسع سنوات. وتتذكر أن طب الإصابات كان قاسيًا ومتواصلًا، لكنه في الوقت نفسه شديد الإنسانية. وعندما سُئلت عمّا يمنحها الثبات في مثل هذه البيئات المكثفة، كان جوابها بسيطًا ومعبرًا: "المرضى وطلابي. وأحب التدريس، فالأكاديمية تبقيني متوازنة". وقد ظل هذا التوازن بين المسؤولية السريرية والإرشاد الأكاديمي جزءًا أساسيًا من هويتها المهنية.
ولا تقتصر الدكتورة عاصمة بانو على كونها طبيبة أو أكاديمية فحسب، بل هي أيضًا صانعة أنظمة ومؤسسات. ومن أبرز إسهاماتها تأسيس مختبر في مركز رعاية الإصابات وتطويره ليصبح خدمة طوارئ مخبرية متكاملة تعمل على مدار الساعة. وقد أُنشئ هذا المختبر بموارد محدودة، لكن برؤية واسعة، ليصبح نموذجًا للكفاءة، يلبّي الاحتياجات التشخيصية الحرجة في كل الأوقات. وتقول بواقعية: "استثمار جيد جدًا، بميزانية منخفضة، ونتائج ممتازة"، في إشارة إلى قدرتها على تحويل الأفكار إلى إنجازات مستدامة.
وامتد دورها إلى ما هو أبعد من المختبرات ليشمل الإدارة وبناء المؤسسات؛ إذ كانت ضمن الفريق الأساسي الذي أشرف على إنشاء وتشغيل مركز رعاية الإصابات، مساهمةً فيه طبيًا وإداريًا. وبصفتها نائبة منسق وحدة التعليم الطبي، أسهمت في رفع معايير التدريس بما يتماشى مع إرشادات المجلس الطبي الوطني المتجددة، وعمليات التفتيش الميداني، والانتقال نحو التعليم المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
وفي عام 2018م، أدّت دورًا محوريًا في إنشاء مركز المحاكاة في كلية بنغالورو الطبية ومركز الأبحاث، وهو ما شكّل نقلة نوعية نحو تدريب طبي حديث قائم على المهارات.
وبالنسبة إلى الدكتورة عاصمة بانو، لا تعني القيادة السلطة بقدر ما تعني المسؤولية. وتقول: "على القائد أن يكون مستعدًا للانتقاد والسلبية، وأن يحمي فريقه ويقود بالقدوة". وهي تؤمن إيمانًا راسخًا بأن القيادة "منطقة بلا فضل شخصي"، موضحة فلسفتها بقولها: "تحمّل كل الأعباء وامنح كل الفضل للفريق، فالقائد لا يكون ناجحًا إلا بقدر نجاح فريقه". وقد أكسبها هذا النهج احترامًا مهنيًا واسعًا، وولاءً عميقًا من زملائها وطلابها.
وقد حظي التزامها بالتعليم بتقدير مبكر في مسيرتها، حين نالت جائزة أفضل معلم على مستوى الولاية في تدريس الدراسات العليا عام 2007م. ومع أكثر من خمسين بحثًا علميًا ومشاركة فاعلة في الندوات والمؤتمرات، تواصل إسهاماتها في مجال الطب الأكاديمي، إلى جانب إرشاد الأجيال القادمة من الأطباء. وكثيرًا ما تؤكد أن التعليم الطبي أصبح شغفها الحقيقي مع مرور الوقت.

وتشرف حاليًا على برامج مكافحة العدوى في مستشفى فاني فيلاس، كما تتابع معايير السلامة في بنك حليب الأم، حيث وُضعت بروتوكولات موحّدة تحت إشرافها. وتعكس هذه الأدوار التزامها الطويل بالرعاية الوقائية وسلامة المرضى والصحة العامة، وهي مجالات تعمل غالبًا بصمت، لكنها تنقذ عددًا لا يُحصى من الأرواح.
ولا تكتمل رواية مسيرتها دون التوقف عند جائحة كوفيد-19، التي تصفها ببساطة بأنها "كابوس". فلم تكن هناك عطلات أو أعياد أو توقف، وتقول: "رغم العيد وغيره من المناسبات، استمرت الولادات، وكنا نسير يوميًا وسط الموت". فقد وضعت الأمهات مواليدهن في ظل حالة من عدم اليقين، وواجه العاملون في القطاع الصحي إرهاقًا أخلاقيًا مستمرًا. ومع ذلك، لا تتحدث عن اليأس، بل عن الصمود، مرجعةً البقاء إلى قوة جماعية، وما تصفه بتواضع بـ"العون الإلهي". وتضيف على طريقتها: "لا أحمل الأمور في قلبي، بل أمضي مع مجرى الحياة".
ووراء هذه المسيرة المهنية تقف امرأة متجذّرة في قيمها، تستمد دعمها من أسرتها. وباعترافها، فهي مدمنة على العمل، لكنها تجد لحظات سكينتها مع حفيدتها، وفي أحضان الطبيعة والغابات، وكذلك في الرسم والأشغال اليدوية. كما يعرفها كثيرون من خلال برنامج "اسأل عاصمة" على إذاعة 92.7 بيغ إف إم، حيث تنجح في الموازنة بين أدوار متعددة بأناقة. وتقول: "عندما تحتاجني الأسرة، لا يوجد أي تنازل، لا على حساب العائلة ولا على حساب المهنة"، في انعكاس لواقع تعيشه كثير من القيادات النسائية في الهند.
اقرأ أيضًا: ابنة المؤذن التي أصبحت قائدة لمنتخب الهند النسائي للهوكي
وعندما سُئلت كيف تود أن يتذكرها طلابها بعد عشر سنوات، جاء جوابها بسيطًا ودافئًا بشكل لافت؛ إذ تأمل أن تُذكر كـ"صديقة"، شخص جلس معهم، وشاركهم اللعب والطعام، واحتفل معهم بالمناسبات، ووقف إلى جانبهم خارج حدود القاعات الدراسية والامتحانات. وهذه الصلة الإنسانية هي التي تشكّل إرثها الحقيقي، أكثر من أي منصب أو لقب.
ورسالتها إلى الجيل الشاب واضحة وثابتة: التمسك بالمبادئ، والتحلي بالصدق، والإخلاص في العمل، وأن يكون الإنسان مواطنًا مسؤولًا يبعث على فخر وطنه. وتذكّرنا بأن الورود والأشواك تأتي معًا، لكن النزاهة هي التي تجعل الرحلة ذات معنى.