من قرية صغيرة إلى الأمم المتحدة.. حنا سيفي تقود العمل المناخي في الهند

14-07-2026  آخر تحديث   | 14-07-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
من قرية صغيرة إلى الأمم المتحدة.. حنا سيفي تقود العمل المناخي في الهند
من قرية صغيرة إلى الأمم المتحدة.. حنا سيفي تقود العمل المناخي في الهند

 


 ملك أصغر هاشمي/ نيودلهي

يُعد عدد النساء العاملات في مجال البيئة والتغير المناخي في الهند محدودًا للغاية، ومن بين الأسماء الصاعدة في هذا المجال تبرز حنا سيفي، المنحدرة من منطقة ميروت بولاية أترا برديش. وتنتمي حنا إلى قرية صغيرة وبسيطة، إلا أنها نجحت اليوم في أن تصبح من أبرز الناشطات اللواتي يجُبن أنحاء البلاد لنشر الوعي بأهمية حماية البيئة والتصدي لتغير المناخ، وهو ما يستحق الإشادة والتقدير. 

وتبلغ حنا سيفي من العمر 25 عامًا، وقد حصلت على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من إحدى المؤسسات التعليمية المرموقة في ميروت. واسترجعت بداياتها قائلة إن العمل في هذا المجال بدا في البداية شبه مستحيل، لكن مع مرور الوقت بدأ المزيد من الأشخاص بالانضمام إليها، وتحولت المبادرة تدريجيًا إلى حركة واسعة. واليوم أصبحت المؤسسة التي تقودها تتمتع بمكانة متميزة على مستوى الهند.

 

وتنحدر حنا من قرية سيسولا التابعة لمنطقة ميروت في ولاية أترا برديش، وقد اختارتها الأمم المتحدة في الهند ضمن قائمة تضم 17 قائدًا شابًا في مجال العمل المناخي، وذلك في إطار حملتها الجديدة #WeTheChangeNow، لتصبح إحدى الشخصيات البارزة في هذه المبادرة العالمية. وتهدف هذه الحملة إلى إبراز الحلول الميدانية التي يطورها الشباب الهنود المهتمون بالبيئة، وعرضها أمام المجتمع الدولي. ومنذ عام 2018م، تشارك حنا في حملات بارزة. 

وتؤمن حنا سيفي إيمانًا راسخًا بأن رفع مستوى الوعي البيئي داخل المجتمع كفيل بإحداث تغيير كبير في حماية الطبيعة وتحسين البيئة. وترى أن ذلك لن يتحقق إلا إذا بادر الناس إلى تبني عادات وسلوكات عملية تتوافق مع متطلبات الحفاظ على المناخ. ولهذا السبب جعلت من توعية المجتمعات الريفية وتنظيمها ونشر الوعي البيئي بينها هدفًا رئيسًا في حياتها. 

 

وتقول إن الدافع الأكبر الذي قادها إلى العمل في المجال البيئي كان ما رأته من تدهور الأوضاع في قريتها، حيث لاحظت ارتفاع مستويات تلوث الهواء بشكل مستمر، إلى جانب ضعف الوعي البيئي لدى السكان، الأمر الذي دفعها إلى تكريس جهودها لإحداث تغيير حقيقي يبدأ من المجتمع المحلي.

وتؤمن حنا بأن تغيير السلوكات اليومية للأفراد لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال العمل الميداني المباشر. ولذلك تنظم، بالتعاون مع زملائها، مسيرات تحت شعار "مسيرة من أجل هواء نقي"، وتجوب القرى لتوزيع المنشورات التوعوية، كما تنظم لقاءات جماهيرية للتوعية بالقضايا البيئية. ولا تقتصر جهودها على ذلك، بل تزور المنازل وتلتقي السكان وجهًا لوجه، وتُجري استطلاعات ميدانية حول القضايا البيئية. 

وتؤكد حنا أن الاستخدام الواسع للمعدات التي تعمل بالطاقة الشمسية يمثل أحد الحلول المستدامة للحد من تلوث الهواء. ومن هذا المنطلق، تقود حملات متواصلة لتركيب مضخات تعمل بالطاقة الشمسية في المناطق الريفية، إلى جانب تركيب الألواح الشمسية على أسطح المباني المجتمعية. وتسهم هذه المبادرات الميدانية التي تقودها حنا سيفي في دعم تحقيق أهداف المساهمات المحددة وطنيًا للهند في مجال العمل المناخي. 

وكانت الحكومة الهندية قد حددت هدفًا يتمثل في رفع حصة مصادر الطاقة غير الأحفورية، بما في ذلك الطاقة الشمسية، إلى 40% من إجمالي القدرة الإنتاجية للطاقة في البلاد بحلول عام 2030م. وتنفذ حنا حاليًا أنشطتها بالتعاون مع منظمة محلية غير حكومية في ميروت تُعرف باسم "إين بلوك".

ولا تخوض حنا سيفي هذه المعركة ضد تغير المناخ بمفردها، بل يشاركها فيها 16 شابًا وشابة آخرون من مختلف أنحاء الهند، اختارتهم الأمم المتحدة ضمن رواد العمل المناخي الشباب. ويشارك هؤلاء عبر الموقع الرسمي للأمم المتحدة قصص كفاحهم وإنجازاتهم، بهدف إلهام المزيد من الشباب للانضمام إلى هذه المبادرة والمساهمة في حماية البيئة. 

 

وأصبح هؤلاء الشباب، الذين يمثلون حملة "We The Change"، نموذجًا عالميًا في الدعوة إلى العدالة المناخية والحفاظ على البيئة، من خلال تقديم حلول عملية ومستدامة لمواجهة التحديات البيئية. 

وأشادت الممثلة الهندية الشهيرة ديا ميرزا، وهي مناصرة لأهداف التنمية المستدامة لدى الأمين العام للأمم المتحدة، بهذه الحملة الرقمية، مؤكدة أن قصص حنا وزملائها تركت فيها أثرًا كبيرًا. وأعربت عن أملها في أن تلهم هذه النماذج المزيد من أبناء المجتمع الهندي للمساهمة في حماية البيئة. 

ومن جانبها، أكدت دييدري بويد، المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في الهند، أن هذه الحملة تشجّع على تبني رؤى جديدة وعملية لمواجهة أزمة المناخ، كما تحفّز حكومات الولايات والمجتمعات المحلية في مختلف أنحاء البلاد على اتخاذ خطوات أكثر فاعلية. وأضافت أن المبادرة تحتفي بالابتكارات التي يقودها الشباب، والتي تقوم على حلول مستدامة وصديقة للبيئة، وتسهم في بناء مستقبل أكثر استدامة.

ولم تكن مسيرة حنا سيفي الشخصية أقل صعوبة من رحلتها في العمل البيئي، بل كانت مليئة بالتحديات والإصرار. ففي قرية سيسولا لا توجد سوى مدرسة حكومية حتى الصف الثامن، وكان والداها يرفضان في البداية إرسالها إلى خارج القرية لمواصلة تعليمها. إلا أن والدتها وقفت إلى جانبها، وأرسلتها للإقامة في منزل خالتها بمدينة خاتولي، حيث أكملت دراستها وحصلت على شهادة الصف العاشر.

ولم تكن مواصلة الدراسة حتى المرحلة الثانوية بالأمر السهل، لكن موكيش كومار، أحد المسؤولين في منظمة "إن بلوك"، نجح في إقناع أسرتها بالسماح لها بالالتحاق بالكلية ومواصلة تعليمها. وكانت الأوضاع الاقتصادية في قرية سيسولا متردية للغاية؛ إذ كان معظم الرجال يعملون في محاجر الحجارة، بينما كانت النساء والأطفال يعملون في مصانع صناعة كرات القدم المحلية، مقابل أجر لا يتجاوز 20 روبية لقاء خياطة الكرة الواحدة. 

وتؤكد حنا أن عمالة الأطفال كانت ظاهرة شائعة في قريتها بسبب الفقر، حتى إنها تلقت بعد الصف الثامن نصائح بترك الدراسة، لكنها أصرت على مواصلة تعليمها. ولتغطية نفقات دراستها، عملت بدوام جزئي في أحد مصانع كرات القدم.

وفي عام 2018م، أصبحت حنا أول فتاة من قريتها تشارك في ورشة عمل بيئية أُقيمت في مدينة لكناؤ، حيث تعرّفت على قضايا تلوث الهواء ومؤشر جودة الهواء وآليات قياسه. وبعد عودتها إلى قريتها، بادرت إلى تشكيل مجموعات صغيرة من النساء والأطفال لنشر الوعي البيئي، كما أسست فريقًا يضم 20 فتاة يتولى تنفيذ برامج توعوية في القرية. ومن خلال انضمامها إلى منصة "Women Climate Collective"، باتت ترفع صوتها في المحافل الوطنية والدولية دفاعًا عن قضايا المناخ. 

 

وأطلقت حنا مؤخرًا مبادرة جديدة للمناطق الريفية تحت عنوان "الازدهار من خلال الشمس"، تهدف إلى توعية السكان بفوائد أنظمة الطاقة الشمسية المستقلة عن شبكة الكهرباء. كما تنظم في المدارس مسابقات للرسم والخطابة حول البيئة، بهدف غرس ثقافة الحفاظ على البيئة لدى الأطفال منذ الصغر. 

وتؤكد حنا أن النساء يؤدين الدور الأكثر أهمية في إحداث التغيير المجتمعي، لأنهن أول من يتأثر بشكل مباشر بتداعيات الأزمة المناخية. وقد أسهمت جهودها في إحداث تحول ملموس في قرية سيسولا؛ إذ لم يعد أولياء الأمور يترددون في إرسال بناتهم إلى الكليات خارج القرية لمواصلة تعليمهن، كما تحسنت نظافة الشوارع وأصبحت إدارة النفايات أكثر تنظيمًا وكفاءة. 

اقرأ أيضًا: حليمة خاتون.. أيقونة النضال ضد زواج القاصرات وتمكين المرأة

وتحرص حنا على الاجتماع بانتظام مع رئيس القرية لمناقشة خطط التنمية الجديدة. وتجسد رحلة حنا سيفي، التي انطلقت من قرية ريفية متواضعة في منطقة ميروت ووصلت إلى منصات الأمم المتحدة، نموذجًا ملهمًا لكل فتاة تسعى إلى تجاوز القيود الاجتماعية والإسهام في إحداث تغيير إيجابي في مجتمعها.

قصص مقترحة