شريفة خانم.. أربعة عقود في الدفاع عن حقوق النساء المسلمات في الهند

20-07-2026  آخر تحديث   | 20-07-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
شريفة خانم
شريفة خانم

 


 أشهر عالم/ نيودلهي

في كل شهر، تتوافد نساء في منطقة بودوكوتاي بولاية تاميل نادو إلى مجلس لم يكن له وجود قبل جيل واحد. يحملن معهن قصصًا عن الهجر والعنف الأسري والطلاق التعسفي والحرمان من الميراث وسنوات طويلة من الصمت. وبدلًا من الوقوف أمام مجلس يهيمن عليه الرجال، يجدن نساءً يصغين إليهن ويفهمن معاناتهن، ويرشدنهن إلى السبل القانونية المتاحة، ويقدمن لهن الدعم والمشورة، ويساعدنهن على استعادة كرامتهن.

ويُعد هذا المجلس، المعروف باسم "لجنة جماعة النساء المسلمات في تاميل نادو"، ثمرة إصرار امرأة واحدة على إيجاد مساحة تستطيع فيها النساء المسلمات التعبير عن أنفسهن والدفاع عن قضاياهن. وتلك المرأة هي دي. شريفة خانم، الناشطة الاجتماعية التي أسهمت جهودها على مدى العقود الأربعة الماضية في إحداث تحول في حياة آلاف النساء.

وبالنسبة إلى شريفة خانم، لم تبدأ معركة النضال من أجل العدالة بالنشاط الاجتماعي، بل بدأت بالملاحظة.

وُلدت خانم في أسرة كبيرة بإحدى قرى ولاية تاميل نادو، وكانت أصغر عشرة إخوة وأخوات. وكانت والدتها، التي عملت معلمة في مدرسة أردية، تتولى إلى حد كبير مسؤولية تربية أطفالها بمفردها بعد انفصالها عن والد خانم. ومثل كثير من الفتيات اللواتي نشأن في بيئات محافظة، كانت خانم تتقبل سلطة الرجل باعتبارها واقعًا لا جدال فيه. ولم تكن ترى في النظام الأبوي أمرًا ينبغي تحديه، بل كانت تعتبره ببساطة جزءًا من طبيعة الحياة.

وشجعها أحد إخوتها الأكبر سنًا، الذي درس لاحقًا في المعهد الهندي للتكنولوجيا في كانبور ، على مواصلة طموحاتها الأكاديمية، وساعدها في الحصول على القبول في جامعة عليكره الإسلامية. وقد أتاح لها الانتقال من قرية صغيرة إلى واحدة من أبرز الجامعات في الهند التعرف على أفكار وتجارب ونقاشات تجاوزت حدود محيطها المباشر. غير أن اللحظة الفارقة في مسيرتها جاءت بعد التخرج.

 https://www.awazthevoice.in/upload/news/1784307216D._Sharifa_Khanam_speaking_at_a_seminar.jpeg

فخلال مؤتمر نسائي عُقد في باتنا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، عملت خانم مترجمةً، حيث كانت تنقل النقاشات من اللغتين الهندية والإنجليزية إلى اللغة التاميلية لصالح المشاركات القادمات من مختلف أنحاء البلاد. ومن خلال استماعها باهتمام إلى شهادات وقصص لا حصر لها، أدركت أن معاناة النساء لا تقتصر على منطقة أو ديانة أو طبقة اجتماعية بعينها. فقد كانت اللغات المختلفة تروي القصص ذاتها: العنف داخل المنازل، وعدم تكافؤ الفرص، والتبعية الاقتصادية، والحرمان من الحقوق الأساسية.

وقد غيّرت تلك التجربة نظرتها إلى حياة النساء تغييرًا جذريًا.

وفي مقابلات لاحقة، استذكرت خانم أنها كانت تنظر إلى نفسها في السابق كشخص ينتظر، مثل سندريلا، ظهور جنية طيبة تأتي لتحل المشكلات. لكنها أدركت في نهاية المطاف أن مثل هذا المنقذ لن يأتي. وإذا كان لا بد من إحداث التغيير، فعلى النساء أن يصبحن حاميات لأنفسهن، وأن تدعم إحداهن الأخرى.

وبعد عودتها إلى بودوكوتاي، بدأت خانم خطواتها بإمكانات متواضعة. وباستخدام الأموال التي كانت تكسبها من إعطاء الدروس الخصوصية وبيع الساري، جمعت خانم مجموعة صغيرة من النساء لمناقشة مشكلاتهن والبحث عن حلول عملية لها. وسرعان ما تحولت المبادرة، التي بدأت بصورة غير رسمية، إلى حركة منظمة.

وفي عام 1987م، أسست "منظمة ستيبس لتنمية المرأة"، وهي منظمة تُعنى بدعم النساء اللواتي يعانين من العنف الأسري والطلاق والهجر والفقر والإقصاء الاجتماعي. وفي البداية، انصبّ التركيز على تقديم المشورة للأسر والتوسط في حل النزاعات، إلا أن نطاق العمل توسع تدريجيًا ليشمل المساعدة القانونية وإعادة التأهيل والمناصرة.

وإدراكًا لأهمية هذه المبادرة وتأثيرها، خصصت إدارة المنطقة قطعة أرض مكّنت منظمة "ستيبس" من إنشاء مقر دائم لأنشطتها.

ودفعها ذلك إلى دراسة آلية عمل "الجماعات" التقليدية، وهي هيئات مجتمعية مرتبطة بالمساجد، تتولى عادةً تسوية النزاعات من خلال مجالس يهيمن عليها كبار السن من الرجال. وكانت خانم ترى أن النساء نادرًا ما يحظين بفرصة عادلة لعرض قضاياهن أمام هذه المجالس.

كما لاحظت أن كثيرًا من النساء يفتقرن إلى المعرفة الدينية، ومن ثم لا يستطعن مناقشة التفسيرات المقدمة إليهن بشأن أحكام الشريعة الإسلامية. وبعد أن قرأت القرآن الكريم بنفسها مترجمًا إلى اللغة التاميلية، ترسخ لديها الاعتقاد بأن هناك، في كثير من الأحيان، فجوة كبيرة بين النص القرآني والطريقة التي تفسره بها بعض المؤسسات المجتمعية في القضايا المتعلقة بالمرأة.

 https://www.awazthevoice.in/upload/news/1784307144Women_attending_mediation_camp_of_STEPS.jpeg

وعزمًا منها على إيجاد بديل، أسست خانم "جماعة نسائية مسلمة" عام 1991م. وتطورت هذه المبادرة لاحقًا لتصبح "لجنة جماعة النساء المسلمات في تاميل نادو"، التي ظهرت رسميًا عام 2000م بوصفها امتدادًا لمنظمة "ستيبس".

وكان هدفها واضحًا وبسيطًا، لكنه شكّل خطوة رائدة وغير مسبوقة، تمثلت في توفير منبر للنساء المسلمات يمكنهن من خلاله السعي إلى تحقيق العدالة من دون خوف أو ترهيب.

وتعقد اللجنة اجتماعات منتظمة على مستوى المناطق والولاية، تعرض خلالها النساء قضايا تتعلق بالطلاق والنفقة والعنف الأسري والنزاعات على الميراث وغيرها من الخلافات العائلية. ويحاول أعضاء اللجنة أولًا التوصل إلى المصالحة من خلال تقديم المشورة والوساطة، وعند الضرورة، يتعاونون مع الشرطة أو يلجؤون إلى القضاء للحصول على الحلول القانونية المناسبة.

وإلى جانب تسوية النزاعات، تنظم المؤسسة أيضًا ورش عمل حول الشريعة والحقوق القانونية وحقوق المرأة التي تكفلها لها الشريعة والقوانين المدنية على حد سواء. كما أطلقت حملات للمطالبة بإصلاحات شملت إلغاء الطلاق الثلاثي الفوري، وتعزيز الاعتراف بحقوق المرأة المسلمة في الملكية والميراث.

وخلال عملها مع نساء من مختلف الطوائف والمجتمعات، تقول خانم إنها نادرًا ما كانت تنظر إلى نفسها في المقام الأول من منظور ديني. لكن هذا الأمر تغير خلال موجات العنف الطائفي التي شهدتها مناطق مجاورة، إذ كشف الشعور بانعدام الأمان الذي عانت منه الأسر المسلمة، ولا سيما النساء، عن بُعد آخر من أبعاد الهشاشة والمعاناة، كانت المنظمات النسائية الرئيسية غالبًا ما تتردد في التصدي له.

ولم تخلُ هذه المسيرة من المعارضة والتحديات.

ووفقًا للمنظمة، واجهت "جماعة النساء" معارضة مستمرة من بعض الأوساط الدينية المحافظة، شملت تهديدات وُجهت إلى أعضائها. ومع ذلك، أكدت خانم مرارًا أن الهدف من هذه المبادرة لم يكن يومًا تحدي الدين في حد ذاته، وإنما ضمان عدم إقصاء النساء من النقاشات والقرارات التي تمس حياتهن.

ومع مرور الوقت، لاحظت خانم بعض التغيرات المشجعة، إذ بدأت بعض المساجد في ولاية تاميل نادو تدريجيًا في إتاحة مساحة أكبر لمشاركة النساء، بما يعكس تحولًا بطيئًا لكنه مهم في مواقف المجتمع تجاه مشاركتهن.

وإلى جانب جهودها في مجال المناصرة، تواصل منظمة "ستيبس" أداء دورها ملاذًا للنساء الهاربات من العنف، حيث توفر لهن المأوى المؤقت والاستشارات والدعم اللازم لإعادة التأهيل، فضلًا عن اهتمامها بقضايا أوسع نطاقًا، مثل سبل كسب العيش وحقوق الأراضي والتعليم وفرص العمل.

وتقوم فلسفة المنظمة على قناعة بسيطة مفادها أن احترام الذات هو الأساس لتمكين المرأة.

 https://www.awazthevoice.in/upload/news/1784307260Women_attending_a_workshop_of_STEPS.avif

ووفقًا للمنظمة، استفادت نحو 3500 امرأة من تدخلاتها وبرامجها على مر السنين. كما أسهمت برامج التوعية الموجهة إلى الطلاب والنساء في المناطق الريفية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك ورش العمل وحملات الملصقات والمسابقات والتدريب على الدفاع عن النفس، في توسيع نطاق عملها ليتجاوز مجرد التدخل في حالات الأزمات.

ولم تكن خانم متاحة للتعليق خلال إعداد هذا المقال، كما لم يرد مكتبها على الاستفسارات المتعلقة بـ"جماعة النساء" أو بفكرة إنشاء مسجد مخصص للنساء فقط، وهي الفكرة التي سبق أن نوقشت في مقابلات سابقة. غير أنها أوضحت في مناسبات سابقة أن فكرة "مسجد للنساء" لم تكن يومًا الهدف النهائي في حد ذاته، بل كان الأهم بالنسبة إليها إيجاد مساحات تستطيع فيها النساء الاجتماع بحرية، ومناقشة قضاياهن ومشكلاتهن، والعمل بشكل جماعي على إيجاد حلول لها.

وعلى مدى ما يقرب من أربعة عقود، عملت دي. شريفة خانم بهدوء على بناء مؤسسات في بيئة كان كثيرون يعتقدون بأن إنشاء مثلها أمر غير ممكن. وبدلًا من انتظار التغيير ليأتي من الخارج، أنشأت آليات أتاحت للنساء المستضعفات الحصول على الدعم والعدالة والتضامن. ومن خلال ذلك، أثبتت أن أحد أقوى أشكال القيادة يكمن أحيانًا في منح الآخرين الثقة للتعبير عن أصواتهم، وضمان أن يجدوا أخيرًا من يصغي إليهم.

قصص مقترحة