محاضرات آمنة مرزا تنقل الطلاب من صفحات الكتب إلى رحاب التاريخ وآفاق الحداثة

15-11-2025  آخر تحديث   | 14-11-2025 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
الدكتورة آمنة مرزا
الدكتورة آمنة مرزا

 


فيدوشي غاور/ نيودلهي

في قلب دلهي، حيث يمتزج التراث بالحداثة، تقف الدكتورة آمنة مِرزا ​​شامخةً بصفتها معلمة تُحدث تغييرات جذرية في عقلية الناس. فهي أستاذة في العلوم السياسية مهنيًا، وصانعة تغيير بالفطرة. وتتحدى رحلة الدكتورة مرزا ​​الجمود الذي غالبًا ما يُصاحب العمل الأكاديمي. فهي تؤدي أدوارًا متعددة بسهولة: مُعلمة، وأخصائية اجتماعية، وراعية للثقافة، وفوق كل ذلك، مواطنة دلهية فخورة تؤمن بتنمية روح الأمة من خلال شعبها وتعدديتها.

والدكتورة آمنة مِرزا ​​ليست مجرد أكاديمية؛ بل هي مُرشدة ترى التعليم أداةً للتغيير. وتتجاوز محاضراتها الكتب المدرسية، إذ تُثريها بإشارات من الشعر الأردي والتاريخ الهندي والواقع المعاصر.

وتُدرّس الدكتورة مِرزا في جامعة دلهي، وهي مؤسسة تُكنّ لها احترامًا عميقًا، ليس فقط لمكانتها الأكاديمية، بل لدورها في تشكيل الخطاب الديمقراطي في الهند. وتعكس قاعتها الدراسية شمولية فكرها؛ إذ تقول: "التعليم ليس مجرد شهادات، بل هو كرامة"، مُعبّرة عن هموم الطلاب القادمين من فئات مهمّشة وغير ممثّلة.

وهي تفخر على نحو خاص بإرشاد الطلاب من الجيل الأول في التعليم. وبصفتها مؤمنةً بأن الجهد يتفوّق على الاستحقاق، تُذكّر طلابها دائمًا: "هناك طريقتان للنجاح - إحداهما بالعمل الجاد والأخرى بالتملّص من العمل الشاق". وأمّا هي، فلا ترى بديلًا محترمًا عن العمل الجاد، وقد عاشت وفق هذا الإيمان عبر سنوات من الانضباط الأكاديمي والانخراط في خدمة المجتمع.

وكثيرًا ما تستشهد الدكتورة مرزا بأقوال غالِب أو كبير، وتجلّهما بالقدر نفسه. ونشأت في بيت غارق في التقاليد الأدبية والقيم العلمانية، وتؤمن مرزا بأن اللغة والثقافة هما أقوى الأدوات للحفاظ على الوئام. وغالبًا ما يتقاطع عملها الأكاديمي مع نشاطها الثقافي. فقد كتبت وتحدثت مطولًا عن التعايش السلمي، ذلك التراث التوفيقي العريق الذي يجمع بين الهندوس والمسلمين في شمال الهند، ولا سيما في مدن مثل دلهي ولكناؤ.

وتقول بفخر هادئ: "في دلهي، تجد ضريحًا صوفيًا إلى جانب معبد هندوسي. هذا ليس مجرد جغرافيا، بل تاريخ مشترك". سواء في تنظيم الأمسيات الشعرية (مشايرا)، أو الحوارات بين الأديان، أو الجولات التراثية في دلهي القديمة، تستثمر الدكتورة مرزا جهودًا عميقة للحفاظ على التعدد الثقافي حيّا في عالم يزداد استقطابًا يومًا بعد يوم.

وخارج الإطار الأكاديمي، كانت كلماتها بوصلةً للكثيرين في مواجهة العواصف الشخصية والمجتمعية. فهي تؤمن بالصمود في وجه المجهول، وكثيرًا ما تقول: "لا عاصفة تدوم إلى الأبد. واصل السير، وابحث دائمًا عن التغيير الذي يدفعك إلى الأمام".

وهذه القوة الداخلية هي ما يميز إنتاجها العلمي كما يميز دورها الاجتماعي. وخلال فترة الإغلاق بسبب جائحة كوفيد–19، حين توقف العالم تقريبًا عن الحركة، قادت الدكتورة مرزا فرقًا من المتطوعين لتقديم الغذاء والمساعدات الطبية ودعم التعليم عبر الإنترنت. ولا يزال مشروعها "كتب للجميع"، وهو مبادرة مجتمعية لإنشاء مكتبات صغيرة في الأحياء المحرومة، يشكل ثورة هادئة في مجتمعات متفرقة من دلهي.

وتعدّ الدكتورة مِرزا أيضًا مساهمة دائمة في الندوات والنقاشات التي تتناول قضايا الجندر وحقوق الأقليات وإصلاح التعليم، حيث تُعرَف مداخلاتها بعمقها وحزمها في آن معًا. ولا تسعى نشاطاتها إلى الأضواء، بل تنبع ببساطة من إيمانها بأن المثقفين يجب أن يكونوا بوصلة أخلاقية للمجتمع.

وتشارك سطرها المفضّل من الشاعر سوهان لال ديويدي: (معناه: لا تعبر القاربُ الضفةَ إذا خافت من الأمواج، ومن يسعى بجدّ لا يعرف الهزيمة).

اقرأ أيضًا: الفنان أصغر علي يبني عالمًا من الوئام بالألوان

ورغم كثرة أسفارها، لا تزال الدكتورة آمنة مرزا ​​متجذرة في دلهي، المدينة التي تصفها بـ"أرشيف حيّ لمجتمع متعدد الثقافات". وينعكس حبها لدلهي ليس فقط في كتاباتها الأكاديمية، بل في حياتها اليومية - سواءً في جولاتها في حديقة لودهي، أو دعمها للحرفيين المحليين في دِلِّي هات، أو مشاركتها في حملات محو الأمية في الأحياء. وتقول: "لقد علّمتني دلهي أن أستمع إلى خطى التاريخ وأنا أسير نحو المستقبل". وفي الواقع، في هذه الأيام، عندما تجد العاصمة نفسها غالبًا عند مفترق طرق بين الهوية والأيديولوجيا، فإن أصواتًا مثل صوتها تُضفي الوضوح والتعاطف والأمل.

وتشير رحلتها إلى أن دور الأكاديمي لا ينبغي أن يتوقّف عند منصة المحاضرات أو بين صفحات المجلات العلمية. يمكن أن يمتدّ إلى شوارع المدينة، وإلى نضالات أهلها، وإلى روح ثقافتها. وفي الدكتورة أمينة مِرزا، تجد دلهي ليس مجرد باحثة، بل مواطنةً ذات ضمير، تقود بهدوء من خلال القدوة، تحمل الكتب بيد، والأمل باليد الأخرى.