صهيب عالم*
في إطار الاحتفاء بتراث الأسلاف وإبراز جهود الكتّاب المسلمين العرب والهنود في حفظ تاريخ الهند وثقافتها، وتعزيز ارتباط الأجيال الحالية والقادمة بجذورها التاريخية، وترسيخ الهوية الوطنية في عصر "راشترواد"، وتناغمًا مع سياسة التعليم الجديدة، نظّم قسم اللغة العربية وآدابها بالجامعة الملية الإسلامية مؤتمرًا دوليًا يومي 24 و25 مارس 2026م، برعاية شيخ الجامعة الأستاذ الدكتور مظهر آصف، ومسجلها الأستاذ الدكتور مهتاب عالم رضوي، وبإشراف رئيس القسم الأستاذ الدكتور نسيم أختر.
وشهد المؤتمر مشاركة نخبة من العلماء والأساتذة والباحثين من جامعات هندية بارزة، منها جامعة جواهر لال نهرو، وجامعة دلهي، وجامعة إنديرا غاندي الوطنية المفتوحة، وجامعة علي كراه الإسلامية، وجامعة كيرالا، وجامعة اللغة الإنجليزية واللغات الأجنبية، والجامعة العثمانية، والكلية الجديدة التابعة لجامعة مدراس، وكلية شبلي الوطنية، إلى جانب مشاركين من خارج الهند، حضوريًا وافتراضيًا، حيث قدّموا أوراقهم البحثية.
وترأس الجلسة الافتتاحية الأستاذ الدكتور زبير أحمد الفاروقي. واستهل رئيس قسم اللغة العربية الأستاذ الدكتور نسيم أختر كلمته بالترحيب بالضيوف والمشاركين، مشيدًا بإسهاماتهم العلمية ومكانتهم الأكاديمية ودورهم في خدمة اللغة العربية وتاريخها. وأكد الأستاذ أختر أهمية موضوع المؤتمر في الوقت الراهن، مشددًا على موثوقية المصادر العربية في دراسة تاريخ الهند وثقافتها، ومشيرًا إلى أنها أكثر دقة وأقل مبالغة مقارنة ببعض المصادر الفارسية والأردية. كما لفت إلى انفتاح المثقفين العرب في الاعتراف بإسهامات الحضارة الهندية في مجالات مثل الرياضيات والطب، داعيًا الباحثين إلى استكشاف المصادر العربية الممتدة من القرن الخامس عشر الميلادي حتى اليوم، وتقديمها إلى الأوساط العلمية داخل الهند وخارجها. كما شدّد على ضرورة إطلاق مشروع علمي لإعداد كتب تاريخية عن الهند اعتمادًا على هذه المصادر.
ومن جانبها، أعربت البروفيسورة نشاط منظر عن تقديرها لدعوتها للمشاركة، متناولةً دور المصادر غير الهندية في التعريف بتاريخ الهند وثقافتها، ومبرزةً مكانة اللغة العربية عالميًا واهتمام جامعات كبرى، مثل جامعة أكسفورد، بتدريسها. كما تناول البروفيسور كفيل أحمد القاسمي أهمية عنوان المؤتمر "المصادر العربية لتاريخ الهند وثقافتها"، مؤكدًا عمق الموضوع وحاجته إلى مزيد من الدراسات المتخصصة، معربًا عن أمله في استمرار تنظيم مثل هذه الفعاليات العلمية.
وبدوره، استعرض الأستاذ الدكتور محمد ثناء الله الندوي إسهامات كتب مثل "تاريخ العتبي" و"تاريخ اليماني" في توثيق تاريخ الهند، موضحًا تنوع المصادر التاريخية بين الجوانب الجغرافية والأدبية والطبية والدينية وغيرها. كما أشار إلى جذور التاريخ في المصادر الإسلامية بدءًا من الأحاديث النبوية وكتب السيرة والمغازي، وذكر أن من أوائل المؤرخين في هذا المجال أبو عمر خليفة بن خياط الشيباني. وتطرق إلى إشارات حضارة الهند في كتب مثل "العقد الفريد" و"البداية والنهاية" و"الكامل في التاريخ"، إضافة إلى اهتمام العرب بديانات الهند وفلسفاتها، وتأثير العلوم الهندية في العلماء المسلمين، خاصة الخوارزمي في الرياضيات.
ومن جهته، قدّم الأستاذ الدكتور زبير أحمد الفاروقي مقارنة بين منهجي ابن بطوطة والبيروني في كتابة التاريخ، موضحًا أن الأول ركز على الجوانب الوصفية، بينما تميز الثاني بالتحليل الفلسفي العميق. كما استعرض عددًا من المصادر المهمة مثل "مروج الذهب" و"نزهة المشتاق" و"آثار البلاد" و"تحفة النظار" و"عجائب الهند"، مؤكدًا ثراءها بالمعلومات عن الهند وثقافتها.

وبهذه المناسبة، ضمن هذا المؤتمر، تم تدشين أربعة كتب، وقدّم الدكتور محمد عمير عرضًا تعريفيًا لها. وشمل العرض كتاب البروفيسور نسيم أختر بعنوان "إسهام الجامعة الملية الإسلامية في ترويج لغة الضاد والثقافة العربية في الهند"، وكتابًا مترجمًا بعنوان "الجامعة الملية الإسلامية" للدكتورة هيفاء شاكري، إضافةً إلى كتاب الدكتور أورنجزيب الأعظمي "مواقع الحذف في القرآن الكريم"، وأخيرًا كتاب الدكتورة دردانه بعنوان "ApolloMovement and Arabic Poetry".
الجلسات الأكاديمية
ترأس الجلسة الأكاديمية الأولى الأستاذ الدكتور كفيل أحمد القاسمي، وأدارها الدكتور مجيب أختر، وقدمت فيها 6 بحوث. وقدم الدكتور جمشيد أحمد في بحثه "الهند وجيرانها مصدرًا جديدًا لتاريخ الهند"، عرضًا تحليليًا لمكونات الحضارة الهندية، متناولاً أسس نشأتها وأبواب دراستها، إلى جانب استعراض تاريخ الهند وثقافتها، والأفكار والفنون فيها، فضلاً عن المذاهب والعقائد، وأدب الهند ولغاتها، وانعكاسات ذلك كله على مجالات الهندسة والعمارة، في إطار رؤية شمولية تسعى إلى إعادة قراءة التاريخ من زوايا متعددة. وفي البحث الثاني، تناولت الدكتورة دردانة موضوع "الثقافة الإسلامية في الهند"، مركزة على الأبعاد التعليمية والسياسية، حيث بحثت في المناهج التعليمية، ولا سيما "الدرس النظامي"، محللة أسسه وتطوره، كما ناقشت سبل تحديث هذه المناهج بما يتلاءم مع المتغيرات المعاصرة، مع إبراز دور العلماء الهنود وإسهاماتهم المتنوعة في مختلف الحقول المعرفية. وقدم الدكتور طفيل أحمد افتراضيًا مقاله عن "المجتمع الهندي بعين البيروني: رحلة في معتقدات الهند وطبقاتها وثقافتها قبل ألف عام". وقدم الدكتور شاكر رضا دراسة بعنوان "المظاهر الحضارية في بعض الرحلات العربية في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين"، وسلط فيها الضوء على التفاعل الحضاري بين العرب والهند من خلال أدبيات الرحلات، مستعرضًا إسهامات الرحالة العرب مثل سليمان التاجر، واليعقوبي، والمسعودي، وما قدموه من وصف دقيق لعجائب الهند وعاداتها، وأوضاع ملوكها، وأنماط الحياة فيها، بما في ذلك الملبس والعادات الاجتماعية، إضافة إلى الإشارة إلى الروابط التاريخية التي أسهمت في نقل هذه المعارف.

وترأس الجلسة الثاني الأستاذ الدكتور حبيب الله خان وأدارتها الدكتورة زرنغار، وقدم الأستاذ الدكتور محمد إقبال حسين الندوي مقالته حول "الكتاب جنة المشرق ومطلع النور المشرق" للعلامة عبد الحي الحسني، مبرزا أهميته كمصدر من مصادر تاريخ الهند وحضارتها الإسلامية. وأشار إلى أن الكتاب يعد من كتب التاريخ العام ذات الطابع الحضاري، إذ يجمع بين عرض الأحداث التاريخية ووصف الحياة الثقافية والعلمية في شبه القارة الهندية. وبيّن أن المؤلف تناول في ضوء أنواع الكتاب تاريخ الهند بإيجاز، مع التركيز على إسهامات المسلمين في نشر العلم وبناء الحضارة، كما عرض لأحوال المجتمع والعادات والتقاليد، وأبرز دور العلماء والمراكز العلمية. ويتميز الكتاب بأسلوبه الأدبي وإشراق عباراته، مما يجعله قريبا من القارئ. وإن هذا الكتاب يعد صورة مختصرة لكنها وافية عن تاريخ الهند الإسلامي وحضارتها، ويكشف عن عمقها العلمي والثقافي، مما يجعله مرجعًا مهمًا للباحثين في هذا المجال.
وقدّم الأستاذ الدكتور نعيم الحسن مقالته حول موضوع "الهند والهنود في كتابات المسعودي بالاشارة الخاصة إلى كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر"، فذكر نبذة عن حياته مع ذكر أهم كتبه، وعلى رأسها؛ مروج الذهب ومعادن الجوهر. وبين أن المسعودي عرض في كتابه أخبار الهند وثقافتها ضمن منهج موسوعي يجمع بين التاريخ والجغرافيا ووصف الشعوب، متناولا الأنبياء والملوك والبلدان والبحار والعجائب. كما أوضح أن منهجه قائم على الوصف والتحليل، حيث لم يقتصر على السرد بل تناول حياة الناس وعلماءهم. وأشار إلى أن الهند كانت عنده موطن الحكمة وحضارة عريقة. ولم يسلم الكتاب من النقد، إذ وجه ابن تيمية ملاحظات عليه، خاصة في بعض الروايات. وقدم الأستاذ فضل الله شريف مقالته حول موضوع "صورة الهند والهنود في كتابات أحمد أمين"، مبرزا أنها صورة مركبة تجمع بين الإعجاب والنقد. وأشار إلى ما ورد في ضحى الإسلام من أن الهنود يمثلون حضارة وعرقا لا مجرد جماعة. كما بين أن العلاقة بين الهند والإسلام قديمة منذ قدوم محمد بن القاسم الثقفي، وأنها أقيمت على التبادل الثقافي لا التأثر من طرف واحد. وأوضح أن الاتصال تم عبر التجارة والاحتكاك المباشر، مع الإشارة إلى تأثره بآراء الجاحظ. كما عرض بعض ملامح الفلسفة الهندية، وذكر ما فيها من عمق روحي، مع ما أخذ عليها من غموض وتناقض. وقدم الأستاذ محمد أجمل بحثًا بعنوان "تصوير الملوك الهنود والنظم السياسية في الأدب العربي"، مبرزا أن هذا الأدب يُعدّ مصدرًا مهمًا لمعرفة تاريخ الهند وسياستها. وأشار إلى أن الكتابات العربية عن الهند تنقسم إلى مجالات عدة، منها الأدب الثقافي، وأدب الرحلات، والكتابات الفلسفية، حيث أسهمت جميعها في نقل صورة شاملة عن المجتمع الهندي. كما تطرق إلى نشأة العربية في الهند ودور السلاطين في حماية التقاليد الدينية ورعاية الثقافة. وقدّم الدكتور محمد أكرم نواز بحثًا بعنوان "تأثير الأيورفيدا في الطب العربي خلال العصور الوسطى"، مبرزا دوره في إثراء المعرفة الطبية. فقد انتقلت هذه العلوم إلى العربية عبر حركة الترجمة، وظهرت في مصادر مثل الفهرست وكتب طبقات الأطباء. وقد كان للأطباء الهنود باع طويل في هذا العلم، مما جعل تأثيرهم واضحًا في التراث العربي. واستفاد كبار العلماء المسلمين من هذه المعارف، مثل ابن سينا الذي اعتمد على بعض الأدوية والتجارب الهندية، وكذلك الرازي والزهراوي اللذين أسهما في تطوير الطب اعتمادًا على هذا التراكم العلمي. كما ساعدت الترجمة والاحتكاك الحضاري على نشر هذه العلوم في البيئة العربية، فظهر أثرها في المؤلفات الطبية.
وبدأت الجلسة الثالثة تحت رئاسة الأستاذ الدكتور رضوان الرحمن، وأدارها الدكتور عظمت الله، وقدم الأستاذ الدكتور محمد سليم بحثًا عن "تأملات في صورة الهند كما تتجلى في كتابات الجاحظ"، مبرزا سعة ثقافته وانفتاحه على الحضارات المختلفة، ومنها الهند. وقد أشار إلى أن الجاحظ تحدث عن الهند في البيان والتبيين، إلا أن أبرز ما ورد كان في رسالته فضل السودان على البيضان، حيث عد الهنود من "السودان" وفضلهم في سياق جدلي ناقد لفكرة التفاضل العرقي. كما عرض جوانب من ثقافتهم كالغناء والرقص واهتمامهم بالنجوم وعاداتهم اليومية، وأشاد بمهارتهم في الطبخ، خاصة أهل السند. وتناول كذلك جودة السيوف الهندية ومدح أخلاق الهنود. ولم يغفل ذكر البيئة الهندية. وتكشف هذه الصورة عن رؤية الجاحظ المنفتحة وسعيه لنقد الأحكام المسبقة وإبراز قيمة التنوع الحضاري. وقدّم الأستاذ عبد القادر مقالته حول "دراسة تحليلية في كتاب الجيش الهندي، تنظيماته وتشكيلاته خلال عصر السلطنة الإسلامية"، مبرزا أهميته في دراسة النظام العسكري في الهند الإسلامية. وقد عرض المؤلف الهند بوصفها "أرض العجائب"، ثم انتقل إلى بيان نشأة الجيش الإسلامي فيها وتطوره منذ بدايات الفتح. وبين أن الكتاب يتناول موضوعاته في فصول منظمة، تشمل القيادات العسكرية وأسس اختيارها، والنظام الإداري للجيش، إضافة إلى أنواع الأسلحة والآلات المستخدمة في القتال. كما أفرد المؤلف فصلا لأساليب الحرب، مثل الخطط القتالية وتنظيم الجيوش في المعارك، فضلا عن المهام الحربية المختلفة. وأشار إلى أن المؤلف اعتمد على مصادر تاريخية أصيلة، مثل فتوح البلدان وكتاب المسعودي، مما أضفى على الدراسة طابعًا علميًا موثوقًا. وقدّم الدكتور محمد أكرم بحثًا عن "مشاهد للثقافة الهندية في كتابات محمد ثابت" مبينا أن محمد ثابت يعد من أبرز رحالة عصره، حيث ألف نحو عشرين كتابا في أدب الرحلات. وزار الهند سنة 1932م، وبدأ رحلته بـسرانديب ثم انتقل إلى مدراس ودارجيلنغ قبل عودته إلى وطنه. ودون مشاهداته في كتب تنقسم إلى ثلاثة أقسام: جولة في ربوع، ورحلات في مشارق الأرض، ونساء العالم كما رأيتموهن. ووصف مدراس بأنها معقل للبراهمة والهندوسية. كما قدّم تصويرًا لمدينة كولكاتا باعتبارها العاصمة الاقتصادية للهند آنذاك. وتحدث عن المدن التي زارها، خاصة بنارس التي وصفها بأنها من أقدس مدن العالم. كما أشار إلى مومباي واعتبرها مدينة تشبه المدن الأوروبية في طابعها، وركّز على تدين الهندوس وارتباطهم القوي بالشعائر الدينية. كما تناول ظاهرة تقديس الحيوانات بوصفها جزءًا مهمًا من الثقافة الهندية. وقدمت الدكتورة زرنغار مقالها حول "تصوير الهند في شعر عمر أبي ريشة" حيث قدم الشاعر تصورًا خاصًا للهند يعكس عمق حضارتها وتنوعها الروحي، ويبرز الجوانب الإنسانية والعلاقات الدينية والتعايش بين الأديان، كما يشير إلى زيارته للمعابد كمعبد كاجورا وتأمله في أجوائها الروحية، ويتحدث عن زيارته لـلتاج محل بوصفه رمزًا للجمال والحب، ويثني على شخصيات هندية بارزة مثل جواهر لال نهرو وغيرها من أعلام الهند، كما يصف البلاد بأنها غنية بالفنون كالموسيقى والرقص، ويتناول أيضًا مظاهر الفقر وتأثيرها الاجتماعي، ليقدم في النهاية صورة متكاملة تجمع بين الإعجاب بالحضارة الهندية وإدراك تناقضاتها. وقدّم الدكتور طلحة فرحانبحثه عن "الحياة اليومية والعادات الهندية كما وصفها المسعودي والبيروني" وقدّمتفاصيل دقيقة، حيث وصف البيروني حياة الهنود العادية، وخاصة ذكر المسعودي والبيروني تقاليد وعادات الهنود المتنوعة. وذكر الكثير من عادات الهنود، وأشار إلى بعض العادات والطقوس التي عاشها الهنود في ذلك الوقت. وقدم صورة واضحة للحياة اليومية للهنود، متناولاً البيئة والديانات والمجتمع الهندي.وقدّم الدكتورأحمد زبيربحثه عن "تاميل نادو في المصادر العربية: دراسة تاريخية وثقافية للعلاقات العربية التاميلية"، وتناول فيهدراسة حضور إقليم تاميل نادو (جنوب الهند) في المصادر العربية القديمة، مثل كتب الرحّالة والجغرافيين والمؤرخين المسلمين. ويهدف إلى فهم طبيعة العلاقات التاريخية والثقافية بين العرب وسكان تاميل نادو. وتركّز المقالة على عدة جوانب، منها:العلاقات التجارية: حيث كانت سواحل تاميل نادو مركزًا مهما للتجارة البحرية، وقد وصل إليها التجار العرب منذ العصور القديمة، خاصة لتجارة التوابل واللؤلؤ، والتأثير الثقافي والديني: ساهم العرب في نشر الإسلام في المنطقة، وظهرت مجتمعات مسلمة ذات طابع عربي-تامِيلي.والتبادل الحضاري: تأثر الطرفان ببعضهماالبعضفي اللغة والعادات والتقاليد، وظهرت كلمات عربية في اللغة التاميلية.وفي المجمل، تُبرز هذه المقالة أن العلاقة بين العرب وتاميل نادو لم تكن تجارية فقط، بل كانت علاقة حضارية وثقافية عميقة أثّرت في تاريخ المنطقة وهويتها.
وبدأت الجلسة الرابعة تحت رئاسة الأستاذ الدكتور محمد قطب الدين وأدارها الدكتور محمد عمير، وقدّم الدكتور شفاء الرحمن مقاله عن "الهند والعرب في العهد العباسي"، وقد تناول فيه أوجه التفاعل الحضاري بين الهند والعالم العربي خلال العصر العباسي، مركزًا على حركة الترجمة التي شملت كتب الطب الهندي، والتي أسهمت في إثراء المعرفة الطبية العربية. كما عرض إسهامات الهنود في مجالات الحساب والهندسة، ولا سيما الأرقام الهندية التي شكلت أساس النظام العددي المستخدم عالميًا. وتطرق كذلك إلى علوم الفلك والتنجيم والفلسفة والمنطق، فضلاً عن الفنون كالغناء، والجوانب العسكرية مثل الأسلحة وأساليب الحرب. وأكد على أن هذا التبادل الثقافي لم يكن أحادي الاتجاه، بل كان تفاعلاً علميًا متبادلاً أثرى الحضارتين. وقدّم الباحث أبو حذيفه مقاله عن "تهميش المصادر العربية في الدراسات التاريخية في جنوب آسيا"، وركّزت فيه على إشكالية تهميش المصادر العربية في دراسة تاريخ جنوب آسيا، رغم عمق العلاقات التاريخية بين العرب والهند منذ القدم. وأبرزت دور هذه المصادر في توثيق مظاهر حضارية متعددة، مثل انتشار الخطوط العربية في العمارة الهندية. كما أشارت إلى أهمية كتب مثل "مروج الذهب" في الحديث عن السيف المهند، وأعمال البيروني في الفلسفة الهندية، ورحلات ابن بطوطة التي وثقت الحياة اليومية. وناقشت الدراسة الفجوة بين أقسام التاريخ وأقسام اللغة العربية في الجامعات، حيث يعتمد الأول على المصادر الفارسية بسبب ضعف الإلمام بالعربية، بينما يركز الثاني على الجانب الأدبي. كما لفتت الانتباه إلى وجود نحو 5000 مخطوطة في مكتبة رضا برامبو لم تحظَ بالعناية الكافية، داعية إلى ضرورة تحقيقها ودراستها.
وقدّم الباحث سليم أختر بحثه عن "تاريخ الهند وحضارتها في ضوء مروج الذهب للمسعودي" وأشار إلى أن الهنود هم من أوجدوا رقم تسعة، مما يعكس تقدمهم في العلوم الرياضية. كما تناول بعض العادات السياسية والاجتماعية، مثل اشتراط بلوغ الملك سن الأربعين لتولي الحكم، ووجود معتقدات تربط بقاء الملك بعدالته وإلا سقط حكمه. ومن العادات اللافتة أيضًا طواف الملك في المدينة بعد وفاته. وتناول تأثيرات الثقافة الهندية على مناطق أخرى، مثل انتقال عادة تلوين الأسنان إلى الحجاز، وكذلك عادة البراهمة في ربط الخيوط الصفراء للحماية من الشر، مما يدلّ على عمق التبادل الثقافي. وقدّم الباحث محمد عفان مقاله عن "الحياة الثقافية في عهد السلطانة رضية الدين في ضوء كتاب لقاء خليل" وتناول الحياة الثقافية في عهد السلطانة رضية الدين، مشيرًا إلى اهتمامها الكبير بالعلم، وهو امتداد لسياسة والدها السلطان ألتمش. كما عرض تطور المؤسسات التعليمية، حيث كان التعليم يتم في المساجد ثم تطور إلى إنشاء المدارس النظامية. ومن أبرز هذه المدارس: مدرسة السلطان قطب الدين أيبك، والمدرسة الفيروزية في عهد ناصر الدين، والمدرسة الناصرية في عهد ألتمش. وأكدت الدراسة أن هذا العصر شهد ازدهارًا علميًا وتعليميًا أسهم في ترسيخ البنية الثقافية للمجتمع. وقدّم الباحث سعيد نور بحثه عن "المدن والمراكز التجارية الهندية في كتب الجغرافيين والرحالة العرب"، وسلط فيه الضوء على وصف المدن الهندية في كتابات الجغرافيين والرحالة العرب مثل المسعودي، وابن بطوطة، والإدريسي. وأشار إلى وصف ياقوت الحموي للهند بأنها "بلاد العجائب"، بينما وصفها المسعودي بأنها "أوسع البلاد خيرًا". كما أثنى ابن بطوطة على مناطق مثل المليبار وكاليكوت، لما تمتاز به من ازدهار تجاري. وأما الإدريسي فقد وصف مدينة كامبايا بأنها مدينة طيبة، مما يعكس أهمية هذه المدن كمراكز تجارية وحضارية نشطة في شبكة التجارة العالمية. وقدّمت الباحثة أقصى زينت مقالها "الهند كما تراها نوال السعداوي" وتناولت التنوع الديني والمذهبي في المجتمع الهندي، مع الإشارة إلى انتشار الهندوسية. كما ناقشت دور الملوك المغول في توظيف الثروات في العمارة والقصور، وأبرزت أوجه التشابه بين الهند ومصر، خاصة في الرمزية المعمارية بين الأهرام والتاج محل، وتطرقت إلى الجوانب السياسية، معتبرة أن الاستعمار أدى إلى تدهور نظم الحكم في كلا البلدين، وكذلك الجوانب الثقافية المتعلقة بحقوق المرأة، حيث رأت وجود تقارب في التحديات التي تواجهها المرأة في الهند ومصر. وأظهرت هذه الجلسة العلمية أهمية المصادر العربية والإسلامية في دراسة تاريخ الهند وحضارتها، وأكّدت على ضرورة إعادة إحياء هذه المصادر وتحقيقها علميًا. كما أبرزت عمق التفاعل الحضاري بين العرب والهند، سواء في المجالات العلمية أو الثقافية أو الاجتماعية.

وعقدت الجلسة الأكاديمية الخامسة افتراضيًا تحت رئاسة الأستاذ الدكتور مجيب الرحمن، وأدارتها الدكتورة هيفاء شاكري، وقدّم فيها عدد من الباحثين العرب بحوثا علمية، وقد قدّم أ. د. جلال الدين من مصر مقالا حول "إسهامات أبي ريحان البيروني في الحضارة الإسلامية" مبرزًا أنه نبغ في معظم علوم عصره كالفلك والرياضيات والجغرافيا والفلسفة. وأشار إلى أنه رافق محمود الغزنوي، مما أتاح له الاطلاع على ثقافات متعددة خاصة في الهند. كما بيّن أنه اتبع المنهج العقلي القائم على الملاحظة والتجربة في أبحاثه العلمية. وتناول إنجازاته مثل قياس محيط الأرض بدقة وتأليفه كتاب "تحقيق ما للهند". واختتم بالتأكيد على أن إسهاماته كان لها أثر كبير في تطور الحضارة الإسلامية والنهضة العلمية. وقدّم الدكتور علاء الدين إسماعيل من جامعة قطر عرضًا لكتاب "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" للعالم أبي ريحان البيروني، مبرزا أهميته في دراسة الحضارات. وأوضح أن البيروني تعلّم البيروني اللغة الهندية، ولا سيما السنسكريتية، وقرأ كتبها من مصادرها الأصلية، كما ترجم عنها يوغا سوترا لباتانجلي، واطّلع على مؤلفات فُقد كثير منها في عصرنا. ويُعدّ من أوائل من تناول نصوصا دينية وثقافية هندية مثل الفيدات، و"دهرمشسترا"، و"مانوسمرتي"، وملحمتي "رامايانا" و"مهابهاراتا"، اعتمادًا على المصادر المباشرة الأصلية. وقد كان أول من تكلم عن الويدا، وقد كان أول من قدّم دراسة شاملة عن الهند من داخل ثقافتها، بعيدا عن النقل السطحي أو التحيّز. واتّبع في كتابه منهجًا ظاهراتيًا وصفيا، فجاء عمله أشبه بحكاية علمية تبدأ بوصف البلاد وأحوالها، ثم تنتقل إلى عرض اعتقادات أهلها وعلومهم، ومنها أحكام النجوم، مما يجعله نموذجًا رائدًا في الدراسات الحضارية المقارنة.وقدّمت الدكتورة هوارية الحاج علي من الجزائر بحثا بعنوان "الألفاظ الهندية المعرّبة في الشعر العربي: شواهد وتحليل"، مبيّنة تأثّر العربية باللغة الهندية نتيجة التبادل التجاري. وأشارت إلى دخول ألفاظ معرّبة مثل: المسك، والكافور، والعود، والزنجبيل، التي أصبحت جزءًا من اللغة العربية. كما أوضحت أن شعراء كبارا مثل الفرزدق وامرئ القيس والنابغة الذبياني والأعشى استخدموا هذه الألفاظ في أشعارهم لإثراء الصور الفنية. وبيّنت كيف اندمجت هذه الكلمات في الأوزان الشعرية والأساليب البلاغية العربية. واختتمت بأن هذه الظاهرة تعكس عمق التفاعل الحضاري بين العرب والهند.وقدّم الدكتور محمود عمار المعلول من ليبيا بحثا بعنوان "المصادر العربية والإسلامية لتاريخ الهند"، مبرزا أهمية هذه المصادر في توثيق تاريخ الهند وحضارتها. وأشار إلى أن كتب الجغرافيين والرحالة والمؤرخين المسلمين أسهمت في نقل صورة دقيقة عن أحوال الهند السياسية والاجتماعية والثقافية. وذكر أن العلماء والمؤرخين وصفوا الهند بأنها بلاد العلم والحكمة والطب والفلسفة، وقد استفاد المسلمون من هذه العلوم. كما أشار إلى عمق العلاقة بين الهند والبلدان العربية عبر التجارة والتبادل الثقافي. وذكر عددًا من الرحالة والمؤرخين الذين كتبوا عن الهند، مثل أبي ريحان البيروني وابن بطوطة والمسعودي والجاحظ وابن الأثير وسليمان التاجر والشيرازي والبلاذري وابن شهريار وشمس الدين وابن سعد الأندلسي وغيرهم. كما بيّن أن البيروني زار الهند ولازم محمود الغزنوي مدة طويلة، مما أتاح له دراسة المجتمع الهندي عن قرب. واختتم بأن هذه الجهود تمثل مصادر مهمة لفهم تاريخ الهند وعلاقاتها بالحضارة الإسلامية. وقدّمت الأستاذة فاطمة ملا نيابة عن والدها سعيد بن عثمان ملا من السعودية بحثًا بعنوان "الهند في المتخيّل الأدبي والنقدي العربي القديم"، وتناولت فيه صورة الهند في الذهن العربي القديم كما تجلّت في الأدب والنقد، حيث ارتبطت بالغرابة والعجائب، وفي الوقت نفسه بالحكمة والعلم. كما تناولت أثر الفكر الهندي في النقد العربي، مبرزةً صلة ذلك ببعض القضايا البلاغية مثل نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني وما تحمله من قيم بلاغية عميقة.وأشارت إلى أن الأدباء والنقاد صوّروا الهند بوصفها أرض الفلسفة والطب والكنوز، مما انعكس في الشعر والقصص والأمثال. كما بيّنت أن هذا المتخيّل تشكّل من خلال الرحلات والتجارة وكتب الجغرافيين والمؤرخين. واختتمت بأن صورة الهند في الأدب العربي القديم تمثّل مزيجًا من الواقع والخيال، وتعكس عمق التفاعل الحضاري بين العرب والهند.وقدّم الدكتور محمد محمود عبد القادر من مصر بحثا بعنوان "كافية ابن الحاجب في شبه القارة الهندية (849–1161م)"، مبرزا أثر كتاب "الكافية" في النحو لصاحبه ابن الحاجب في الحياة العلمية بالهند. وأوضح أن هذا الكتاب حظي باهتمام واسع، حيث دُرس وشُرِح في المدارس والمعاهد العلمية. وبيّن أن ثلاثة من علماء الهند وضعوا شروحًا مهمة عليه، منها "المعافية في شرح الكافية" لـ أحمد بن عمر الدولت آبادي، وشرح السيالكوتي، وشرح السهلوي. كما أشار إلى أن هذه الشروح أسهمت في تبسيط قواعد النحو وترسيخها بين الطلاب. وذكر أن السهلوي كان له دور بارز في الدرس النظامي ونشر التعليم المنهجي. واختتم بأن هذه الجهود تعكس ازدهار الدراسات العربية في شبه القارة الهندية.وقدّمت باحثة أخرى بحثًا بعنوان "الدخيل الهندي في المعجم العربي: دراسة تأصيلية"، تناولت فيه ظاهرة دخول الألفاظ الهندية إلى العربية نتيجة التبادل التجاري والثقافي بين العرب والهند. وبيّنت أن عددًا من الكلمات ذات الأصل الهندي أصبح جزءًا من المعجم العربي مثل المسك والكافور والعود والزنجبيل والفلفل والمهند وغيرها. كما حلّلت أصول هذه الألفاظ وتطورها الصوتي والدلالي بعد تعريبها. وأشارت إلى أن هذه الظاهرة تعكس عمق التفاعل الحضاري بين اللغتين. واختتمت بأن الدخيل اللغوي أسهم في إثراء العربية وتوسيع معجمها.
وقدمت في الجلسة الأكاديمية السادسة تسع مقالات، وترأس هذه الجلسة الأستاذ الدكتور إقبال حسين وأدارها الدكتور أصغر محمود، وأبرزها مقالة الأستاذ الدكتور عبد الماجد قاضي بعنوان "الهند وثقافتها عند الجاحظ"، والمقالة الثانية للأستاذ الدكتور عبيد الرحمن بعنوان "سبحة المرجان في آثار هندوستان". كما قدم الدكتور مجيب أختر مقالته باللغة الأردية "عربي سفرنامون مين هندوستان كا ايك فني وثقافتي جائزة"، والشيخ الدكتور كليم صفات الإصلاحي مقالته بعنوان "مسعودي اور هندوستان كيه متعلق اس كيه خيالات ومشاهدات"، وأختر عالم بعنوان "دراسة في شخصية غاندي كما يراها أحمد شوقي في قصيدته غاندي بطل الهند"، وعظمت الله الندوي بعنوان "أبرز الشخصيات الهندية في الشعر العربي: الدكتور ذاكر حسين نموذجًا"، والدكتور محمد عمر فاورق بعنوان "أمينه السعيد كي تصنيف "مشاهدات في الهند" مين هندوستاني معاشري اور تهذيب وثقافت كي عكاسي، ايك تجزياتي مطالعة"، وخليل الرحمن "الثقافة والحضارة الإسلامية في الهند كما يحكيها كتاب "المسلمون في الهند"، والدكتور غياث الإسلام بعنوان "نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر في ضوء ميزاته. وقدم بحثًا علميًا الأستاذ الدكتور كفيل أحمد القاسمي عن العلاقات بين الهند والعرب قديمًا، وقد ذكر بعض انطباعات الرحالة العرب الذين زاروا الهند آنذاك.
وفي الجلسة السابعة، قدمت ثماني مقالات، وترأس هذه الجلسة الأستاذ الدكتور حسنين أختر وأدارتها الدكتورة ثمينة خانم. وقد عكست هذه الجلسات ثراءً علميًا وتنوّعًا ملحوظًا من خلال الدراسات والبحوث المقدَّمة، مؤكدةً أهمية المصادر العربية في دراسة تاريخ الهند وثقافتها ضمن منظور حضاري متكامل. كما سعت هذه البحوث إلى تقديم قراءات حديثة لهذه المصادر.
*أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، الجامعة الملية الإسلامية، نيودلهي.