متحف تقسيم الهند.. توثيق التاريخ بالصوت والصورة

11-08-2026  آخر تحديث   | 10-08-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
متحف تقسيم الهند.. توثيق التاريخ بالصوت والصورة
متحف تقسيم الهند.. توثيق التاريخ بالصوت والصورة

 


مهدي علي

يُعدّ تقسيم الهند أحد أهم الأحداث في تاريخ شبه القارة الهندية، كما يُنظر إليه باعتباره إحدى أكبر عمليات الهجرة الجماعية في تاريخ البشرية. وقد أسفرت تلك الفترة عن خسائر بشرية هائلة، واضطر الملايين إلى ترك منازلهم وأراضيهم وممتلكاتهم. ومع ذلك، وحتى بعد مرور نحو 70 عامًا، لم يكن هناك في العالم متحف أو نصب تذكاري يُعنى بحفظ ذكريات هؤلاء الملايين من المتضررين وتوثيق معاناتهم.

وفي الواقع، في أوائل عام 2015م، اجتمع عدد من الأشخاص الجادين والمصممين على تحقيق هدف مشترك، تمثل في سد هذه الفجوة. وتحت قيادة رئيسة مجلس الإدارة ليدي كيشور ديساي، أُسِّس صندوق الفنون والتراث الثقافي في نيودلهي. وكان الهدف الأساسي للصندوق هو إنشاء أول متحف ونصب تذكاري في العالم لتخليد ذكرى تقسيم الهند.

وخلال النصف الأول من عام 2015م، بدأت سلسلة من المشاورات مع أبرز الخبراء الذين عملوا على موضوع تقسيم الهند. وشملت هذه المشاورات، إلى جانب الباحثين والأكاديميين، صنّاع الأفلام والكتّاب والفنانين والصحفيين، والأهم من ذلك، الناجين والمتضررين من التقسيم.

ومن خلال سلسلة واسعة من اللقاءات الفردية والنقاشات الجماعية، بدأت ملامح متحف تقسيم الهند تتضح تدريجيًا، وتبلورت رؤيته وأهدافه بصورة أكثر وضوحًا.

وفي أغسطس 2015م، عُقد أول لقاء للتشاور الشعبي، وشارك فيه أكثر من 1500 شخص. وأعرب المشاركون، من الشباب إلى كبار السن، عن آرائهم وأفكارهم، وأعلنوا دعمهم القوي لهذا المشروع.

وبعد هذا التجاوب المشجِّع، وسّع الصندوق نطاق أنشطته وبدأ العمل على جمع المقتنيات والوثائق الخاصة بالمتحف. وعُرضت هذه المجموعات في معارض أُقيمت في مناطق مختلفة من البلاد خلال عامي 2015 و2016م. وشجّعت هذه المعارض مزيدًا من الأسر على المشاركة في هذه المبادرة الشعبية.

وعادةً ما تبدأ المتاحف مسيرتها اعتمادًا على مجموعة خاصة أو حكومية من المقتنيات. لكن متحف تقسيم الهند بدأ مسيرته بمجرد التزام واضح بتكوين مجموعته من خلال الجهود المشتركة لمئات الأسر التي تضررت من التقسيم.

كما أُجريت أعمال بحث وجمع واسعة في مختلف الأرشيفات حول العالم، وشارك في هذه الجهود عدد كبير من المتطوعين، من الشباب وكبار السن على حد سواء. وكان هدف الجميع هو دعم رسالة المتحف والمضي بها قدمًا.

وبعد ذلك، في 24 أكتوبر 2016م، فُتحت أبواب أول متحف في العالم مخصص لتقسيم الهند أمام الجمهور في قاعة "تاون هول" بمدينة أمريتسر، بالتعاون مع مجلس التراث والسياحة والترويج في البنجاب التابع لحكومة الولاية. وأُقيم بهذه المناسبة معرض تمهيدي في أربع قاعات عرض. وافتتح المعرض التمهيدي نائب كبير وزراء البنجاب آنذاك، سُخبير سينغ بادال، في 24 أكتوبر 2016م. وبعد ذلك، افتتح وزير المالية في الحكومة الهندية آنذاك، أرون جيتلي، المعرض في 1 نوفمبر 2016م. وحظي المعرض التمهيدي بإشادة واسعة من الزوار والباحثين والمؤسسات المختلفة القادمين من أنحاء العالم.

وقدّم مئات الأشخاص وقتهم ومقتنياتهم العائلية ودعمهم المالي وخبراتهم للمشروع. وبفضل هذه المساهمات، كثّف متحف تقسيم الهند جهوده لاستكمال جميع قاعاته، تمهيدًا لافتتاحه بالكامل أمام الجمهور بمناسبة الذكرى السبعين لتقسيم الهند. وفي 17 أغسطس 2017م، افتتح كبير وزراء البنجاب الكابتن أماريندر سينغ متحف تقسيم الهند رسميًا وكرّسه للبلاد. وأُحييت المناسبة باعتبارها يوم ذكرى التقسيم، حيث جرى في ذلك اليوم تكريم ملايين الأشخاص الذين تأثروا بعملية التقسيم والإشادة بذكراهم.

ويقدّم متحف تقسيم الهند تاريخ التقسيم بصورة شاملة، إذ تبدأ قصته من الفترة التي سبقت التقسيم، ثم تتناول حركة الاستقلال، وتقسيم الهند، والظروف التي نشأت في أعقابه. وقد أُنشئ متحف تقسيم الهند باعتباره متحفًا عامًا، بهدف عرض تاريخ التقسيم من منظور الأشخاص الذين عاشوا تلك التجربة وعانوا تبعاتها بأنفسهم. ويشكّل جزء مهم من مقتنيات المتحف الأغراض التي تبرع بها الناجون من التقسيم وأسرهم.

وعندما اضطر الناس إلى مغادرة منازلهم وأراضيهم، أخذوا معهم كل ما استطاعوا حمله. واليوم، لا تمثل هذه المقتنيات مجرد تذكارات لأحداث تاريخية، بل أصبحت أيضًا رموزًا للخسائر والمعاناة التي تكبدها الناس.

وقد أدت حالة عدم اليقين والفوضى الناجمة عن التقسيم المفاجئ للبلاد إلى حرمان كثير من الناس حتى من الوقت الكافي لجمع متعلقاتهم وأخذ احتياجاتهم الأساسية قبل مغادرة منازلهم إلى الأبد.

وتشمل المقتنيات المحفوظة في متحف تقسيم الهند أيضًا أشياءً من الاستخدام اليومي حملها الناس معهم عند رحيلهم، إلى جانب مقتنيات كانت ترتبط بهم عاطفيًا. فمن الأواني والصناديق والملابس إلى ساري الزفاف وعلب المجوهرات والصناديق المعدنية، يحتفظ المتحف بتذكارات مرتبطة بتجربة التقسيم لأشخاص ينتمون إلى مختلف الطبقات والخلفيات الاجتماعية.

وعندما استعاد الفنانون ذكريات أهوال تقسيم الهند، عبّروا في كثير من الأحيان عن مشاعرهم وتجاربهم من خلال الرسم. ويقول الفنان كريشن خانا إنه لم يتمكن آنذاك من التعبير عن تلك الأحداث من خلال الفن، لأن إنقاذ الحياة ومغادرة المكان كانا في ذلك الوقت أهم من أي شيء آخر.

ويتذكر ستيش غوجرال أنه كان يعبر الحدود مرارًا من جانبيها لمساعدة اللاجئين على الوصول إلى الجانب الآخر. وفي وقت لاحق، أدرك أن صدمة التقسيم تركت أثرًا عميقًا على فنه.

وكان إس. إل. براشر أيضًا من الفنانين الذين تميزت أعمالهم بالخطوط القوية والتعبير الواضح عن الحركة. وقد عاش وعمل في عدد من مخيمات اللاجئين قبل أن يبدأ إعادة بناء حياته من جديد.

وقد وثّق هؤلاء الفنانون صدمات تلك الحقبة ومآسيها في لوحاتهم. وعلى الرغم من الاختلاف الكبير بين أعمالهم الفنية، فإنها تتشارك العديد من الموضوعات والقضايا.

وفي إطار سعي متحف تقسيم الهند إلى تقديم صورة شاملة عن الكيفية التي أثّر بها تقسيم عام 1947م في حياة الأفراد، يحتفظ المتحف أيضًا بنسخ معاد إنتاجها في طبعات محدودة من لوحات الفنانين الثلاثة. وإضافة إلى ذلك، يضم المتحف عملًا فنيًا مؤثرًا وعميق الدلالة للفنانة أربنا كور بعنوان "1947".

ويستفيد هذا المتحف أيضًا من الوسائط السمعية والبصرية الحديثة. ففي قاعاته الـ14، توجد محطات سمعية وبصرية في مواقع مختلفة، حُفظت فيها أصوات أشخاص كانت قصصهم مهددة بالاندثار بين صفحات التاريخ. ويُعرض في المتحف حاليًا أكثر من 100 مقابلة، إلى جانب أرشيف يتوسع باستمرار، ومن المقرر أن يُتاح مستقبلًا للباحثين والأكاديميين والمهتمين بتاريخ تقسيم الهند.

اقرأ أيضًا: دهارمندرا برادان: بين المساءلة والاعتراف بالإنجازات

ويهدف متحف تقسيم الهند إلى أن يصبح مركزًا شاملًا للمعلومات والقصص الإنسانية المرتبطة بتقسيم الهند. وهي جهود متواصلة يجري في إطارها جمع المزيد من التاريخ الشفهي والوثائق والمواد المرئية والمسموعة. كما يسعى المتحف إلى الوصول إلى مختلف المصادر التي يمكن أن تسهم في حفظ تاريخ تقسيم الهند والتجارب الإنسانية المرتبطة به وتوثيقها للأجيال القادمة.

قصص مقترحة