دهارمندرا برادان: بين المساءلة والاعتراف بالإنجازات

07-08-2026  آخر تحديث   | 07-08-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | مظهر آصف 
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

 


مظهر آصف*

لا يمكن الحكم على أي شخص أو أي مرحلة تاريخية استنادًا إلى حادثة واحدة فقط، فالحياة ليست ذات لون واحد، وكذلك التاريخ. فإذا شهدت مرحلة ما خطأً جسيمًا أو إخفاقًا كبيرًا، فمن الواجب طرح الأسئلة بشأنه، ومساءلة المسؤولين عنه حيثما تقتضي المسؤولية ذلك. ولكن إذا كانت المرحلة نفسها قد شهدت أيضًا إنجازات أسهمت في تحسين أوضاع الفئات المهمشة، وفتحت أبواب التعليم، وأحدثت تغييرات إيجابية في المجتمع، فإن الاعتراف بهذه الإنجازات يجب أن يتم بالقدر نفسه من الصدق والنزاهة. فإخفاق الإنسان لا يُبطل جميع حسناته، كما أن نجاحه لا يمحو جميع أخطائه. فالمساءلة والاعتراف ليسا نقيضين، بل يكمل أحدهما الآخر، ومن اجتماعهما تتحقق العدالة. ولذلك، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي النظر إلى جوانب الظلام والنور في أي مرحلة، وعدم الاكتفاء برؤية أحدهما دون الآخر.

وعند تطبيق هذا الميزان العادل على المسيرة السياسية والإدارية لدهارمندرا برادان، يتضح أن الصورة ليست أحادية الجانب. فقد أثارت بعض الوقائع المرتبطة بفترة توليه وزارة التعليم تساؤلات، لكن هل ينبغي، في ظل هذه التساؤلات، تجاهل ما تحقق خلال عهده من إنجازات إيجابية؟ فإذا كان من حق الجميع مساءلته عن أوجه القصور أو الإخفاقات التي شهدتها تلك المرحلة، فإن من مقتضى الإنصاف والنزاهة أيضًا الاعتراف بالمبادرات التي أسهمت في تعزيز العدالة الاجتماعية، وتوسيع نطاق الشمول التعليمي، وإحياء التراث العلمي والمعرفي الهندي، وفتح آفاق جديدة في هذه المجالات.

وكان هناك وقت ارتبط فيه اسم دهارمندرا برادان ارتباطًا وثيقًا بوزارة البترول والغاز الطبيعي وبرنامج "برادهان مانتري أوجوالا يوجنا"، حتى أصبح بالنسبة إلى النساء في الأسر الفقيرة رمزًا لتوفير الراحة وتحسين ظروف المعيشة. ففي البيوت التي كان دخان مواقد الحطب جزءًا من الحياة اليومية، حيث كانت الأمهات والنساء يعانين من آثاره الصحية، وكان تأمين الوقود يستهلك الكثير من الوقت والجهد، لم يكن إيصال غاز البترول المسال مجرد إجراء إداري، بل كان خطوة تعكس رؤية أوسع تهدف إلى حماية الصحة، وتعزيز الراحة داخل الأسرة، وتيسير حياة المرأة.

ومن هنا، لُقّب برادان بـ"رجل أوجوالا" (Ujjwala Man)، وأصبحت هذه المرحلة من توليه وزارة البترول والغاز الطبيعي تُعد إحدى أبرز المحطات الناجحة في مسيرته الإدارية.

ثم تغيّر المنصب، وتغيّرت معه المسؤولية. فمع تولّي دهارمندرا برادان حقيبة وزارة التعليم، بدأ فصل جديد في مسيرته. ولم يعد الأمر متعلقًا بتوفير وقود الطهي للأسر، بل أصبح مرتبطًا بمستقبل ملايين الطلاب.

وقد أثارت أزمة امتحان NEET وقضية تسريب أوراق الامتحان تساؤلات جدية حول شفافية نظام الامتحانات، وكفاءة الإشراف الإداري، ومستوى المساءلة. ولا يمكن التقليل من حجم القلق الذي انتاب الطلاب وأولياء أمورهم، إذ إن أي خلل في امتحان تتوقف عليه آمال الشباب ومستقبلهم من شأنه أن يهز الثقة في المنظومة بأكملها.

ومن ثم، فإن من الطبيعي أن تُطرح الأسئلة، وأن تُحدد المسؤوليات، وأن تُتخذ الإجراءات الإصلاحية حيثما دعت الحاجة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن أن تختزل أزمة واحدة صورةَ مرحلة كاملة؟ فإذا كان من المشروع تحميل القيادة مسؤولية حدث سلبي وقع خلال فترة معينة، أفلا يقتضي الإنصاف أيضًا الاعتراف بما تحقق خلالها من إنجازات إيجابية؟

فإذا كان من حقنا أن نتساءل: ما الذي أخطأت فيه هذه المرحلة؟ فمن حقنا أيضًا أن نسأل: ما الذي حققته من نجاحات؟ ومن هنا تبرز الحاجة إلى تقييم تجربة دهارمندرا برادان في وزارة التعليم ضمن سياق أشمل ورؤية أكثر توازنًا.

ويُعد تعزيز العدالة الاجتماعية في مؤسسات التعليم العالي أحد أبرز الجوانب التي ميّزت فترة تولّي دهارمندرا برادان وزارة التعليم. فقد شهدت الجامعات المركزية وغيرها من مؤسسات التعليم العالي التابعة للحكومة المركزية خلال السنوات الأخيرة جهودًا لزيادة تمثيل الطبقات المُجدولة، والقبائل المُجدولة، والطبقات المتخلفة الأخرى في تعيينات أعضاء هيئة التدريس. ولا سيما منذ عام 2021م، أُطلقت حملات توظيف خاصة ونُشرت إعلانات موجهة بهدف شغل الوظائف الشاغرة المخصصة للفئات المحجوزة. وقد يبدو هذا في ظاهره إجراءً إداريًا، لكنه في جوهره يطرح سؤالًا اجتماعيًا مهمًا: هل تعكس مؤسسات التعليم العالي بالفعل تنوع المجتمع الذي أُنشئت لخدمته؟

فالجامعة ليست مجرد مكان للتدريس والتعلم، بل هي أيضًا مؤسسة تُسهم في صناعة مستقبل المجتمع. وإذا تمكنت الفئات التي عانت طويلًا من التهميش وضعف التمثيل من إيجاد مكان لها داخل هذه المؤسسات، فإن ذلك لا يُعد مجرد حصول على وظيفة، بل يمثّل خطوةً نحو تحقيق الشمول والعدالة الاجتماعية. فدخول شاب من إحدى الفئات المحرومة إلى الجامعة أستاذًا في مؤسسة كان تمثيل أبناء مجتمعه فيها محدودًا، لا ينعكس إيجابًا على مستقبله الشخصي فحسب، بل يعزِّز ثقة ذلك المجتمع بنفسه وبفرصه في المشاركة. ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى الجهود الرامية إلى شغل الوظائف المحجوزة باعتبارها مجرد إجراء حكومي روتيني، بل باعتبارها جزءًا من مسار أوسع يهدف إلى تعزيز التمثيل العادل والإدماج الاجتماعي.

ولا يقتصر الحديث عن التعليم على التعيينات والتوظيف فحسب، بل إن التعليم هو الذي يصوغ المستقبل الفكري للمجتمع. ومن هذا المنطلق، لا يكتمل تقييم فترة تولّي دهارمندرا برادان وزارة التعليم من دون التطرق إلى سياسة التعليم الوطنية لعام 2020. وبحكم أنني كنت عضوًا في لجنة إعداد مسودة هذه السياسة التعليمية، فإن من الإنصاف أن أقول إنها سعت إلى مواءمة النظام التعليمي مع المتطلبات المتغيرة للعصر، وتعزيز تنمية المهارات، والتعليم المهني، والبحث العلمي، والدراسات البينية (متعددة التخصصات). وينطلق هذا التصور من أن التعليم ليس مجرد وسيلة لاجتياز الامتحانات أو الحصول على الشهادات، بل هو عملية متكاملة ترتبط بالحياة، وسوق العمل، والبحث العلمي، وبناء القدرات العملية.

ومن أبرز جوانب هذه السياسة أيضًا الاهتمام بمنظومة المعرفة الهندية، والمعارف المحلية، والتراث العلمي التقليدي. فعلى مدى عقود طويلة، أدّى اعتبار التقليد المعرفي الغربي المعيار المهيمن للعلم إلى تهميش العديد من جوانب المعرفة المحلية في الهند وإبعادها عن دائرة النقاش الأكاديمي.

فقد جرى في كثير من الأحيان تجاهل الزراعة التقليدية، والمعرفة البيئية المحلية، وخبرات المجتمعات القبلية، وأساليب العلاج التقليدية، والمعارف المتوارثة عبر الأجيال، بحجة اختلافها عن الأطر العلمية الحديثة. وقد أعادت سياسة التعليم الوطنية لعام 2020م طرح سؤال جوهري مفاده: هل يمكن أن يظل مفهوم المعرفة محصورًا في تقليد علمي واحد؟

وإن تعزيز منظومة المعرفة والتعليم الهندية لا يعني التسليم بأن كل ما هو قديم يُعد بالضرورة علميًا. فالتراث يستحق الاحترام، لكن المعيار الحقيقي للصدق العلمي هو البحث والدليل. فما يثبت صحته وفقًا لمعايير البحث العلمي ينبغي إبرازه والاستفادة منه، وما يزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة يجب أن يُخضع للبحث والتحقيق، أما ما لا يصمد أمام المعايير العلمية فلا ينبغي قبوله لمجرد قِدمه أو انتمائه إلى التراث. وهذا النهج هو الكفيل بأن يجعل التراث العلمي الهندي جزءًا من حوار أكاديمي جاد ورصين، بدلًا من أن يظل مجرد مصدر للاعتزاز العاطفي.

وفي هذا السياق، يكتسب الاهتمام بالمجتمعات القبلية، ولا سيما الفئات القبلية الأشد ضعفًا، أهمية خاصة. فمن خلال تشجيع "المجلس الهندي لبحوث العلوم الاجتماعية" للأبحاث المتعلقة بهذه الفئات، تتاح الفرصة لإبراز حياتها، وثقافتها، وعلاقتها بالبيئة، ومعارفها المحلية ضمن المشهد الأكاديمي. فإذا أصبحت الزراعة التقليدية، وأنماط الحياة الصديقة للبيئة، وأساليب العلاج التقليدية، وأنظمة التنظيم المجتمعي، والخبرات المتوارثة عبر الأجيال موضوعًا للبحث العلمي، فإن ذلك لا يسهم فقط في فهم هذه المجتمعات بصورة أعمق، بل يوسع أيضًا آفاق المعرفة العلمية نفسها.

ومع ذلك، فإن سياسة التعليم الوطنية ليست بمنأى عن الانتقاد. فنجاحها يعتمد إلى حد كبير على حسن تنفيذها، وتوفير الموارد اللازمة، وتأهيل المعلمين، وتعزيز القدرات المؤسسية. كما أن أزمة امتحان NEET أثارت تساؤلات جدية بشأن شفافية نظام الامتحانات ومستوى المساءلة الإدارية. ولا يُعد تجاهل هذه التساؤلات لا من النزاهة العلمية ولا من الحكمة الإدارية. لكن، في المقابل، فإن اختزال مرحلة كاملة في أزمة واحدة، وإغفال ما شهدته من جهود وإنجازات أخرى، لا ينسجم أيضًا مع مقتضيات الإنصاف. فـالانتقاد والاعتراف ليسا متعارضين، بل يكمل أحدهما الآخر، وهما معًا شرطان أساسيان لأي تقييم تاريخي متوازن.

ولذلك، فإن تقييم فترة دهارمندرا برادان على رأس وزارة التعليم يقتضي النظر إليها من منظور شامل ومتوازن. فمن جهة، هناك أزمة امتحان NEET وما أثارته من تساؤلات بشأن نزاهة منظومة الامتحانات، ومن جهة أخرى، هناك الجهود المبذولة لتعزيز تمثيل الفئات المحرومة في مؤسسات التعليم العالي. ومن ناحية، تبرز قضية شفافية الامتحانات والمساءلة الإدارية، ومن ناحية أخرى، تأتي سياسة التعليم الوطنية بما حملته من توجهات نحو تعزيز تنمية المهارات، والتعليم المهني، والمواءمة بين التعليم ومتطلبات العصر. وكذلك، في مقابل المطالبة بالمحاسبة الإدارية، برزت جهود لإدماج منظومة المعرفة والتعليم الهندية والمعارف المحلية في صلب الحوار الأكاديمي والبحثي. وإن تغليب أحد هذه الجوانب وإغفال سائر الجوانب الأخرى لا يقدّم صورة كاملة، بل يؤدي إلى قراءة ناقصة لهذه المرحلة.

ولا تتشكل إرث أي قائد من الوقائع التي تتصدر العناوين الإخبارية وحدها. فهناك تغييرات تأتي وسط ضجيج واسع، وأخرى تُحدث أثرها بصمت، لكنها لا تقل أهمية. فوصول وسيلةٍ توفر الراحة إلى منزل امرأة فقيرة، وإتاحة الفرصة لشاب من الفئات المحرومة للوصول إلى التعليم العالي، وتمكين طالب من اكتساب مهارة تؤهله للاعتماد على نفسه، وتحول أحد التقاليد المعرفية المنسية إلى موضوع للبحث العلمي، كلها تشكِّل جزءًا من إرث أي مرحلة. وإذا جرى تجاهل هذه التحولات، فإن التاريخ سيتحول إلى مجرد سجل للأخبار والأحداث، لا إلى صورة متكاملة.

ولذلك، فإن تذكُّر دهارمندرا برادان من خلال أزمة امتحان "NEET" وحدها لا يقل افتقارًا إلى الإنصاف عن تذكُّره من خلال برنامج "أوجوالا يوجنا" وحده. فمسيرته السياسية تضمّ محطات مضيئة وإنجازات بارزة، كما شهدت أيضًا وقائع أثارت تساؤلات وانتقادات. ويقتضي الإنصاف أن تُنظر هذه الجوانب جميعها معًا، لا أن يُكتفى بأحدها دون الآخر. فليس من الصواب المبالغة في تضخيم النجاحات، كما أنه ليس من العدل طمسها أو إنكارها. كما أن إخفاء الإخفاقات أمر غير مقبول، فإن اتخاذها ذريعة لإنكار ما تحقق من خطوات إيجابية لا ينسجم أيضًا مع مبادئ العدالة والموضوعية.

اقرأ أيضًا: التعليم ركيزة نهضة الأمم وصناعة المستقبل

وإن التاريخ ليس محاميًا لأحد؛ فهو لا يعفي شخصًا من المساءلة بسبب إنجازاته، كما أنه لا يمحو جميع خدماته بسبب خطأ أو تعثر. فمهمة التاريخ هي أن يحفظ شهادة المرحلة بكل ما فيها، لا أن يكتفي بجانب دون آخر. ومن هذا المنطلق، ينبغي اعتماد المعيار نفسه عند تقييم تجربة دهارمندرا برادان: حيثما وُجدت تساؤلات، ينبغي طرحها؛ وحيثما وُجدت مسؤولية، ينبغي تحمّلها؛ وحيثما تحققت تغييرات إيجابية، ينبغي الاعتراف بها.

فلتكن هناك مساءلة، ولكن مقرونة بالاعتراف بالإنجازات؛ وليكن هناك انتقاد، ولكن قائم على الإنصاف، لأن الإرث الحقيقي لأي قائد لا يُقاس فقط بما وقع من إخفاقات خلال فترة توليه المسؤولية، بل أيضًا بما سعى إلى إصلاحه، وبالفرص التي أتاحها للناس، وبالمسارات التي مهّدها للأجيال القادمة.

*الأستاذ الدكتور مظهر آصف هو رئيس الجامعة الملية الإسلامية بنيودلهي.

قصص مقترحة