صناعة السفن الخشبية في قطر.. جذور بحرية تمتد إلى الهند

16-01-2026  آخر تحديث   | 15-01-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
صناعة السفن الخشبية في قطر.. جذور بحرية تمتد إلى الهند
صناعة السفن الخشبية في قطر.. جذور بحرية تمتد إلى الهند

 


آواز دي وايس/ نيودلهي

حرصًا على صون التراث الحضاري المحلي، أولت دولة قطر عناية كبيرة بصناعة السفن والقوارب الخشبية، التي شكّلت على مدى عقود طويلة مصدرًا أساسيًا لرزق السكان، ولا سيما في الحقبة التي كان فيها صيد اللؤلؤ الحرفة الأبرز في دول الخليج الساحلية قبل اكتشاف النفط والغاز.

وأضحى بناء السفن التراثية، بمختلف أحجامها التقليدية والعملاقة، مشروعًا محوريًا ضمن أجندة الحكومة القطرية لتعزيز المشهد السياحي، حيث تجرى دعم ورش متخصصة تُحاكي تقنيات صناعة السفن التراثية التي اضطلعت بدور بارز في تاريخ البلاد، إلى جانب ترميم السفن القديمة وتأهيلها لتكون صالحة للإبحار من جديد. وللاستجابة لاهتمام المواطنين باقتناء السفن التراثية، عملت السلطات المحلية على زيادة أعداد مراسي السفن، وإنشاء مركز متكامل لصيانتها في منطقة الرويس، ليشكّل رافدًا داعمًا لمراكز مماثلة في الوكرة والخور، تسهم مجتمعة في تطوير الخدمات المقدّمة للصيادين ومُلّاك السفن.

ولا تقتصر صناعة المراكب الخشبية في قطر على إبراز أبعادها التاريخية والثقافية فحسب، بل تتجاوز ذلك لتشمل الجوانب التجارية والأنشطة الرياضية البحرية، مستفيدةً من الامتداد البحري الواسع لسواحل الدولة، باستثناء حدودها البرية مع المملكة العربية السعودية.

ويتم استيراد الأخشاب المستخدمة في صناعة السفن التراثية من الهند، لما تتمتع به من جودة عالية وارتفاع في التكلفة، فضلًا عن قدرتها الفائقة على مقاومة ملوحة البحر والصمود لعقود طويلة.

وقال المهندس أحمد جاسم الصايغ المتخصص في صناعة مجسمات السفن التقليدية والمسؤول عن التصاميم وصناعة السفن بقسم السفن الخشبية بالمكتب الهندسي الخاص في تصريحات لوكالة "قنا": "إن المحامل الخشبية شكلت عبر التاريخ عنصرًا اقتصاديًا رئيسًا في قطر ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، موضحًا أن ازدهار صناعة السفن ارتبط بازدهار التجارة البحرية في المنطقة".

وأضاف الصايغ "أن سكان قطر والخليج اعتمدوا بشكل أساسي على البحر في مصادر رزقهم، سواء من خلال صيد الأسماك، أو الغوص للبحث عن اللؤلؤ، أو التجارة البحرية، التي شملت التنقل بين قطر والبحرين والإمارات، إضافة إلى سواحل إيران، ومن ثم إلى البصرة، ومنها إلى الهند، فضلاً عن سواحل إفريقيا".

 

وأشار إلى "أن السفن كانت تجلب إلى المنطقة البهارات والأخشاب والحديد والأقمشة وجميع المواد الخام اللازمة لبناء البيوت وتسيير شؤون الحياة اليومية، في وقت لم تكن فيه موارد الخليج تتجاوز الرطب واللؤلؤ، مشيرًا إلى أن امتلاك المحمل كان أمرًا شائعًا في الماضي، لا سيما في المدن الساحلية، حيث لم يكن يخلو بيت من سفينة تستخدم للتنقل أو التجارة، كما كانت المحامل وسيلة تنقل مريحة بين المدن الساحلية مثل الدوحة والوكرة والخور".

 

وتطرّق الصايغ إلى واقع صناعة السفن التقليدية في الوقت الراهن، مبيّنًا أنها تواجه جملة من التحديات، في مقدّمتها ارتفاع التكاليف والحاجة إلى صيانة دورية متواصلة، إلى جانب انتشار سفن "الفيبرجلاس" الأقل كلفة والأسهل من حيث الصيانة، فضلًا عن محدودية عدد الحرفيين المتخصصين وصعوبة توفير الأخشاب بالمقاسات المطلوبة لتنفيذ تصاميم تقليدية خاصة، مشيرًا إلى أن دعم الدولة شكّل عاملًا حاسمًا في صون هذه الصناعة واستمراريتها، لافتًا إلى ما تقدّمه من دعم لأصحاب السفن الخشبية، فضلًا عن إشراكهم في الفعاليات الثقافية، وتنظيم السباقات والمسابقات البحرية التي تسهم في إحياء هذا الموروث البحري العريق.

وتحدثًا عن مشاركة دولة قطر كضيف شرف في معرض نيودلهي الدولي للكتاب 2026م، أكّد المهندس الصايغ لموقع "آواز دي وايس": "أنا أجد هذا المعرض فرصةً كبيرة لتعريف الشعب الهندي ببعض ثقافات دولة قطر وبعض من تراثها وعلومها، وأجد فرصة جيدة وجميلة فإن قطر مشارِكة في هذا المعرض كضيف شرف. أتمنى أن أشارك في السنوات القادمة، وفي المحافل الأخرى من المهرجانات العلمية والثقافية التي تقوم بها الهند".

كما أشار الصايغ إلى أن صناعة السفن الخشبية تحمل أسماء مختلفة منها "البقارة" و"الجالبوت" و"البتيل" و"السمبوك" و"الشوعي" الذي لا يزال يستخدم حتى الآن في رحلات الصيد والتجارة. وتتنوع أنواع سفن التراث القطرية وأحجامها حسب الاستخدام والغرض، فهناك "البقارة" التي تتميز بمقدمة مشرعة للأعلى مع نهاية مدببة ودقيقة.

وأما "البوم" فهي سفينة كبيرة الحجم، يصل أقصى وزن لها إلى نحو 400 طن، وقد يبلغ طولها قرابة 140 قدمًا، وتُستخدم في أغراض التجارة والنقل والسفر.

وتُصمَّم سفن "الجالبوت" خصيصًا لأغراض صيد اللؤلؤ وتجارته، إلى جانب سفن "البتيل" التي تُعدّ من أوائل السفن التي استخدمها أبناء الخليج العربي في رحلات جمع اللؤلؤ، نظرًا لصغر حجمها الذي يمنحها سرعة وسهولة في الحركة.

ولا يزال الصيادون يعتمدون على سفن "الشوعي" في أنشطة الصيد والتجارة، إلى جانب سفن أخرى مثل "السمبوك" التي تتميّز بسرعتها وسهولة استخدامها.

وقال عبد العزيز البوهاشم السيد، الباحث في التراث لوكالة "قنا": إن التراث البحري يشكّل جزءًا أصيلًا من تاريخ دولة قطر، موضحًا أن معظم القرى القطرية القديمة نشأت على السواحل، وكانت صلتها بالبحر صلة وثيقة وشاملة، سواء في ما يتعلّق بالغوص لاستخراج اللؤلؤ أو الصيد أو أنشطة التجارة البحرية.

وأوضح "أن التجارة البحرية ربطت قطر بمناطق بعيدة، وفي مقدمتها الهند، مشيرًا إلى أن البحر لم يكن مجرد مصدر رزق، بل نمط حياة يومي عاشه المجتمع القطري عبر قرون طويلة، كما أن رحلات الغوص، لا سيما "الغوص الكبير"، كانت تمتد لنحو أربعة أشهر متواصلة في البحر، ما يعني أن الإنسان القطري كان يقضي جزءًا كبيرًا من حياته فوق السفن، وهو ما أسهم في ترسيخ علاقة أزلية بين المواطنين والبحر تمتد لآلاف السنين، مضيفًا أن تاريخ اللؤلؤ في المنطقة موثق منذ أكثر من ألفي عام، حيث ورد ذكره في كتابات المؤرخين القدماء، ومن بينهم مؤرخون يونانيون أشاروا إلى شهرة هذه المنطقة بصيد اللؤلؤ وجودته".

اقرأ أيضًا: جناح دولة قطر في معرض نيودلهي الدولي للكتاب يشهد إقبالاً جماهيريًا واسعًا

وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تهتم بتنظيم مهرجان كتارا للمحامل التقليدية، والذي يعد مناسبةً بارزةً تُبرز التراث البحري القطري والخليجي، وتعكس حجم الاهتمام بصون هذه الفنون البحرية الأصيلة، عبر تنظيم مسابقات شيّقة وورش عمل تعليمية. كما يسهم المهرجان في تعزيز الوعي الثقافي وترسيخ هذا الموروث البحري ونقله إلى الأجيال الجديدة.

وفي السنة الماضية خلال الفترة من 27 نوفمبر إلى 19 ديسمبر 2025م، أقيمت فعاليات مهرجان المحامل التقليدية في نسخته الخامسة عشرة، في الجهة الجنوبية للمؤسسة العامة للحي الثقافي كتارا بمشاركة دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب الهند، وإيران، والعراق، وفلسطين، وتنزانيا، والسودان.