عندما يصبح التدريس شغفًا: حكاية سلمى بيغوم

22-04-2026  آخر تحديث   | 22-04-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
البروفيسورة سلمى بيغوم
البروفيسورة سلمى بيغوم

 


ثانية أنجم / بنغالورو

بعضُ الشخصيات لا تعلن أثرها بصوتٍ عالٍ؛ بل تتكشف بهدوء، عبر الفصول الدراسية، والحوارات، والاختيارات المتواصلة التي تمتد لعقود. وإن مسيرة البروفيسورة سلمى بيغوم واحدة من تلك الشخصيات؛ حكاية لم تُشكَّل بالطموح وحده، بل بالقناعة أيضًا - قناعة بأن التعليم، حين يُقدَّم بتعاطف وهدف، قادرٌ على تحويل الأفراد والمجتمع على حد سواء.

وعند استعادتها لسنواتها الأولى، تتذكر حالة الغموض التي أعقبت دراستها العليا. تقول: "بعد تخرّجي، كنت حريصة على بناء مسار مهني، لكن في ثمانينيات القرن الماضي، كان مفهوم الإرشاد المهني أو اختبارات الكفاءة نادرًا جدًا". ومثل كثير من نساء جيلها، جرّبت المسارات المتاحة، فعملت لفترة وجيزة مع شركة التأمين على الحياة، ثم في بنك خاص، غير أن أيًّا منهما لم يمنحها الإحساس بالرضا.

وتقول بوضوح: "لم أرغب في الاستمرار". وجاءت نقطة التحوّل عندما قبلت عرضًا للتدريس في كلية خاصة. وتضيف: "منذ اليوم الأول، أدركت أن هذا هو ندائي. وكانت تلك هي اللحظة. وعرفت أن هذا ما أودّ القيام به. وكنت في غاية السعادة وأنا أُدرّس".

ff

وكان إحساسها بالرسالة متجذرًا بعمق في نشأتها في كريشناجيري. فقد وُلدت لوالد يعمل في مجال الصناعات الصغيرة، ونشأت في أسرةٍ كانت القيم فيها تُقدَّم على النجاح المادي. وكان لوالدتها وأجدادها أثرٌ بالغ في تشكيل رؤيتها للحياة. وتقول: "كانت الأدبيات الإنجليزية والأردية جزءًا من نقاشاتنا اليومية وقراءتنا".

وتضيف: "كان ويليام شكسبير وجلال الدين الرومي وبنجاتانترا أسماء مألوفة لدينا". ولم تكن الأدبيات مجرد مادة دراسية، بل كانت تُعاش وتُناقش وتُستوعب. وقد أسهمت هذه التأثيرات المبكرة في صقل حساسيتها تجاه اللغة والفكر والتعبير، وهي السمات التي ستُشكّل لاحقًا أسلوبها في التدريس.

وعندما تتحدث عن تعليم الفتيات، تبدو قناعتها واضحة لا لبس فيها. تقول: "منذ طفولتي، رأيت أن تعليم الفتيات لم يكن أولوية في كثير من الأسر". وتضيف: "كانت الفتيات يُلقَّنَّ أن التعليم بعد الأساسيات ليس ضروريًا". فكان التعليم بالنسبة إلى الكثيرين مجرد مرحلة مؤقتة تسبق الزواج. وأما أسرتها، فكانت تؤمن بعكس ذلك تمامًا. وتوضح: "في عائلتنا، كان التعليم أولوية قصوى، بل أكثر أهمية بالنسبة إلى الفتيات".

ولقد تركت فلسفة والدتها أثرًا عميقًا في حياتها. تقول: "كانت تؤمن بشدة أن التعليم يبني الشخصية والكيان، ويمنح الشجاعة والفهم، ويُهيئ الإنسان لمواجهة تحديات الحياة بعزيمة. وفوق كل شيء، يُكسبه القدرة على التمييز". وكان والداها يؤمنان بفعل الصواب مهما كانت التكلفة. وتضيف: "كانت الكرامة أهم من الأمور المادية". وقد شكّلت هذه القيم قناعتها الراسخة بأن التعليم هو أعظم وسيلة لتحقيق المساواة في المجتمع، خاصة في حياة الفتاة.

gggg

ومن المحطات الحاسمة في مسيرتها المهنية انتقالها إلى تشاناباتنا، حيث كانت الدراسة تُقدَّم بالكامل باللغة الكانادية. وتوضح: "كان الطلاب لا يفهمون سوى الكانادية، ولذلك أصبح الأمر ضرورة بالنسبة إلي". وعزمت على ألا تكون اللغة عائقًا، فبدأت تعلم الكانادية خلال رحلاتها اليومية بالقطار. وتقول: "كان الأمر صعبًا"، لكنها واصلت بإصرار، وبمساعدة طلابها تدريجيًا، حتى أتقنت اللغة والمصطلحات الاقتصادية اللازمة للتدريس.

وتقول متأملة: "لقد غيّر هذا الأمر نظرتي تمامًا؛ فبإمكاننا تبسيط أي مادة وجعلها سهلة الفهم إذا قمنا بتدريسها باللغة التي يفهمها الطلاب، لا باللغة التي نجيدها نحن". ومع مرور الوقت، ازدادت ثقتها بنفسها، وتعزّز تفاعلها مع طلابها، حتى أصبحت متمكنة إلى درجة دُعيت معها لتدريس فصول باللغة الكانادية في كلية مهاراني.

وأما علم الاقتصاد، فقد ظل بالنسبة إلى البروفيسورة سلمى بيغوم أكثر من مجرد مادة دراسية. تقول: "الاقتصاد، كغيره من التخصصات، ذو فائدة وقيمة كبيرة؛ فكل جانب من جوانب الأعمال والتمويل والتجارة يرتبط به". وتتحدث عن اتساع مجاله وأهميته بحماس هادئ، مضيفة: "إن مجاله الواسع وفرصه غير المحدودة في البحث وتطوير مجالات جديدة للدراسة تُعد ذات نفع كبير للجميع".

وتكشف تأملاتها في الأدب عن بُعدٍ آخر من حياتها الفكرية. تقول: "الأدب هو جوهر أي لغة؛ فمن خلاله تكتسب التعبيرات والاتصال قدرًا من الرقي والجمال". وتتحدث بإجلال متساوٍ عن الأدبين الإنجليزي والأردي، مضيفة: "كلتا اللغتين ثريتان للغاية وتمتلكان إرثًا عظيمًا". ومن الشعر والمسرح إلى القصص والروايات القصيرة، ترى أن الأدب يضبط الكلمة المنطوقة والمكتوبة ويهذبها، "ومن هنا تأتي القواعد"، كما تضيف بتأمل.

ff

كما تُقرّ بدور التاريخ في تشكيل التأثير الأدبي، قائلة: "اكتسب الأدب الإنجليزي انتشارًا واسعًا بسبب الإمبراطورية الاستعمارية وإدخال التعليم الإنجليزي في المستعمرات". وأما عن اللغة الأردية، فتظهر إعجابها بوضوح: "الأردية لغة فتية، لكن أدبها نابض بالحياة وجميل؛ فحساسيتها ومعالجتها الرقيقة للموضوعات تضفي سحرًا وطابعًا مميزًا على هذا الفن".

وعلى الصعيد الأكاديمي، تتميز مسيرتها بالإنجاز؛ إذ حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة بنغالور عام 1995م عن سياسات الحكومة وتأثيرها في ريادة الأعمال النسائية. وهي حاصلة على اعتماد كميسّرة في إدارة الجودة الشاملة وتنمية الموارد البشرية، كما أنها مستشارة نفسية معتمدة من نيمهانس وقسم علم النفس بجامعة بنغالور. وقد ألّفت خمسة كتب، إلى جانب العديد من المنشورات على المستويين الوطني والدولي.

وخارج الإطار الأكاديمي، وجدت التزامها ترجمة عملية من خلال مبادرة "سابالا"، وهي جمعية أسّستها لتلبية حاجة طال انتظارها لوجود منصة رسمية لطالبات وموظفات المؤسسات التعليمية. تقول: "كان الهدف هو التوعية، ورفع الحسّ، وتمكين المرأة". وقد ركزت "سابالا" على نشر الوعي القانوني، والحقوق والواجبات، وتنمية مهارات التواصل والعمل الجماعي، إضافة إلى تعزيز روح ريادة الأعمال. وتضيف: "حتى مجرد نشر الوعي يمكن أن يكون تمكينًا بحد ذاته… وقد نجحت سابالا في ذلك بشكل كبير".

اقرأ أيضًا: نجمة فاروقي: نموذج للقيادة الهادئة في الشرطة الهندية

وعندما توجّه حديثها إلى الشابات الطامحات إلى القيادة، تأتي رسالتها واضحة ومفعمة بالأمل: "لقد تصدّرت النساء المشهد في معظم المجالات". ولكنها تشير في الوقت نفسه إلى اختلالٍ لا يزال قائمًا، قائلة: "رغم أن النساء يترأسن مؤسسات، فإن الإدارة لا تزال في يد الرجال". وتقدّم نصيحة حاسمة: "قُدنَ ولا تتبعن. فالكثير منا يتّسم بالخجل والخوف من شقّ طرق جديدة أو مخالفة توقعات المجتمع. فعلى النساء أن يتحررن من هذه المخاوف ويتولين أدوارًا قيادية".

فإن حياة البروفيسورة سلمى بيغوم تجسّد ثورة هادئة بُنيت على الفصول الدراسية، واللغة، والتعاطف، والشجاعة. فمن خلال الاقتصاد والأدب، وبين النظرية والتطبيق، أسهمت في تشكيل العقول وتعزيز الأصوات. وتبقى رحلتها تذكيرًا بأن التعليم الحقيقي لا يُلقَّن فحسب، بل يُعاش.

قصص مقترحة