المعرض التعليمي يعود ليجسّد روح الجامعة الملية الإسلامية بين الماضي والمستقبل

31-10-2025  آخر تحديث   | 31-10-2025 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
المعرض التعليمي يعود ليجسّد روح الجامعة الملية الإسلامية بين الماضي والمستقبل
المعرض التعليمي يعود ليجسّد روح الجامعة الملية الإسلامية بين الماضي والمستقبل

 


قرة العين*

تُعدّ الجامعة الملية الإسلامية أكثر من مجرد مؤسسة تعليمية؛ فهي رمز لحركةٍ فكرية وحلمٍ وطنيٍ ومرحلةٍ تاريخية في مسيرة الهند. ونشأت الجامعة في زمنٍ كانت فيه شبه القارة الهندية ترزح تحت الاستعمار، حين أدرك المفكرون أن الحرية الحقيقية لا تتحقق إلا إذا ارتبط التعليم بالكرامة الوطنية والاعتماد على الذات والوعي الثقافي.

وانطلاقًا من هذه الفكرة، وُضع الأساس الأول للجامعة في عليكراه في29  أكتوبر 1920م، في خطوةٍ لم تكن مجرد تأسيسٍ لمؤسسة تعليمية، بل إعلانًا جريئًا للتمرد على النظام التعليمي الاستعماري آنذاك. وقد جسّد هذا الحلم نخبة من القادة والمصلحين الكبار مثل محمد علي جوهر والحكيم أجمل خان والدكتور مختار أحمد أنصاري ومولانا ثناء الله الأمرتسري، الذين أسهموا بعلمهم وبصيرتهم في بناء هذا الصرح العلمي، ليصبح منارةً للفكر الوطني ومركزًا للاستقلال الثقافي والتنوير في الهند.

ووضعت الجامعة الملية الإسلامية، منذ نشأتها، رؤية واضحة للتعليم، تقوم على أن هدفه لا يقتصر على النجاح المادي أو الحصول على وظيفة، بل يكمن في بناء الإنسان، وترسيخ الاعتماد على الذات، وتعزيز الوعي الوطني، وروح خدمة المجتمع.ومع انتقال الجامعة إلى دلهي عام 1925م، بدأت مرحلة جديدة من مسيرتها، أتاحت لها إبراز هويتها المميزة على المستويين الوطني والدولي. فقد تجاوز التعليم في الجامعة الملية الإسلامية حدود المناهج الدراسية ليصبح جسرًا للحضارة والثقافة، ومنبرًا لحرية الفكر والتعبير.

وتحتفل الجامعة كل عام في يوم 29 أكتوبر بيوم التأسيس، الذي يُعد مناسبة لتجديد الحلم والعزيمة التي قامت عليها منذ أكثر من قرن. وفي هذا اليوم، تُقام ندوات علمية وأمسيات ثقافية وبرامج أدبية وفعاليات طلابية تعبّر عن تنوع الجامعة وحيويتها، وتُجسّد مكانتها كصرحٍ علمي وثقافي يجمع بين العقل والمعرفة والإنسانية. ومن بين الأنشطة المميزة التي عُرفت بها الجامعة، المعرض التعليمي (المعروف بـ تعليمي ميله) الذي يُعد واحدًا من أهم الفعاليات وأكثرها حضورًا في الذاكرة، إذ يعكس الروح الفكرية والإبداعية والثقافية التي تميّز الجامعة منذ تأسيسها.

وفي هذا المعرض التعليمي، كان الطلاب يقدّمون أبحاثهم ونماذجهم العلمية وإبداعاتهم الأدبية والفنية، ليحوّلوه إلى جسرٍ جميل يربط الجامعة بمحيطها المجتمعي، وينقل المعرفة من داخل القاعات إلى خارجها. فقد أصبح رمزًا للتفاعل بين الفكر والتعليم والثقافة، وجعل من الجامعة منارة للحضارة وملتقى للعقول المبدعة. ولكن مع مرور السنوات، تراجعت هذه التقاليد المضيئة تدريجيًا، وغاب المعرض ضمن الاحتفالات بيوم التأسيس، مما خلّف فراغًا ملموسًا في نفوس الطلاب والأساتذة على حد سواء. ولقد شكّل غيابه مصدر حنينٍ وألمٍ خفي، وذكّر الجميع بتلك الأيام التي كانت فيها الجامعة تزدان بروح الفكر والبحث والإبداع الجماعي.

وتشهد الجامعة اليوم مرحلةً جديدة من الحيوية والتجديد تحت القيادة الحكيمة لشيخ الجامعة الحالي الأستاذ مظهر آصف ومسجلها الأستاذ محمد مهتاب عالم رضوي، حيث اكتسبت الجامعة طاقةً متجددة وحماسًا جديدًا واتجاهًا ديناميكيًا نحو المستقبل.

ولقد أثبتت الرؤية القيادية لهذين الإداريَين أن مستقبل الجامعة لا يُقاس فقط بجودة التعليم، بل يمتد ليشمل البحث العلمي والابتكار والإبداع. وتتشكل الجامعة، بفضل رعايتهما، كصرحٍ إنساني متناغم ومُنفتح، يُعدّ فيه الأساتذة والطلاب القلب النابض والقوة الحقيقية للمؤسسة.

ولم تكن مبادرات شيخ الجامعة رمزية فحسب، بل عكست قيم الاحترام والمساواة والكرامة الإنسانية في بيئة الجامعة؛ سواء من خلال كلماته المؤثرة بالفارسية في تكريم مؤسسي الجامعة، أو استقباله لعمال النظافة في مكتبه والاستماع إلى مشكلاتهم مباشرة، وهي مواقف تُجسد روح الشراكة والتقدير المتبادل داخل هذا الصرح العلمي.

ويُجمع كثيرون على أن الإدارة الحالية المتمثلة في الأستاذ مظهر آصف والأستاذ مهتاب عالم رضوي تمثل بداية فصل جديد وعهدٍ مشرقٍ في تاريخ الجامعة، إذ أضاءت شموع الأمل في قلوب الأساتذة والطلبة والعاملين، وأعادت إليهم الثقة بروح الجامعة الأصيلة.

وعبّر شيخ الجامعة، في كلمته الأولى، بصدقٍ عن رؤيته قائلاً: إن القوة الحقيقية للجامعة تكمن في أساتذتها وطلابها، مؤكّدًا أن دوره ليس دور الرئيس الآمر، بل الراعي والمُساند الذي يعمل على تحويل أفكار أعضاء هيئة التدريس إلى واقعٍ ملموس، ويشاركهم أحلامهم وطموحاتهم العلمية.

ويتم تنظيم "المعرض التعليمي" بعد سنواتٍ طويلة من التوقف، بفضل الرعاية الحكيمة للأستاذ مظهر آصف والأستاذ محمد مهتاب عالم رضوي. وقد أعاد هذا المعرض روح الحياة إلى أجواء الجامعة الأكاديمية والثقافية، ويمنح الطلاب فرصة حقيقية للتعبير عن مواهبهم وإبداعاتهم وأبحاثهم أمام جمهورٍ واسع.

ولا يُعد هذا الحدث مجرد فعالية جامعية، بل جسرًا يربط ماضي الجامعة بحاضرها، ورسالةً للأجيال الجديدة بأن التقاليد ليست للتذكّر فقط، بل لتُصان وتُواصل وتُترجم إلى عملٍ وإبداع. ويمثّل هذا الإحياء دليلًا على قدرة الجامعة على تجديد تراثها بروحٍ معاصرة تجمع بين الشغف العلمي والرعاية الفكرية، كما يوفّر منصةً للطلاب لتعزيز هوية الجامعة الأكاديمية من خلال البحث والابتكار والإبداع، لترسّخ الجامعة مكانتها كأحد المراكز الرائدة في الفكر والمعرفة في الهند.

وتتواصل الجهود الحثيثة في الجامعة لربط البحث العلمي الحديث والفكر الإبداعي والعلاقات الدولية بحلم المؤسسين وإرث الجامعة الثقافي العريق. وتفيض أروقة الجامعة اليوم بعبير المعرفة والإبداع وروح الثقافة والوعي، حيث لم يعد التعليم مجرد دروسٍ ومناهج، بل أصبح رحلة فكرٍ وعطاءٍ وبحثٍ عن الإلهام. فالطلاب اليوم لا يكتفون بالتعلّم الأكاديمي، بل يشاركون بفاعلية في البحث والابتكار وخدمة المجتمع والانفتاح على العالم.

اقرأ أيضًا: الجامعة الملية الإسلامية تحتفل بمرور 105 أعوام على تأسيسها في حفل مهيب بحضور وزير الأقليات كيرين ريجيجو

وتعكس الندوات والمحاضرات وجلسات الحوار والفعاليات الثقافية والمعارض التعليمية التي تُقام خلال الاحتفالات بيوم التأسيس هذه الروح النابضة بالحياة، إذ تؤكد أن الطلاب والأساتذة والعاملين في الجامعة يواصلون معًا إشعال مصابيح العلم والفن، وجعلوا من التعليم رسالةَ خدمةٍ ونورَ حياةٍ يتجدد باستمرار.

وأثبتت الجامعة، بقيادة الأستاذ مظهر آصف والأستاذ مهتاب عالم رضوي، أنها ليست مجرد جامعة، بل هي حركة فكرية ومركز للإبداع ومنبر لنشر الوعي الاجتماعي. ومن خلال إعادة تنظيم المعرض التعليمي، أحيت الجامعة تقاليدها التاريخية بروحٍ عصرية، وقدّمت للطلاب بيئة تعليمية حديثة مفعمة بالحيوية والإلهام، تجمع بين التراث والابتكار.ولقد أصبحت الجامعة اليوم نموذجًا مشرقًا للأجيال القادمة، وأساسًا راسخًا للنهوض العلمي والإبداعي يعكس رسالتها الدائمة في الجمع بين الأصالة والتجديد.

*الدكتور قرة العين هو خبير لغوي في أنوُفادِني للذكاء الاصطناعي، مجلس عموم الهند للتعليم التقني، وزارة التعليم الهندية.