عاطر خان*
أيها القراء الأعزاء!
يسعدنا أن نعلن عن إطلاق سلسلتنا الجديدة: "ميزان – نحو رؤية إسلامية جديدة". وتسعى هذه السلسلة إلى تناول بعض أكثر القضايا إلحاحًا في عصرنا.
لماذا يتخلف المسلمون عن ركب قصة النمو في الهند؟ كلما طرحنا هذا السؤال، نميل إلى إلقاء اللوم على السياسة أو على أسلوب إدارة شؤون البلاد.
ومن المؤكد أن المسلمين يشعرون بالتهميش نتيجة التحولات السياسية التي شهدتها البلاد على مدى عقود. لكن هذا لا يروي سوى جزء من القصة. فإذا كانت المشاركة السياسية هي الحل السحري لتحسين أوضاع المجتمع، لكان من المفترض أن تكون أوضاع كل من باكستان وبنغلاديش أفضل. لكن الواقع ليس كذلك. والحقيقة أن التحديات التي يواجهها المجتمع اليوم تنبع أيضًا من داخله.
وإن تردي أوضاع المسلمين في الهند يعود، في جانب منه، إلى عدم قدرتهم على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتسارعة. وقد افتقر المسلمون الهنود على الدوام إلى خطاب بنّاء يمكن أن يدفعهم نحو مسار من النمو والتقدم. ولعل الوقت قد حان الآن لطرح رؤية جديدة.
ولقد تميّز المسلمون في مجالات عديدة، فبرزوا علماءَ ورجالَ أعمالٍ وفقهاءَ وفنانين وموظفين حكوميين وباحثين وجنودًا، غير أن هذه الإنجازات اللافتة تظل محدودة إذا ما نُظِر إليها في إطار الصورة الأشمل.
وقد تشكّل الخطاب العام حول المسلمين إلى حد كبير بفعل سياسة تقوم على الخوف والهوية والاستقطاب. وتراجعت أولويات التعليم، وبناء المؤسسات، والنهوض الاقتصادي للمجتمع إلى مراتب ثانوية أمام الخطاب السياسي التنافسي.
وبالنسبة إلى معظم المسلمين الهنود، يشكّل الدين هويتهم الشخصية ووعيهم الاجتماعي على حد سواء. وكان من الممكن أن تكون هذه السمة المتأصلة مصدر قوة لهم، غير أن عجز المسلمين عن وضع التعاليم الإسلامية في سياق يتناسب مع واقع اليوم أدى إلى حالة من الجمود.
فالإيمان خالد، أما القوانين والعادات والتقاليد فليست كذلك، وينبغي أن تتغير بما يتلاءم مع المتغيرات والوقائع التي يشهدها عصرنا.
ولقد تشكّل فهمنا للدين، في كثير من الأحيان، بفعل العادات الموروثة والولاءات المذهبية والممارسات الثقافية، بدلًا من أن يتشكل من خلال تفاعل مباشر مع تعاليم القرآن والسنة والتراث الفكري الغني للعلماء المسلمين.

وأصبحت الشخصيات أو المؤسسات البشرية أكثر أهمية من النصوص الدينية في تحقيق الغايات النبيلة. ولهذا استمرت المفاهيم الخاطئة، وتعمّقت الانقسامات الداخلية، وانفصل كثير من المسلمين عن تقليد الإسلام الديناميكي في التأمل والتفكير.
وتبدو عواقب ذلك واضحة للعيان. فالتقدم في مجال التعليم لا يزال دون المستوى المطلوب، ويُثبَّط انخراط المرأة في الحياة العامة، كما لم تُبنَ مؤسسات ذات مستوى رفيع. وقد أسهمت هذه النواقص في حالة من الجمود الاقتصادي، وعززت التصورات السلبية عن المسلمين لدى إخوانهم من أبناء الهند.
وتكمن المفارقة في أن مجتمعًا أسهم إسهامات استثنائية في حركة استقلال الهند، وفي الأدب والثقافة والتعليم والعلوم والحياة العامة، يجد نفسه اليوم في مواجهة حالة من عدم اليقين، وتراجع الثقة بالنفس اجتماعيًا، وانتشار مشاعر عدم الثقة تجاهه. وقد أدت حالة التشتت، والتفكير الجامد، والشعور المستمر بالضحية، وغياب رؤية تنموية مشتركة، إلى عرقلة مسيرة نمو المسلمين في الهند.
وقد وثّق "تقرير لجنة ساتشار"، الصادر عام 2006، أوجه الحرمان التعليمي والاقتصادي والاجتماعي التي يعاني منها المسلمون الهنود، وأكد الحاجة الملحّة إلى إجراء إصلاحات.
وللأسف، بدلًا من النظر إلى التقرير باعتباره جرس إنذار، سرعان ما تحول إلى موضوع للتجاذب السياسي، بدل أن يكون خارطة طريق للتحول الاجتماعي. وبعد مرور نحو عقدين، لا تزال العديد من التحديات الأساسية قائمة.
وقد طغت النقاشات حول الهوية على المتطلبات الأساسية للتعليم وريادة الأعمال والتميز المؤسسي والإصلاح الاجتماعي. فالمسلمون الهنود ليسوا مجتمعًا متجانسًا؛ إذ يتحدثون لغات مختلفة، وينتمون إلى خلفيات إثنية متنوعة، ويتبعون ثقافات وتقاليد مختلفة.
ولا يمكن أن تعالج وصفة واحدة جميعَ التحديات التي تواجه هذا المجتمع المتنوع. ومع ذلك، فعلى الرغم من هذا التنوع، فإن كثيرًا من القضايا الهيكلية التي تواجه المسلمين متشابهة إلى حد لافت.
ولقد تطورت الديمقراطية الهندية، وتغيرت الحقائق السياسية، وفي المشهد الجديد لم تعد الحسابات الانتخابية للمسلمين تحقق العدد المطلوب من الأصوات. وتتطلب هذه التغيرات إعادة النظر في المقاربات القائمة، وتحولًا موازيًا في ذهنية المسلمين.
ومن الواضح أن مستقبل المجتمع المسلم خلال العقود المقبلة لن يعتمد على الرعاية السياسية بقدر ما سيعتمد على التعليم، والثقة الفكرية، والقوة الاقتصادية، والقدرة المؤسسية، والانخراط البنّاء في مسيرة الوطن. وهذا التحول يجب أن ينبع من داخل المجتمع نفسه.
ومن ثم، فإن هذه المرحلة تستدعي صياغة مفردات جديدة للتقدم؛ مفردات تستبدل الحنين إلى الماضي المجيد بالثقة بالنفس، والشعور بالضحية بالاعتماد على الذات، والرمزية ببناء المؤسسات، والمواجهة بالمشاركة الهادفة.
وهذه هي القناعة التي تشكل الأساس الذي تقوم عليه "ميزان"، وهي مبادرة تحريرية كبرى يطلقها موقع "آواز دي وايس" اليوم.

وعلى مدى السنوات الماضية، سعت صحافة "آواز دي وايس" بوعي إلى تجاوز السرديات النمطية التي جرى من خلالها تصوير المسلمين الهنود والنظر إليهم.
ولا يزال المجتمع المسلم حتى اليوم مرتبطًا في أذهان كثيرين بالصراع وسياسات الهوية. ولذلك، يتعين على المسلمين الهنود أن يعملوا على تغيير هذه الصورة، وأن يركّزوا بالدرجة الأولى على بناء المؤسسات وتطويرها داخل المجتمع، بدلًا من محاولة تعزيز سياسات الاستقطاب.
وفي"آواز دي وايس"، اخترنا مسارًا يقوم على البحث، والأدلة، والشمولية، والنزاهة الفكرية. وكان هدفنا هو تشجيع الحوار بدلًا من تعميق الانقسامات.
وإن التحدي الذي يواجه المجتمع لا يتمثل في الاختيار بين الإسلام والحداثة، بل في إظهار كيف يمكن للمبادئ الأخلاقية الإسلامية الخالدة أن توجه انخراطًا هادفًا مع تعقيدات القرن الحادي والعشرين.
ومن الأهمية بمكان أيضًا تعزيز التواصل والانخراط مع سائر أبناء الوطن. فالمستقبل يتطلب التعاون بدلًا من العزلة، والحوار بدلًا من الشكوك، والمشاركة الفاعلة في بناء الوطن بدلًا من العيش في مجتمع موازٍ.
وتتيح الديمقراطية التعددية في الهند فرصًا لا يمكن تحقيقها إلا من خلال الثقة بالنفس، والمشاركة، والثقة المتبادلة.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، تجمع سلسلة "ميزان" مقالاتٍ وحواراتٍ وبودكاستاتٍ لنخبة من العلماء والمفكرين والمهنيين والمثقفين العموميين من الهند وخارجها، بهدف بحث بعض أكثر القضايا إلحاحًا التي يواجهها المجتمع اليوم.
ولا تسعى السلسلة إلى تقديم حلول تجميلية أو إجابات مبسطة وسطحية، كما أنها لا تحاول إعادة تعريف الإسلام وفقًا للتوجهات السياسية المتغيرة.
فالإسلام مكتمل في أسسه الأخلاقية والروحية، ولا يحتاج إلى تجديد مستمر، وإنما نحن بحاجة إلى فهم صحيح لتعاليمه، وإلى تطبيقها بما يتلاءم مع المتغيرات الاجتماعية المتجددة. وقد اجتهد المسلمون في الماضي في فهم التوجيهات الإسلامية ضمن سياق عصرهم، مع بقائهم أوفياء للرسالة الخالدة للقرآن الكريم ولنهج النبي محمد ﷺ.
ويستحق جيلنا، بل يحتاج، إلى الروح نفسها من التفاعل الواعي والتفكير المتبصر. ومن هنا، تأتي فكرة "ميزان" لفتح حوار جاد حول سبل النهوض بالمسلمين الهنود والارتقاء بأوضاعهم.
وإنها دعوة إلى التفكير بعمق أكبر، ومساءلة المسلّمات الموروثة التي تجعلنا نكتفي بما نحن عليه، واستعادة الحيوية الأخلاقية للإسلام، والمشاركة في صياغة مستقبل الهند.
ويبرع آلاف الشباب المسلمين بصمت في الجامعات والشركات الناشئة والخدمة العامة والمهن المختلفة. وتثبت إنجازاتهم أن العقبات التي تواجه المجتمع ليست دائمة ولا مستعصية على التجاوز.
اقرأ أيضًا: الحكيم عبد الحميد.. حياةٌ كرّسها للعلم والطب وخدمة الإنسانية
ومع تطلع الهند إلى أن تصبح دولة متقدمة بحلول عام 2047، فإن أمام المسلمين الهنود فرصة ومسؤولية في آن واحد للمشاركة الفاعلة في هذه المسيرة الوطنية.
ويحتاج المجتمع إلى جيل جديد من القيادات، ليس في المجال السياسي فحسب، بل في مجالات التعليم والأعمال والعلوم والقانون والإعلام والمجتمع المدني والدراسات الدينية. فالمستقبل ليس شيئًا سيحدث للمسلمين الهنود، بل هو أمر يتعين عليهم أن يسهموا في صياغته وبنائه.
وندعو قراءنا إلى إرسال ملاحظاتهم وآرائهم حول محتوى السلسلة إلى البريد الإلكتروني: [email protected].
* رئيس التحرير.