محمد إفشار عالم*
تُقاس بعضُ الحَيَوات بما جمعه الإنسان لنفسه، بينما تُقاس بعضُ الحَيَوات النادرة بما شيّده أصحابُها من أجل الآخرين. ولا شكّ أن الحكيم عبد الحميد كان من الصنف الثاني. وفي الرابع عشر من سبتمبر، حين تحتفل جامعة همدرد بيوم المؤسس، فإننا لا نحتفي بمجرد ذكرى سنوية، بل نستذكر شخصية عظيمة حوّلت إرثًا بسيطًا في مجال العلاج إلى صرحٍ راسخ من العلم والخدمة والتعاطف، لا يزال حتى اليوم منارةً تهتدي بها حياةُ عدد لا يُحصى من الناس.
وُلد الحكيم عبد الحميد عام 1908 في دلهي، في أسرة كانت قد كرّست نفسها منذ وقت مبكر لتخفيف آلام الإنسان. فقد أسّس والده، الحكيم حافظ عبد المجيد، "همدرد دواخانة" عام 1906، وأطلق عليه اسمًا اختزل في معناه فلسفته كلها؛ فكلمة "همدرد" تعني مشاركة الآخرين آلامهم والتعاطف معهم جميعًا. وكانت هذه الفكرة، التي تبدو بسيطة في القول بقدر ما هي صعبة في التطبيق، الخيط الذي ظل منسوجًا في كل مساعي الابن. فلم يرث ثروة، بل ورث رسالة، وقد نهض بها بجدية بالغة منحت بقية حياته معناها.
وعندما أتأمل حياته، فإن أكثر ما يثير إعجابي هو اتساع أفقه وطموح خياله. فقد كان يستطيع أن يعيش حياة مريحة ومكرّمة بوصفه طبيبًا بارعًا في تقاليد الطب اليوناني. لكنه أدرك أن الطب التقليدي، إذا أراد أن يظل حيًّا وقادرًا على خدمة الناس، فلا يمكن أن يبقى حبيس ممارسات الأطباء الفردية الخاصة. بل ينبغي دراسته، ووضع معايير له، وتعليمه، وإيصاله إلى عامة الناس من خلال المختبرات الحديثة والمنهج العلمي. وفي إطار هذا المسعى، أصبح هو نفسه مصلحًا للطب اليوناني، إذ منح هذا النظام الطبي العريق روحًا وطنية وأساسًا علميًا محليًا. وكان يؤمن بأن التراث والتقدم ليسا عدوين، وقد كرّس حياته لإثبات ذلك.
وفي ذلك العصر المضطرب الذي شهدته الهند إبان التقسيم عام 1947، حين كان الكثير من حوله ينهار، كان الحكيم عبد الحميد يحلم بالبناء والتشييد. فقد تصور إنشاء مجموعة من المؤسسات التعليمية التي تسهم في تطوير علم الطب، وتسلط الضوء في الوقت نفسه على إسهام الثقافة الإسلامية في الحضارة الهندية. وكان ذلك تعبيرًا عن إيمانه بمستقبل الهند المستقلة حديثًا، وبمكانة أمته ودورها فيها. وفي العام نفسه، أسس "همدرد تشاريتابل ترست" (مؤسسة همدرد الخيرية)، ووجّه جميع إيرادات همدرد نحو خدمة المجتمع وتحقيق الصالح العام بدلًا من تحقيق المنفعة الشخصية. ويكشف هذا القرار بوضوح عن جوهر ذلك الرجل الزاهد؛ فقد كان ينظر إلى الثروة باعتبارها أمانة ينبغي إنفاقها في خدمة الآخرين، لا ملكيةً تُكدّس وتُحتفظ بها.
وتوالى تأسيس المؤسسات واحدة تلو الأخرى، وأصبحت كل واحدة منها لبنةً في صرح عظيم. ففي عام 1963، أسس كلية همدرد الطبية والمعهد الهندي للدراسات الإسلامية. وفي عام 1964، أسس مؤسسة همدرد الوطنية. ثم جاءت كلية همدرد للصيدلة عام 1972. وحول هذه المؤسسات، نمت جمعية همدرد التعليمية، ومدرسة همدرد العامة، وأكاديمية غالب، ومعهد همدرد للبحوث التاريخية وغيرها الكثير. فلم يكن يبني كلية واحدة فحسب، بل كان يؤسس منظومة متكاملة، تستطيع فيها مجالات الطب والصيدلة والعلوم الإنسانية والبحوث التاريخية والحفاظ على الثقافة أن تنمو وتزدهر جنبًا إلى جنب.
وأثمر هذا الجهد الطويل عام 1989، عندما جُمعت المؤسسات التي أنشأها ورعاها تحت مظلة واحدة، ومُنحت جامعة همدرد صفة "جامعة مُعتبرة". وبالنسبة إلى الحكيم عبد الحميد، كان ذلك تحقيقًا لحلم احتضنه بصبر طوال عقود. وأصبح أول مستشار مؤسس للجامعة، وقد أقامها إلى حد كبير بموارده الخاصة ومن رأس مال همدرد. وقليل من الجامعات في هذا البلد يمكنها أن تدّعي بدايةً بهذه الدرجة من النقاء؛ فهي مؤسسة لم تُنشئها الدولة، ولم تقمها التجارة، وإنما أقامها إيمان إنسان بأن العلم أسمى صور الخدمة.
ولقد أمضيتُ جزءًا ذا معنى من حياتي في ظلّ المؤسسة التي أسّسها، وأنا شاهدٌ على أن حضوره لا يزال حيًّا في كل ذرة من ذراتها. ويتجلى ذلك الحضور في استمرار التزام الجامعة بالطب اليوناني والرعاية الصحية المتكاملة، وفي المستشفيات التي تحمل اسمه وتجسّد عزيمته، وفي العلماء والباحثين الذين يفدون من مختلف أنحاء العالم إلى مكتباتها. وحين أسير في حرم الجامعة، أشعر وكأنني أسير داخل فكرة تجسدت على أرض الواقع؛ وكانت تلك الفكرة فكرة طبيب رفض أن يعتبر حدود الممكن أمرًا ثابتًا لا يمكن تجاوزه.
ومن الإنصاف القول إن أعماله حظيت أيضًا بالتقدير والاعتراف. فقد كرّمته الهند بمنحه وسام بادما شري عام 1965، ثم وسام بادما بوشان عام 1992. وفي عام 1983، منحه الاتحاد السوفيتي آنذاك جائزة ابن سينا، في تكريم كان بالغ الملاءمة لرجل أسهم بهذا القدر في مواصلة إرث كبار فلاسفة الطب. وفي سنوات حياته الأخيرة، تولّى منصب مستشار جامعة عليكرة الإسلامية، وحتى بعد رحيله، واصلت مؤسسات خارجية الاعتراف بإسهاماته في حماية التراث الثقافي وتعزيز المعرفة. ومع ذلك، أعتقد أن هذه الأوسمة والتكريمات لم تكن تعني له بقدر ما كان يعنيه ذلك الشعور الصامت بأن مريضًا فقيرًا قد تلقى العلاج، أو أن طالبًا من الجيل الأول في أسرته قد أتيحت له فرصة التعليم.
وسيكون من الخطأ أن نتذكره بوصفه مجرد إداري أو مهندسٍ لبناء المؤسسات. فقد كان، قبل كل شيء، طبيبًا، وظل ذلك الشغف الداخلي الذي يميز الطبيب حاضرًا فيه طوال حياته. كان يفهم الألم، وكان يؤمن بأن تخفيفه، سواء أكان ألم الجسد بالدواء أم ألم العقل بالتعليم، هو أصدق عمل يمكن للإنسان أن يقوم به. ولهذا السبب، لم تكن الصحة والتعليم بالنسبة إليه مشروعين منفصلين قط، بل كانا مظهرين مختلفين لروح واحدة هي روح التعاطف مع الإنسان. فشفاء الجسد وفتح آفاق العقل كانا، في نظره، جزءًا واحدًا لا يتجزأ من فعل الرعاية.
وبالنسبة إلى أولئك منا الذين ورثوا مسؤولية مواصلة مسيرة مؤسساته ودفعها إلى الأمام، فإن في ذلك درسًا عميقًا. فلم يبنِ الحكيم صاحب هذه المؤسسات طلبًا للشهرة أو سعيًا وراء الإطراء والثناء، وإنما بناها لأنه كان يؤمن بأن المجتمع لا يتقدم إلا عندما يكون أفراده مستعدين للشعور بآلام الآخرين ومشاركتهم فيها عمليًا. وقد كرّس لهذا الإيمان ثروته وطاقته وخياله، ولم يطلب في المقابل إلا القليل. وفي عصر تُقاس فيه النجاحات بما يراكمه الإنسان لنفسه، تظل حياته إجابةً صامتة لكنها قوية، ودعوةً إلى اتباع سبيل أفضل في الحياة.
ورحل الحكيم عبد الحميد عن عالمنا عام 1999، لكن أصدق ما يمكن قوله عن حياة من هذا النوع أنها لا تنتهي حقًا. فهي تستمر في كل طالب يتخرج من مؤسسة من المؤسسات التي أسّسها، وفي كل مريض يجد الشفاء في المستشفيات التي تصوّرها وأقامها، وفي كل عالم وباحث ينتفع بالموارد التي جمعها ووفّرها. ولقد غرس المؤسسات كما يغرس الإنسان الحكيم الأشجار، وهو يعلم أنه قد لا يجلس بنفسه تحت ظلالها، لكنه كان مطمئنًا إلى أن آخرين سيجلسون تحتها وينعمون بظلها.
وبمناسبة يوم المؤسس هذا، فإن أصدق تكريم نقدمه له لا يكون بالكلمات وحدها، بل بتجديد العزم والالتزام. فنجدد تكريس أنفسنا للمبدأ الذي منح حياته معناها: أن نتقاسم الألم، وأن نخدم الضعفاء، وأن نجمع بين العلم والتعاطف في تناغم جميل. وذلك هو الإرث الذي تركه لنا، وإن إثبات أننا جديرون بحمله هو شرف لنا، وواجب علينا في الوقت نفسه.
*البروفيسور محمد إفشار عالم هو رئيس جامعة همدرد سابقًا.