غزالة بروين.. حين يتحول الفن إلى وسيلة للتعبير عن قضايا المرأة والمجتمع

02-11-2026   آخر تحديث    |  02-11-2026 نشر في  |  بواسطة    آواز دي وايس  |  آواز دي وايس  
غزالة بروين
غزالة بروين

 


أونيكا ماهيشواري / نيودلهي

الفن أكثر من مجرد مزيج من الألوان واللوحات؛ فهو وسيلة يعبّر الناس من خلالها عن مشاعرهم، ويتبادلون تجاربهم، ويطرحون تساؤلات لا يسهل دائمًا التعبير عنها بالكلمات. فبالنسبة إلى البعض، يُعدّ الفن هواية، وبالنسبة إلى آخرين، مصدرًا للرزق أو وسيلة للتفاعل مع المجتمع. وأما بالنسبة إلى غزالة بروين، فهو كل ذلك وأكثر بكثير.

غزالة بروين رسامة وفنانة أدائية ومعلمة للفنون، توظّف إبداعها ليس للتعبير عن أفكارها فحسب، بل لتشجيع الجيل القادم على إدراك قيمة التعبير الفني وأهميته.

وبدأت بروين رحلتها في مدرسة حكومية بإحدى القرى في ولاية أوترا براديش، وانتهت بها المسيرة إلى الجامعة المليّة الإسلامية، حيث حصلت على الميدالية الذهبية في مرحلتي البكالوريوس والماجستير. كما شاركت في معارض فنية في اليابان وكوريا الجنوبية.

وبدأت قصة غزالة في الصف الثالث الابتدائي، عندما اعتادت الخربشة ورسم أشكال عشوائية على الورق. ومع مرور الوقت، تطورت تلك الرسومات البسيطة إلى لوحات أكثر تفصيلاً، وبدأت في رسم البورتريهات ومحاولة تجسيد كل ما يلفت انتباهها على الورق.

وقد حظيت أعمالها بتقدير والديها، وأسهم تشجيعهما في تعزيز اهتمامها بالفن. وربما لم تكن تدرك آنذاك أن هذه الهواية التي بدأت في طفولتها ستصبح في نهاية المطاف أساس هويتها ومسيرتها المهنية.

كما أدرك مدرس التربية الفنية في مدرستها، راج كومار سينغ، موهبتها، وأدّى دورًا مهمًا في رعايتها وتنميتها.

وفي حديثها عن مدرسها الراحل، تقول غزالة إنه أدرك قدراتها الفنية وشجّعها على تنميتها بجدية ومواصلة العمل فيها. وإلى جانب دعمه لها، دفعها سينغ إلى التفكير في أهمية إقبال الشباب على الفنون، في وقت كان فيه آخرون يفضّلون المهن التقليدية.

وكانت غزالة متفوقة دراسيًا، ولا سيما في مادة العلوم. وكانت أسرتها تأمل أن تصبح طبيبة، وهي مهنة يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها مهنة آمنة وذات مكانة مرموقة. وأما اختيارها الفن، فقد أثار، بالمقارنة، العديد من التساؤلات لدى أفراد أسرتها وأقاربها.

وبعد وفاة والدها، واجهت الأسرة أيضًا مخاوف عملية تتعلق بتعليمها العالي وانتقالها إلى دلهي. فلم يكن مغادرة القرية للدراسة في مدينة أخرى، والتنقل بمفردها، وتحمل مسؤولية مستقبلها قرارات سهلة.

https://www.awazthevoice.in/upload/news/1793444528Screenshot_2026-10-23_123540.png

وعندما حصلت على القبول في الجامعة المليّة الإسلامية، أقنع شقيقها أفراد الأسرة بمنحها هذه الفرصة. وفي نهاية المطاف، وافقت الأسرة، مما أتاح لها اتخاذ أولى خطواتها الكبيرة نحو تحقيق حلمها.

وبالنسبة إلى غزالة، لم يكن الالتحاق بالجامعة مجرد فرصة للحصول على شهادة جامعية، بل مثّل بداية رحلتها نحو الاستقلال والاعتماد على النفس.

فحتى الصف الثاني عشر، كانت قد تلقت تعليمها في مدرسة حكومية بقريتها، وكان الوسط الأكاديمي والاجتماعي في إحدى جامعات دلهي مختلفًا تمامًا عما ألفته من قبل. وقد فرض انتقالها من القرية إلى مدينة كبرى تحديات جديدة؛ إذ كان عليها أن تجد مكانها بين أشخاص لا تعرفهم، وأن تتأقلم مع ثقافة أكاديمية مختلفة، وأن تنمّي ثقتها بنفسها.

وتقول إن الأمر استغرق منها عدة سنوات لتجاوز هذه الفجوة. وبحلول تخرجها في مرحلة البكالوريوس، كانت قد تمكنت تدريجيًا من التأقلم مع البيئة الجديدة، واكتسبت الثقة اللازمة للتفاعل مع زملائها ومواكبة مستواهم.

كما أسهمت إقامتها في السكن الجامعي بالجامعة المليّة الإسلامية في تكوين شخصيتها المستقلة؛ إذ أصبح الابتعاد عن الأسرة، واتخاذ قراراتها بنفسها، وتنظيم شؤون حياتها اليومية، جوانب مهمة في مسيرة نموها وتطورها.

وحصلت على الميدالية الذهبية خلال دراستها الجامعية في مرحلة البكالوريوس عام 2013، ثم نالت ميدالية ذهبية أخرى عند إتمامها درجة الماجستير عام 2015. ولم تكن هذه الإنجازات مجرد تكريمات أكاديمية، بل مثّلت أيضًا ردًا على كل من شكّك في إمكانية أن يوفر الفن مستقبلًا مهنيًا مستقرًا.

وتعزو غزالة نجاحَها إلى دعم أسرتها. فقد كان والدها يحرص على الاحتفاظ برسوماتها بعناية، ويضع ملف رسوماتها بجوار وسادته، ويعرض أعمالها بفخر على أصدقائه وزواره، قائلاً لهم إن ابنته هي التي رسمت تلك الصور.

وتستذكر غزالة حادثةً وقعت عندما كانت في الصف الرابع أو الخامس الابتدائي، إذ طلب منها والدها ذات مرة أن ترسم صورة لحافلة شاهدها في أحد الكتب. وطلب من شقيقها أيضًا رسم الصورة نفسها، محولًا الأمر إلى منافسة ودية بينهما. وأنهت غزالة رسمتها بسرعة، بينما واجه شقيقها صعوبة في إكمال رسمه.

وكان لوالدتها دور لا يقل أهمية في دعمها؛ فعلى الرغم من أنها لم تتلقَّ تعليمًا رسميًا، فإنها كانت تدرك قيمته. وكلما سهرت غزالة للمذاكرة، كانت والدتها تجلس إلى جوارها وتشجّعها على مواصلة الدراسة. وخلال فترة الامتحانات، كانت تسهر معها بينما تواصل ابنتها المذاكرة.

وتُعد غزالة من أصغر بنات أسرة كبيرة تضم 12 شقيقًا وشقيقة، بينهم عشر أخوات وشقيقان. وقد تمكنت تدريجيًا، أثناء نشأتها في هذه الأسرة الكبيرة، من إيجاد مساحة لاهتماماتها الخاصة. ورغم أن رسوماتها كانت تحظى بالتقدير في طفولتها، فإن اختيار الفن مهنةً لها ظل أمرًا صعبًا.

https://www.awazthevoice.in/upload/news/1793444588Screenshot_2026-10-23_123505.png

وكان عليها أن تقنع أقاربها ومعارفها بأن الرسم ليس مجرد هواية، بل يمكن أن يفتح الطريق أمام مسيرة مهنية ذات قيمة. وقد أسهمت إنجازاتها الأكاديمية واحتكاكها بالتجارب الفنية الدولية تدريجيًا في تغيير هذه النظرة. وجاءت إحدى أهم المحطات الفارقة في مسيرة غزالة الفنية عندما اكتشفت فن الأداء. وكان هذا المجال جديدًا تمامًا بالنسبة إليها. ففي عام 2014، وأثناء دراستها لدرجة الماجستير في الجامعة المليّة الإسلامية، زار فنان ياباني الجامعة، وتعتبره غزالة مرشدها الفني. ومن خلاله أتيحت لها فرصة التعرف على فن الأداء واستكشاف قدراتها الإبداعية بأسلوب مختلف.

وفي البداية، لم تكن تعرف سوى القليل عن هذا الفن. وكانت تراقب الفنان بفضول، لكنها كانت تشعر أيضًا بالتوتر خشية أن يُطلب منها تقديم عرض أمام الجمهور. بل إنها كانت تتردد آنذاك في التحدث عبر الميكروفون. وفي أحد الأيام، أتاح مرشدها للطلاب فرصة تقديم عروض فنية، مدة كل منها دقيقتان. وقد رشحت إحدى صديقات غزالة اسمها أيضًا. وعندما جاء دورها، لم تكن تعرف ما الذي ينبغي لها فعله، إذ كانت أنظار الأساتذة والمتفرجين وعدسات الكاميرات كلها موجهة إليها.

وكانت ترتدي بدلة هندية، وتحمل معها وشاحًا تقليديًا (دوباتا). وفي حركة عفوية، ألقت الوشاح إلى الأعلى واستلقت على الأرض قبل أن يسقط، ثم أخذ الوشاح يهبط حتى غطّى جسدها بالكامل. وكان ذلك العرض القصير أول عمل فني تقدمه غزالة في مجال فن الأداء. وعلى الرغم من أن العرض لم يستغرق سوى لحظات قليلة، فإنه فتح أمامها الباب لاستكشاف شكل جديد من أشكال التعبير الفني.

https://www.awazthevoice.in/upload/news/1793444559Screenshot_2026-10-23_123624.png

وقد أعجب الفنان الياباني بأدائها، فأخذ مقطعًا مصورًا منه إلى اليابان وعرضه هناك. وعندما زار الجامعة مرة أخرى، سأله بعض الفنانين في اليابان عن الشابة التي قدمت ذلك العرض باستخدام الوشاح.

وقد فوجئت غزالة بردود الفعل التي حظي بها أداؤها؛ فالتجربة التي خاضتها بصورة عفوية، دون تخطيط أو إعداد مسبق، فتحت أمامها على نحو غير متوقع آفاقًا جديدة للتقدير والاعتراف بموهبتها، وأتاحت لها فرصًا لم تكن تتوقعها.

وتوضح غزالة بروين أن الرسم وفن الأداء يختلفان في طبيعة التعبير؛ ففي حين يستخدم الرسام الألوان والخطوط والأشكال لنقل أفكاره ومشاعره، يصبح جسد الفنان في فن الأداء وسيلة للتعبير، إلى جانب الحركات والأشياء المحيطة به. وترى أن هذا الفن يتجاوز حدود المسرح التقليدي، إذ يحوّل الأفكار والمشاعر إلى تجربة بصرية وجسدية تتيح للجمهور تفسيرها بطريقته الخاصة. وبالنسبة إليها، يمثل فن الأداء مساحة لطرح قضايا اجتماعية تثير اهتمامها، ولا سيما ما يتعلق بحياة المرأة ومكانتها في المجتمع.

وخلال دراستها في الجامعة المليّة الإسلامية، أتيحت لها فرصة المشاركة في فعاليات فنية دولية، قادتها إلى اليابان وكوريا الجنوبية. وكانت أول فتاة في عائلتها الممتدة تسافر إلى الخارج، بعدما انتقلت من قريتها إلى الجامعة، ثم وجدت نفسها تعرض أعمالها أمام فنانين وجمهور من ثقافات مختلفة. وقد ساعدتها هذه التجارب على توسيع آفاقها الفنية وتعزيز ثقتها بنفسها، كما أدركت أن لغة الفن قادرة على تجاوز الحواجز اللغوية والجغرافية.

وفي اليابان، تناولت غزالة موضوعات تتعلق بالثقافة الهندية والزواج وتجارب النساء. ففي أحد عروضها، ظهرت في هيئة عروس، مستخدمة رموزًا من تقاليد الزواج الهندية، مثل علامة البندي، لتثير تساؤلات حول حياة المرأة المتزوجة والعقليات الأبوية والتوقعات الاجتماعية المفروضة عليها. وهي تحرص على إبراز ثقافتها وهويتها، مع تسليط الضوء على القضايا والتحديات التي تواجه النساء داخل المجتمع.

وقد أسعد نجاحها وتقدير أعمالها أسرتها التي كانت تتمنى لها في السابق أن تصبح طبيبة. وأصبحت تجربتها دليلًا على أن الفن ليس مجرد هواية، بل مجال يتيح فرصًا للتعليم والعمل والاستقلال المالي والتواصل الدولي. كما أهدت والدتها لوحة فنية تعبيرًا عن امتنانها لدعمها المتواصل، فقد كانت تجلس إلى جوارها أثناء المذاكرة وتشجعها على مواصلة تعليمها، في حين كان والدها يعتز برسوماتها ويعرضها بفخر أمام الآخرين.

https://www.awazthevoice.in/upload/news/1793444704Screenshot_2026-10-23_123738.png

وتعمل غزالة اليوم معلمة للفنون لطلاب الصفين الحادي عشر والثاني عشر، إلى جانب نشاطها الفني المستقل ومشاركتها في المعارض وتنفيذ الأعمال الفنية التجارية. وتحرص على تشجيع الطلاب الذين يرغبون في دراسة الفنون الجميلة، وتحاول إقناع أولياء أمورهم بأهمية منح أبنائهم فرصة لتنمية مواهبهم. وتشير إلى أن ثلاثة أو أربعة طلاب من مدرستها يكملون سنويًا دورات في الفنون الجميلة، وهو ما تعتبره خطوة مهمة نحو فتح آفاق مهنية جديدة أمامهم.

https://www.awazthevoice.in/upload/news/1793444614Screenshot_2026-10-23_123634.png

اقرأ أيضًا: زاهد منظور يحوّل إعاقته إلى صوت لمكافحة المخدرات

وتستلهم غزالة كثيرًا من أعمالها من حياة النساء في القرى وتجاربهن اليومية، وتسعى إلى إبراز القضايا الإنسانية والاجتماعية التي غالبًا ما يتم تجاهلها. وتنصح الشباب باختيار المجالات التي تتوافق مع اهتماماتهم، والعمل فيها بإخلاص وانضباط، مؤكدة أن النجاح في أي تخصص يتطلب الاجتهاد والاستعداد المستمر للتعلم.

ولا تزال غزالة تطمح إلى تحقيق المزيد في مسيرتها الفنية، لكنها تأمل أن تكون تجربتها مصدر إلهام للفتيات والشباب، وأن تثبت أن الموهبة حين تجد الدعم والفرصة المناسبة، يمكن أن تنطلق من قرية صغيرة لتصل إلى منصات دولية.

قصص مقترحة