إرشاد وادغاونكار.. جسر أدبي بين الثقافتين الماراثية والروسية

21-10-2026   آخر تحديث    |  21-10-2026 نشر في  |  بواسطة    آواز دي وايس  |  آواز دي وايس  
إرشاد وادغاونكار
إرشاد وادغاونكار

 


مرودغاندھا ديكشيت

قرأ إرشاد وادغاونكار، المنحدر من مدينة كولهابور، خلال دراسته الجامعية، ترجماتٍ إنجليزية لأعمال أدباء روس، مثل دوستويفسكي وغوركي وتشيخوف، وذلك ضمن مقرر الأدب العالمي. وقد وقع في حب الأدب الروسي بعد قراءته روايات "الفقراء" و"الليالي البيضاء" و"الجريمة والعقاب"، وأصبح دوستويفسكي كاتبه المفضل.

وكان لذلك أثر بالغ في تغيير مسار حياته؛ إذ يعمل اليوم على ترجمة الأدب الروسي إلى اللغة الماراثية.

ويسكن إرشاد في منطقة "لوغدي أول" بحي سوموار بيته في مدينة كولهابور، ولا ينحدر من أسرة لها اهتمام خاص بالكتب أو الكتابة.

وكان جدّه يدير كشكًا صغيرًا يُعرف محليًّا باسم "تابري"، يبيع فيه أوراق التنبول والبيض. وفي نحو عام 1996، باعت الأسرة منزلها وانتقلت إلى حي لاكشاتيرثا.

ولم يتجاوز تعليم والد إرشاد الصف الرابع، فيما أكملت والدته الصف السادس. وعلى مدى أكثر من 30 عامًا، ظل والده يبيع الملابس الداخلية والجوارب من عربة يدوية، مقابل دار ضيافة ماهالاكشمي على طريق ماهادْوار.

وإرشاد هو الثاني بين ثلاثة إخوة؛ فشقيقه الأكبر حاصل على درجة الماجستير في العلوم، ويعمل في ولاية غوا، بينما أكمل شقيقه الأصغر درجة الماجستير في التجارة.

وأكمل إرشاد دراسته حتى الصف السابع في مدرسة "آنّاصاحب شيندي" التابعة للبلدية. وفي تلك المرحلة، لم يكن يعرف سوى أسماء كتابين أو نحو ذلك، هما "باتاتياشي تشال" و"شامشي آي". ولكن بعد التحاقه بالصف الثاني عشر، في كلية نيو بحي شيفاجي بيته، بدأ يتعرف إلى عالم الكتب بفضل مكتبة "تي. إتش. أباراد" الموجودة هناك. وقد قرأ سلسلة "باندو" للكاتب غانغادهار غادغيل، إلى جانب روايات التشويق للكاتب سوهاس شيرفالكار، فنشأ لديه شغف شديد بالقراءة.

وخلال السنة الأولى من دراسته الجامعية في التجارة، أدرك أنه يرغب في دراسة الأدب الإنجليزي. ولهذا السبب، غيّر مساره الدراسي والتحق بشعبة الآداب لدراسة اللغة الإنجليزية. وقد واجه معارضة من الجميع، كما اضطر إلى خسارة سنة دراسية.

وأثناء دراسته الجامعية، عمل بدوام جزئي في مكتبة قديمة تُعرف باسم "تشاند بوك ستول"، تقع مقابل سوق ماهالاكشمي. وأسهمت نقاشاته مع الأساتذة والقراء الذين كانوا يزورون المكتبة في تعميق انجذابه إلى عالم الكتب.

وفي بعض الأحيان، كان يفضّل شراء الكتب من المكتبة بالمبلغ المستحق له مقابل عمله، بدلًا من تسلّم أجره نقدًا.

وخلال دراسته لنيل درجة الماجستير في اللغة الإنجليزية بجامعة شيفاجي، تعرّف إرشاد إلى قسم اللغات الأجنبية في الجامعة. ولأنه كان يتوق إلى قراءة أعمال كاتبه المفضل بلغتها الأصلية، قرر تعلّم اللغة الروسية.

وفي البداية، لم تساعده دراسة اللغة الروسية من الكتب على الاستمرار، بل تسببت في فتور اهتمامه بها، فترك تعلّمها. وفي تلك الفترة، نصحه بعض الأساتذة بتعلّم اللغة الألمانية بدلًا منها.

ولكن إرشاد لم يأخذ بنصيحتهم، بل استعاد حماسه، واستعان بوسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات تعلّم اللغات للتواصل مع أصدقاء روس. ومن خلال محادثاته معهم عبر واتساب والمكالمات الصوتية والمرئية، تمكّن من إتقان اللغة الروسية المحكية. وإلى جانب دراسته للماجستير، أكمل الشهادة والدبلوم والدبلوم العالي في اللغة الروسية.

وفي عام 2015، أُصيبت والدته بجلطة دماغية، ما اضطره إلى ترك دراسة الماجستير خلال السنة الثانية. وعمل لاحقًا مدرسًا للغة الإنجليزية في مدرسة تعتمد المنهج الإنجليزي لمدة عامين، كما قدّم دروسًا خصوصية للتحضير للامتحانات التنافسية وتعلّم اللغة الإنجليزية المحكية.

ولاحقًا، وأثناء عمله مساعدًا للبحوث في مشروع بحثي كبير بالجامعة، عاد إرشاد إلى المسار الأكاديمي. فأكمل درجة الماجستير في اللغة الروسية، واجتاز امتحان الأهلية الوطني، وأصبح أول طالب في الجامعة يحصل على زمالة ((JRF في اللغة الروسية.

وخلال فترة جائحة كوفيد-19، أسهمت مشاركته في الندوات الإلكترونية وأولمبياد اللغة الروسية في إدراكه اتساع الفرص المتاحة أمام المتخصصين في هذه اللغة. وللالتحاق ببرنامج الدكتوراه، تقدم لامتحانات القبول في جامعة اللغة الإنجليزية واللغات الأجنبية بحيدر آباد، وسانتينيكيتان بكولكاتا، وجامعة جواهر لال نهرو بنيودلهي، وتمكن من الحصول على القبول في الجامعة الأخيرة.

وكانت السنوات الثلاث والنصف التي قضاها في جامعة جواهر لال نهرو حافلة بالتجارب المتنوعة، إذ أتاحت له تجربة مختلفة تمامًا. كما تولّى تدريس مقرر في قواعد اللغة لمدة فصل دراسي واحد. وخلال جائحة كوفيد-19، استنفد إرشاد مدخراته أثناء بقائه في المنزل، لكنه قرر المضي قدمًا في مساعيه لنيل الدكتوراه.

وفي تلك المرحلة الحاسمة، وبمساعدة أصدقائه، اشترى كتاب "بورا" للكاتب شاراد بافيسكار وقرأه. ويقول إرشاد إن فكرة أثارتها قراءة الكتاب دفعته إلى اتخاذ قراره، وهي: "إذا كان شاب من مكان مثل رافير، لا يمتلك رأس مال اجتماعيًّا أو ثقافيًّا، قد استطاع الوصول إلى هذا الحد، فلماذا أخشى أنا، القادم من مدينة كولهابور الغنية ثقافيًّا وتاريخيًّا، والتي تحمل إرث شاهو مهاراج، مغادرة منزلي؟".

وقد ألهمه هذا التفكير المضي قدمًا في رحلته حتى وصل إلى جامعة جواهر لال نهرو لمتابعة دراسته للدكتوراه.

كما سافر إرشاد إلى ماليزيا لأداء مهمة في مجال الترجمة الشفوية، ليصبح أول فرد في أسرته يسافر إلى الخارج. وانطلاقًا من إعجابه باللغة الروسية البسيطة التي كتب بها تشيخوف، وحبه لقصصه، أنشأ إرشاد مدونة بعنوان "كافادسي" (Kavadse)، وبدأ ترجمة القصص القصيرة من الروسية إلى الماراثية. وبعد أن لاقت مدونته استحسانًا كبيرًا، راودته فكرة إصدار كتاب يضم ترجماته لقصص تشيخوف.

واستلهامًا للحنين إلى المطبوعات السوفيتية القديمة، صدرت مجموعته القصصية الأولى بعنوان "رادوغا" (قوس قزح) عن دار "دايموند بابليكايشنز" عام 2023. وبعد ذلك، ترجم رواية "قلب كلب" للكاتب ميخائيل بولغاكوف، التي تُرجمت إلى الماراثية للمرة الأولى، كما ترجم رواية "الليالي البيضاء" لدوستويفسكي لصالح دار "واردان براكاشان".

وهكذا أتيحت له فرصة ترجمة الكتاب نفسه الذي أشعل في داخله شغف تعلّم اللغة الروسية منذ البداية. وقد رُشِّح كتابه المترجم "قلب كلب" هذا العام لجائزة بال شاستري جامبهكار المرموقة للترجمة، التي تمنحها مؤسسة "أنتاربهارتي". ومؤخرًا، حصل إرشاد على منحة من معهد الترجمة الأدبية في روسيا لترجمة رواية "القرية" للكاتب إيفان بونين، الحائز على جائزة نوبل في الأدب. وبدعوة من المعهد، زار روسيا في الأسبوع الأول من سبتمبر للمشاركة في مؤتمر.

وقدّم إرشاد ورقة بحثية بعنوان "إشكاليات ترجمة رواية قلب كلب إلى اللغة الماراثية"، تناول فيها التحديات المرتبطة بترجمة السخرية السياسية. ويعمل حاليًّا على استكمال أطروحته للدكتوراه بعنوان "روايات التكوين في الأدب الروسي المعاصر"، التي تتناول الرحلة النفسية للمراهقين كما تصوّرها الروايات الروسية في القرن الحادي والعشرين.

ونظرًا إلى عدم تمكنه من العثور على مشرف يجيد اللغة الماراثية، اختار هذا الموضوع بدلًا من إعداد أطروحة عن الترجمة. وإلى جانب دراسته، يواصل إرشاد العمل في مشروعات الترجمة التحريرية والشفوية بصفة مستقلة. ولم يكن والد إرشاد يستحسن اقتناء الكتب، إذ كانت تتراكم وتشغل مساحة كبيرة في منزل الأسرة المكوّن من غرفتين.

وخلال دراسته الجامعية لنيل درجة البكالوريوس في الآداب، دفعه الإحباط ذات مرة إلى جمع كتبه في خمسة أو ستة أكياس كبيرة ومغادرة المنزل، تاركًا تلك الكتب لدى أصدقائه وأساتذته. وظل لسنوات طويلة يحتفظ بكتبه لدى أقاربه ومعارفه. ومؤخرًا، بعد زواجه وانتقاله إلى منزل أكبر، صنع رفًّا للكتب بنفسه، وأعاد جميع كتبه إليه، ورتّب مكتبته المنزلية وزيّنها بها. وفي العام الماضي، عقد إرشاد قرانه رسميًّا من خلال تسجيل الزواج، ليكون أول فرد في أسرته يعقد زواجًا مسجّلًا بهذه الطريقة.

اقرأ أيضًا: سرفراز تامبولي.. من الطموح الطبي إلى نشر الوعي بالبحث العلمي

ولإرشاد، الذي خاض تجارب عبر لغات عديدة، رؤية جميلة بشأن اللغة؛ إذ يقول: "لا نتعلم اللغة من الكتب وحدها، بل نتعلمها أيضًا من الناس وثقافتهم وتاريخهم، وحتى من طعامهم. فعندما تعلمت اللغة الروسية، اكتشفت الثقافة الروسية والتاريخ السوفيتي. وتبددت تمامًا تصوّراتي المسبقة التي كانت تحصر هوية روسيا في لينين وستالين والساحة الحمراء والحروب وبوتين".

قصص مقترحة