منتهى بابا.. بطلة تايكوندو تحولت إلى صوت لنساء كشمير وشبابها

02-11-2026   آخر تحديث    |  03-11-2026 نشر في  |  بواسطة    آواز دي وايس  |  آواز دي وايس  
منتهى بابا
منتهى بابا

 


أونيكا ماهيشواري/ سريناغار

حين بدأت فتاة كشميرية عادية ممارسة رياضة التايكوندو، لم تكن تتخيل أن هذه الخطوة ستقودها يومًا إلى الدفاع عن حقوق المرأة، والتحدث عن مستقبل الشباب، والعمل من أجل السلام. فقصة "منتهى بابا" ليست مجرد حكاية نجاح رياضي، بل هي رحلة كفاح في مواجهة القيود الاجتماعية التي لا تزال تعترض طريق الفتيات في كشمير ومناطق أخرى من الهند.

ونشأت منتهى في منطقة صغيرة من كشمير، وكانت في طفولتها تتعامل مع الحياة وفق ما تسمعه من أسرتها ومجتمعها، دون أن تدرك تمامًا طبيعة التحديات المحيطة بها. لكنها كانت تحمل منذ الصغر رغبة في تقديم شيء نافع لمجتمعها. وكان دخولها عالم النشاط الاجتماعي من بوابة الرياضة؛ إذ أصبحت بطلة وطنية خمس مرات في رياضة التايكوندو، وتلقت تدريبات في فنون قتالية أخرى.

غير أن طريقها الرياضي لم يكن سهلًا. ففي أثناء دراستها بالصفوف العاشر والحادي عشر والثاني عشر، واجهت اعتراضات اجتماعية وأسرية، إذ كان يُقال لها إن الرياضة مجال خاص بالذكور، وإن الفتيات لا يملكن مستقبلًا فيه. وطُلب منها التركيز على الدراسة بدلًا من ممارسة الرياضة التي كانت شغوفة بها. ورغم ما حققته من ميداليات، لم يكن الجميع مقتنعًا بأن الرياضة يمكن أن تكون خيارًا مهنيًا مناسبًا لها.

ولكن منتهى لم تستسلم، بل سعت تدريجيًا إلى إقناع أسرتها بمواصلة مسيرتها الرياضية. وجعلتها هذه التجربة تدرك حجم العقبات التي تواجه الفتيات في كشمير، ولا سيما اللواتي يعشن في المناطق النائية ولا تتوافر لهن فرص التدريب والتوجيه. ومن هنا بدأت تفكر في توظيف تجربتها لمساعدة أخريات على تجاوز القيود نفسها.

وبالتعاون مع الأكاديمية التي تنتمي إليها، بدأت تنظيم معسكرات تدريبية للفتيات في مناطق مختلفة من كشمير، لتؤدي دور حلقة الوصل بين الأكاديمية والنساء والفتيات في المناطق البعيدة. وتقول إنها تمكنت من تدريب أكثر من 250 فتاة على رياضة التايكوندو.

ولم يكن هدف هذه البرامج مجرد اكتشاف المواهب الرياضية، بل استخدام رياضة الدفاع عن النفس مدخلًا لتعزيز ثقة الفتيات بأنفسهن وإقناع أسرهن بأهمية مشاركتهن في التدريب. وترى منتهى أن الأسر تتقبل تعليم الفتيات مهارات الدفاع عن النفس بسهولة أكبر، وهو ما يتيح لاحقًا العمل على تنمية استقلاليتهن وقدرتهن على اتخاذ القرارات.

وشملت جولاتها مناطق نائية عدة، من بينها كيران وأوري وباهالغام وغيرها من مناطق كشمير. وتلاحظ أن فرص التعليم والوعي في المناطق الريفية شهدت تحسنًا، لكن تغيير الأفكار الاجتماعية يحتاج إلى وقت. فكثيرًا ما لا تكون المشكلة في غياب الفرص بقدر ما تكون في الخوف من نظرة المجتمع وكلام الناس.

وقد دفعتها هذه التجارب إلى توسيع نشاطها من المجال الرياضي إلى العمل الاجتماعي، فأطلقت مبادرة نسائية باسم "خاتون"، وبدأت تسلط الضوء على القضايا التي تمس حياة النساء. ولم يعد السؤال بالنسبة إليها مقتصرًا على أسباب منع الفتيات من ممارسة الرياضة، بل امتد إلى التساؤل عن حرمانهن من الحريات والفرص التي يتمتع بها الذكور بصورة طبيعية.

وفي سريناغار، سعت منتهى إلى جمع نساء كشمير اللواتي حققن إنجازات في مجالات مختلفة، بهدف تقديمهن نماذج ملهمة للفتيات الأخريات. وكانت رسالتها أن المرأة قادرة على تحقيق أحلامها، حتى في ظل الظروف الصعبة، وأن تجارب النساء الناجحات يمكن أن تفتح الطريق أمام غيرهن. لكن اهتمام منتهى لم يقتصر على قضايا التمييز بين الجنسين؛ فقد دفعها الواقع الاجتماعي والسياسي في كشمير إلى تناول موضوعات أوسع، تشمل الإرهاب ومستقبل الشباب وفرص العمل والبنية التحتية والسياسات العامة. وترى أن فهم التحديات التي تواجه النساء في كشمير يستلزم النظر إلى البيئة الاجتماعية المحيطة بهن، لأن آثار الإرهاب لا تقتصر على الوضع الأمني، بل تمتد إلى الأسر والأطفال والنساء على وجه الخصوص.

ومن هذا المنطلق، تؤكد ضرورة إشراك الرجال والشباب في جهود التغيير، مع إيلاء الجيل الجديد اهتمامًا خاصًا، نظرًا إلى تأثير سنوات العنف والأفكار المتطرفة في تشكيل وعيه ومستقبله.

وموقفها من الإرهاب واضح؛ إذ تشير إلى أنها تحدثت إلى أشخاص كانوا في الماضي مرتبطين بجماعات أو شبكات إرهابية، ويحاولون لاحقًا الابتعاد عنها. وتقول إن بعض الشباب يتأثرون في سن مبكرة بأفكار قد يدفعون ثمنها طوال حياتهم. واستشهدت بحالة شاب أخبرها بأن مشاركته في أنشطة عنيفة أدت إلى دخوله السجن، وأثرت في فرصه المرتبطة بامتحان القبول الوطني لكليات الطب، فضلًا عن ما واجهه لاحقًا من أزمات اجتماعية وشخصية. وترى أن مثل هذه التجارب تؤكد أهمية توفير التوجيه والفرص والأمل للشباب قبل انجرافهم إلى العنف.

وتؤمن منتهى بأن تغيير الأفكار الاجتماعية والنفسية المتجذرة منذ عقود لا يمكن أن يتحقق في سنوات قليلة، وأن السلام ليس غاية يمكن بلوغها مرة واحدة، بل عملية مستمرة تبدأ من الفرد، ثم تمتد إلى الأسرة والمجتمع. كما تؤكد أن نساء كشمير يمتلكن القوة والقدرة على الصمود بالفعل، وأن المطلوب ليس منحهن الثقة من الصفر، بل مساعدتهن على إبراز ما لديهن من إمكانات. فكثيرات منهن واجهن مآسي شخصية وظروفًا قاسية، ومع ذلك واصلن رعاية أسرهن وتحمل مسؤولياتهن.

وتواجه منتهى، شأنها شأن نساء كثيرات ينشطن في الحياة العامة، انتقادات وهجمات شخصية ومحاولات للنيل من سمعتهن. وتقول إن المرأة التي تتقدم في المجال العام قد تتعرض للتشكيك في سلوكها أو إطلاق أوصاف مسيئة عليها بهدف إيقافها. ولكنها ترى أن التراجع أمام هذه الضغوط لا يحل المشكلة؛ فإذا توقفت المرأة عن مسيرتها انتصر من يحاولون عرقلتها، وأما إذا واصلت طريقها فإن التحدي ينتقل إلى أولئك الذين يسعون إلى منعها.

وتستخدم منتهى منصات التواصل الاجتماعي للتعبير عن آرائها وتسليط الضوء على قضايا كشمير، ونقل قصصها إلى بقية أنحاء الهند، ولا سيما القصص التي لا تحظى بما يكفي من الاهتمام في النقاش العام. كما تعمل من خلال مبادرة "خاتون" على تمكين النساء، وتنمية مهاراتهن، وتعزيز مشاركتهن الفاعلة في مجتمعاتهن، ونشر مفاهيم المسؤولية الاجتماعية والقيادة النسائية والحوار المجتمعي.

وشاركت خلال السنوات الماضية في عدد من المنصات الوطنية والبرامج التعاونية التي تناولت قضايا اجتماعية مهمة، من بينها التثقيف من أجل السلام، والتوعية بالصحة المرتبطة بالدورة الشهرية، والصحة النفسية، ومكافحة المخدرات. وتسعى من خلال هذه الأنشطة إلى تشجيع النساء والشباب على تولي أدوار قيادية والمساهمة في إحداث تغيير اجتماعي إيجابي. كما تؤمن بأن الأصوات البسيطة، مهما بدت محدودة، قادرة على إحداث تغيير حقيقي عندما تستند إلى الصدق والمساءلة والتعاطف.

وبدأت رحلة منتهى على بساط التايكوندو، حيث كانت تسعى إلى الفوز بالميداليات، لكنها تجاوزت حدود الملعب لتصبح صوتًا للنساء والشباب وقضايا السلام. وهي تدرك أن التغيير لن يتحقق بخطاب واحد أو فعالية عابرة، بل يتطلب عملًا متواصلًا يبدأ بمنح الفتيات الفرص، ويمتد إلى مساعدة الشباب على بناء مستقبل أفضل، ومواجهة الأفكار القديمة، وفتح قنوات الحوار في مواجهة العنف.

اقرأ أيضًا: غزالة بروين.. حين يتحول الفن إلى وسيلة للتعبير عن قضايا المرأة والمجتمع

وبالنسبة إليها، قد يكون التغيير بطيئًا، وقد تحتاج الجراح إلى وقت طويل كي تلتئم، لكن طول الطريق لا ينبغي أن يكون سببًا للتوقف عن المحاولة. وهكذا لم تعد قصة منتهى مجرد سيرة لاعبة أو ناشطة اجتماعية، بل أصبحت تعبيرًا عن جيل يسعى إلى تجاوز صعوبات الماضي وصناعة مستقبل مختلف. وتختصر رسالتها هذا الإصرار في حقيقة واحدة: فتيات كشمير لن يتراجعن عن المضي قدمًا.

قصص مقترحة