اختفاء هاري بوتر

24-07-2026  آخر تحديث   | 23-07-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | طالب الرفاعي 
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

 


طالب الرفاعي

حين فتحت صفحة "ويكيبيديا" على اسم الكاتبة البريطانية "جوان رولينغ - Joanne Rowling" (مواليد 31 يوليو 1965م)، استوقفتني عبارة صغيرة: "روائية وفاعلة خير". وصفٌ بالغ البساطة، لكنه يحمل في طيّاته سؤالاً عميقًا يستحق التأمل: هل يمكن أن يلتقي الإبداع الروائي وفعل الخير في شخص واحد؟ وهل ثمة روائي عربي واحد يُعرَّف على الملأ بهذا الوصف المزدوج؟

عرف العالم جوان بوصفها صاحبة سلسلة كتب الأطفال "هاري بوتر - Harry Potter"، سبعة كتب تجسّدت فيها شخصية خيالية واحدة، لكنها استطاعت أن تُحرّك العالم. كان إطلاق كل إصدار جديد من السلسلة حدثًا بحجم مهرجان: أسرٌ بأكملها تقف في البرد والمطر، ساعاتٍ طويلة في طوابير تمتد أمام المكتبات، لا لتشتري كتابًا فحسب، بل لتظفر بتوقيع المؤلفة. ثم تحوّلت الكتب إلى أفلام، والأفلام إلى صناعة، والصناعة إلى مليارات، كلها نبتت من خيال امرأة بدأت حياتها معدمة، تكتب في مقاهي "أدنبره" الباردة بينما طفلتها الرضيعة تنام إلى جانبها.

سؤال طارئ هو الذي دفعني إلى البحث في عالم رولينغ: "لماذا خبا بريق هاري بوتر؟"

 الإجابة المتاحة جاهزة وباردة: "اكتملت القصة بصدور الكتاب السابع". لكن هذه الإجابة تفتح جرحًا أدبيًا حقيقيًا: كيف لسلسلة كتب ملأت الدنيا وشغلت أطفال الأرض وناشئتها، أن تنتهي بمجرد انتهاء صفحاتها؟ وكيف يتوقف الاهتمام بها حين تتوقف الماكينة الإعلامية والسينمائية عن الدوران؟ أليس هذا اعترافًا بأن ما صنع هاري بوتر لم يكن الأدب وحده، بل كانت الضوضاء الإعلامية التي أحاطت به؟

كثيرًا ما أشارت الدراسات النقدية إلى أن عوالم هاري بوتر ارتوت من نبع قديم وعميق: "ألف ليلة وليلة"، ذلك الكتاب الأعجوبة الذي لم تستطع الأيام أن تطمره، ولا يزال حتى هذه اللحظة يشتعل في خيال القرّاء والكتّاب حول العالم. فما الذي يُفرّق بين كتابٍ يخبو وكتابٍ يبقى؟ وما السرّ الذي يجعل نصاً ما يورّث حياةً أطول من حياة صاحبه؟

الإجابة، بعيدًا عن التنظير الأكاديمي، تكمن في شروط لا يقوم البقاء الأدبي الحقيقي دونها: أن يكون الكتاب شاسع الخيال، محكم البنية، وأن يلمس بذكاء هموم الإنسان وأسئلته التي لا تشيخ، وأن يمنح القارئ ما هو أثمن من المعلومة: المتعة، تلك القدرة الخفية على انتزاعه من لحظته الرتيبة، ونقله إلى عوالم يعيشها كأنها حقيقية، فيعود منها وقد أضاف إلى حياته لحظات لم تكن له.

روايات كثيرة احتلت قوائم المبيعات وتوّجت بجوائز مرموقة، ثم انسحبت بهدوء إلى رفوف النسيان. في المقابل، نصوص بعينها استطاعت أن تعبر الأجيال كأنها لم تُكتب في زمن محدد، وأن تظل مشتركًا إنسانيًا عصيًا على الهجر وعلى التجاهل.

أعود إلى حيث بدأت: الروائية وفاعلة الخير.

لماذا لا يُشار إلى روائي عربي واحد بهذا الوصف؟ من خلال معرفتي الحميمة بالمشهد الإبداعي العربي أقول بلا مواربة: الكاتب العربي لا يزال يرزح تحت بؤس سوق النشر وظلم عقوده، حتى إن بعض الكتّاب يدفع من جيبه الخاص ثمن طباعة كتابه، كأنه يدفع فدية لحلمه. ولسان حاله يقول في صمت مرير: أحتاج فاعل خير يتكفّل بنشر كتابي.

هذا وحده، في تقديري، كافٍ لتفسير ما آل إليه حال الكاتب العربي: موهبة تتقد بحرقة، وكلمات تولد يتيمة في سوق نشر لا يرحم.

قصص مقترحة