يوسف أبو لوز 
يعرف الشاعر عن العندليب أكثر مما يعرف الصيّاد، وإلا كيف جاءت القصائد موزونة على بحر الطير، غير أنّ حبيب الصايغ كان وزنه على "بحر البحر"، شاعرًا، وعندليبًا، وصيّادًا في آن واحد، يعرف الطيران، ويعرف الغوص، لؤلؤ دائمًا في يده، يكتب كما لو يطرّز، يفكر كما لو يحلم، نهر من الأبجدية حبيب، غزيرٌ متدفق، واثقٌ وأمير.
في عام 1985م، كان حبيب الصايغ يدير مجلته الثقافية "أوراق" من مكتب متواضع في أبوظبي، وكان هو رئيس التحرير، ومدير التحرير، والديسك، والكاتب، والناشر، والموزّع، والقارئ. لماذا؟ لأنه كان لا يريد أن يمر حرف واحد في المجلة من دون أن يعرف أين مكانه وأين موقعه من الإعراب وهو سيد اللغة، وسيّد الوزن، وأستاذ المجاز والكناية والاستعارة، العارف بالسطور وما تحتها وما فوقها وما بينها، بيقظة تشبه يقظة الصقر.
دفعت إليه بقصيدة كتبتها في شعم في رأس الخيمة، قرأ القصيدة بتمهّل وكبرياء، ورأيت كأن شعاعًا توهّج في عينيه. احتفى بي، واحتفى بالقصيدة، ومنذ تلك اللحظة، لم أكن ضيفًا عليه، بل صديق له.
قبل تلك الزيارة له في مكتب المجلة، لم أكن قد عرفته وجهًا لوجه، لكنني، قبل ذلك، كنت أعرفه قلبًا لقلب، وذلك، حين قرأت شعره المبكّر الذي كتبه في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، ثم يدور الزمن، ونصبح زميلين في "الخليج"، ومرة ثانية، أزوره ثم أزوره في أبوظبي، كان يفتح لي باب مكتبه كما يليق برجل "ذوق"، شاعر دائمًا قبل الصحفي، وفي كل مقالة له كان هناك عِرْقٌ من الشعر يلوح في لغته مثل عِرْق الريحان.
أضاف إلى "الخليج" ثقافته الرفيعة، ومكانته الأدبية الإماراتية، الخليجية، العربية. اسم علم في الشعرية العربية الحديثة. حاضر في مهرجانات الشعر في دمشق وبغداد والقاهرة وعمّان. إذا جلس، جلس الشعر، وإذا وقف، وقفت القصيدة. كان يشعر في داخله بـ "متنبي" آخر من هذا الزمان، من دون أن يتمثل أبا الطيب المتنبي. ولم أشعر يومًا أنه تقمّص وجه أحد من الشعراء، أو من الصحفيين. كلمته كانت له. لم يبع شعارات أو خطابات أو رنينًا أهوجَ فارغًا. لم يفتح له دكّانة فكر، أو أيديولوجية. رجل في ذاته. حرّ، ومستقل. أكثر ما كان يكرهه النفاق.
الآن، وفي هذا الوقت بالذات، أتذكر حبيب الصايغ، لأن الشعر والصحافة والذاكرة والمواقف والمبدئية، جميعها، هي أحوجُ ما تكون إليه. في هذه اللحظة الوجودية والعالمية والثقافية والإبداعية، غيابُ حبيب فراغٌ موحش، ونقصانٌ في الاكتمال، وهو لا يتعوّض إلّا بِتَذكّرِه، واستعادة صيغته ومعناه. حبيب الذي احترم الشعر، فاحترمه زمنه، ثم افتَقَده مكانُه.