سقط الحياء

08-08-2026  آخر تحديث   | 08-08-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | طالب الرفاعي 
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

 


 طالب الرفاعي 

في يوم ليس بعيدًا، كان الشاب يفتح دفتر مذكراته السرية ليكتب بخطّ مرتجف: "اليوم، رأيت وجهها"، جملة واحدة، لا يملُّ من الرجوع إليها. أما اليوم، فيفتح الهاتف ليجد كل التفاصيل، التي كان الحبّ يتوق إليها معروضة أمام الجميع، بلا سرّ، وبلا انتظار، وبلا حياء، هي مسافة قطعتها البشرية في عقود قليلة.

ففي كل المجتمعات، تُبنى الأعراف المقبولة عبر التراكم لا عبر القرار، حين يُقدم شخصٌ ما على سلوك غريب، يقف المجتمع أمامه مستهجنًا في البداية، لكن مع تكراره، ومرور الوقت، يفقد ذلك السلوك غرابته شيئًا فشيئًا، ليتسلل إلى النسيج الاجتماعي، ويصبح جزءًا منه.

لكل مجتمع عاداته وتقاليده الراسخة، يُقدّسها ولا يتسامح مع من يتجاوزها، وحين تفد عادةٌ جديدةٌ، يقف الناس أمامها متردّدين، لفترة تطول أو تقصر، إلى أن تكتسب شرعيتها الزمنية وتصبح مقبولة، لكن هذه الأسوار التي حمت المجتمعات طويلاً، أسوار العادة والتقليد، تهاوت كليًا أمام صعود الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي. فعبر التاريخ الإنساني، كانت عجلة العادات تدور ببطء وهدوء. أما اليوم، فقد دخلت البشرية عهدًا مختلفًا تمامًا، حين أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي جزءًا جوهريًا من سلوك الناس، وفي مقدمتهم الأطفال والمراهقون.

كان الطفل، في الماضي غير البعيد، يتشكّل عبر دوائر متتالية: الأسرة أولاً، ثم الحي والجيران، ثم المدرسة. أما اليوم، فقد تزلزلت هذه الدوائر أمام الشاشة الصغيرة، التي يحملها في جيبه. الطفل والمراهق لم يعودا ينتميان إلى مجتمعهما المحلي بقدر انتمائهما إلى "مجتمع العالم"، إلى قناعاته، وأذواقه، وسلوكياته اليومية. نشأ ما يمكن يُسمّى بـ"السلوك الكوني"، وهو يشمل الملبس والمأكل بقدر ما يشمل القناعات والعلاقات الإنسانية الحميمة.

لنأخذ مثالاً بسيطًا: علاقة شاب بفتاة، في أي مجتمع، كانت تُبنى تاريخيًا على إرث اجتماعي خاص، وتتّسع أو تضيق بحسب المساحة الأخلاقية التي تمنحها الأسرة. أما اليوم، فهذه العلاقة، وإن ظلّت متأثرة بمرجعية الأسرة، أصبحت أكثر ارتباطًا برسائل وصور الهاتف الذكي، وما تمليه شبكات التواصل من نماذج جاهزة للحبّ والعلاقة والجسد.

إذا كان شابٌ قبل عقود قليلة يحلم برؤية وجه حبيبته، ويسجّل في دفتره تاريخ تلك اللحظة النادرة، فإن هذا المسلك بات اليوم غريبًا تمامًا في زمن تُعرض فيه صور البشر في كل لحظة من لحظات حياتهم، بل وصل الأمر ببعضهم إلى نشر أدقّ تفاصيل حياتهم اليومية على الملأ، حتى تلك اللحظات، التي تُعدّ من أكثر لحظات الإنسان حميمية وخصوصية.

شيئًا فشيئًا، أصبح هذا السلوك مقبولاً في كثير من المجتمعات، المنفتحة منها والمحافظة على حد سواء، وكأن أعراف منصات التواصل الاجتماعي هي التي باتت تُملي إيقاع الحياة العصرية وشكلها.

أفهم تمامًا أن تنشر فتاة صور تخرّجها من المدرسة أو الجامعة، وأتفهّم أن يشارك شاب صوره في رحلة صيد بحري، فهذه لحظات فخرٍ واحتفاء تستحق أن تُرى، لكن أن تنشر فتاة صور خلوتها الشخصية، في أوضاع يخجل منها الذوق الإنساني السليم، وأن يصوّر شاب نفسه في مواقف تُهين كرامته، فهذا مشهد إنساني يستحق أن نتوقف عنده طويلاً، وأن نرفضه بوضوح لا لبس فيه.

اقرأ أيضًا: دهارمندرا برادان: بين المساءلة والاعتراف بالإنجازات

جوهر السلوك الإنساني يقوم على الحرية، لكن الحرية الحقيقية، في جوهرها العميق، هي احترام للسلوك الإنساني السوي، لا التحرّر منه، فحين تفقد الحرية هذا الاحترام، يفقد الإنسان حياءه، ويقف عارياً أمام العالم، لا من ثيابه، بل من شيءٍ رقيقٍ كان يحميه، ويحمي الآخرين منه، ويحمي إنسانيته من الابتذال.

حين يسقط الحياء، لا يسقط وحده، بل يسقط معه شيءٌ من معنى أن نكون بشرًا.

قصص مقترحة