عمر مدته يوم واحد

31-08-2026  آخر تحديث   | 30-08-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | طالب الرفاعي 
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

 


 طالب الرفاعي 

ثمّة فرقٌ شاسع بين أن نعيش، وبين أن نمارس يومًا مرسومًا لنا سلفًا بوصفه عيشًا، حتى وإن كُنّا نحن من رسمنا هذا العيش/القفصَ، وارتضيناه لأنفسِنا. الأغلبية تعيش يومها ما بين استيقاظٍ من نوم، وعملِ ما يُفترض أن نعمله، وعيشِ لحظاتٍ عابرة مع الذات أو الأسرة والأصدقاء، ثم العودة إلى النوم، استعدادًا لاستيقاظٍ جديد، والبدء بيومٍ جديد لا يعدو أن يكون امتداداً ليومٍ سبقه، وصورة طبق الأصل عنه. 

اللافت أن هذا النمط من العيش يُلازمنا منذ اللحظة الأولى لدخولنا المدرسة، ويستمر معنا طوال سنوات الدراسة، ثم يلحق بنا في انتقالنا إلى العمل، والزواج، وتكوين الأسرة، وما نلبث أن نشيخ في حضن يومٍ عرفناه وعرفَنا، حتى اعتاد علينا بقدر ما اعتدنا عليه، ودون أن ندرك أن عدم الخروج على الروتين، وعدم كسر نمطِ حياةٍ متكررةٍ بائسة، إنما يعني أننا نعيش عمراً طويلاً بحياة يومٍ واحد. 

يعتقد البعض أن الوصول إلى المال يؤمّن عيشًا سعيدًا، انطلاقًا من قدرته على تأمين مستلزمات الحياة، وصولاً إلى الرفاهية. ولقد كتبتُ مرارًا: "المال أعجزُ بكثير من أن يشتري سعادةً، ولا محلّ على وجه الأرض يمكنه أن يبيع لأغنى الأغنياء عشرة غرامات سعادة"، وهذا هو أهم درسٍ يمكن للعيش أن يقدّمه للإنسان: فالسعادة لا تقترن بمالٍ، ولا بجاهٍ أو منصبٍ أو عمر، بل إن حقيقة السعادة تكمن في عيش لحظةِ فرحٍ طازجةٍ، عابرةٍ، بسيطةٍ، تلقائية، ووحدها هذه اللحظات القليلة هي ما يبقى، في نهاية المطاف، من عمرٍ طويل.

يحدث أن إنسانًا ما، محاطًا بكل رفاهية الرخاء، يعيش مع ذلك مهمومًا، يكدّس عمرَه يومًا فوق يوم، وسعيًا منهكًا فوق سعي، ومراكمة مكانةٍ اجتماعية فوق مثيلتها، وتكديس ناتجٍ على ناتج، بعيداً عن أي عيشٍ متجدّد يهزّ الروح ويجدّد الدماء في عروقها، عيش بعيد عمّا رُسم لنا، وعشنا به كأنه قفص، عيش نختار مكوناته من دفتر قناعاتنا، لا من كتالوج الاعتياد والسوق والاستهلاك، وكم تكون خسارتنا فادحة حين نعتاد العيش في يومٍ يستولد نفسه، فلا يُنجب سوى نسخةٍ منه.

إن انتظار لحظةِ فرحٍ/ فرَجٍ قادمة، حتى مع استحالة قدومها، هو شأنٌ إنسانيٌّ مقدّس، فلولا هذا الهاجس، هذا الأمل بما سيأتي، لتدمّرت حياة ملايين البشر. لكن، بين انتظارِ ما لا يأتي، وعيشِ لحظةِ الحياة العابرة التي لا تتكرر، يمتد خيطٌ رفيع يقول بوضوح: لكَ أن تنتظر ما شاء الله لك أن تنتظر، ولكَ أن تختار عيشًا آخر. فرقٌ كبيرٌ وشاسع بين أن تعيش خادمًا مخلصًا ومطيعًا يُلبّي متطلبات نفسِه، وبين أن تخلق عيشًا تحلم به، وهو ذاته الفرق الشاسع بين أن نعيش، وأن نبقى على قيد الحياة.