شامبي تشكرورتي/ كولكاتا
عندما يدور الحديث عن رائدات الأعمال في ولاية غرب البنغال، يتجه الاهتمام غالبًا إلى مجالات الأزياء، والنسيج، والحرف اليدوية، أو المخابز وصناعة الأغذية، وهي قطاعات تقليدية برعت فيها العديد من النساء وأثبتن تميزهن. غير أن رؤية امرأة تتولى قيادة مؤسسة في قطاع الرعاية الصحية، بما يحمله من تعقيدات وحساسية وتحديات تقنية، لا تزال أمرًا نادرًا حتى اليوم. وقد نجحت مشرفة حسين، من مدينة كولكاتا، في تغيير هذه الصورة تمامًا.
وتُعد مشرفة حسين عضوًا مؤسسًا والرئيسة التنفيذية لمستشفى جي. دي. ومعهد السكري (GD Hospital & Diabetes Institute) في كولكاتا، إحدى أبرز المؤسسات الطبية في المدينة. وبفضل كفاءتها الإدارية، ورؤيتها الواضحة، وإحساسها الإنساني العميق، استطاعت أن ترسخ مكانةً متميزة وراسخة في قطاع الرعاية الصحية بشرق الهند. وبصفتها امرأة مسلمة، أثبتت أن الإرادة الصادقة، إلى جانب التعليم رفيع المستوى، قادرة على إحداث تغيير حقيقي حتى في أكثر القطاعات تحديًا وتعقيدًا.
من شوارع كولكاتا إلى جامعة كامبريدج
وُلدت مشرفة حسين ونشأت في أسرة مثقفة بمدينة كولكاتا. وأكملت تعليمها المدرسي في "مدرسة لا مارتينيير للبنات"، إحدى أعرق المدارس في المدينة. ومنذ سنوات الدراسة الأولى، عُرفت بتفوقها الأكاديمي، كما أبدت اهتمامًا كبيرًا بالعلوم وخدمة المجتمع منذ طفولتها.
وبعد إكمال تعليمها المدرسي، سافرت إلى المملكة المتحدة لمواصلة دراستها العليا. والتحقت بجامعة شيفيلد في إنجلترا، حيث حصلت على درجة البكالوريوس في علوم المواد الحيوية وهندسة الأنسجة. وبفضل اجتهادها وتفوقها الأكاديمي، احتلت المركز الأول على مستوى قسمها.
وفي مرحلة لاحقة، التحقت بجامعة كامبريدج، إحدى أعرق الجامعات في العالم، حيث حصلت على درجة الماجستير في ريادة الأعمال في العلوم الحيوية. وتقديرًا لتفوقها الأكاديمي وإنجازاتها المتميزة، مُنحت منحة كامبريدج للكومنولث، وهي من أرفع المنح الدراسية التي تقدمها الجامعة.
قرار العودة إلى الوطن وترك حياة مريحة في الخارج
بعد تخرجها من جامعة كامبريدج، إحدى أرقى الجامعات في العالم، كانت أمام مشرفة حسين فرص عديدة للاستقرار في الخارج. وكان بإمكانها العمل في كبرى شركات الأدوية متعددة الجنسيات أو المؤسسات الصحية الدولية برواتب مجزية، إلا أن رغبتها في خدمة وطنها وأبناء ولايتها كانت أقوى من كل تلك الإغراءات.
وتؤمن مشرفة حسين بأن الحصول على رعاية صحية عالية الجودة وبأسعار معقولة هو حق أساسي لكل مواطن. وانطلاقًا من هذه القناعة، عادت إلى الهند عام 2010م، وتولت مسؤولية إدارة وقيادة مستشفى جي. دي. ومعهد السكري.
وفي ذلك الوقت، كانت منطقة شرق الهند تشهد ارتفاعًا متسارعًا في أعداد مرضى السكري، في ظل نقص واضح في المراكز الطبية الحديثة التي تقدّم خدمات متكاملة لعلاج المرض تحت سقف واحد. ومن خلال عملها الدؤوب ورؤيتها الإدارية، نجحت مشرفة حسين في تطوير المستشفى ليصبح واحدًا من أكثر مراكز الرعاية الصحية تطورًا وموثوقية في شرق الهند.
نهج يضع المريض في المقام الأول ويواكب أحدث التقنيات
أجرت مشرفة حسين، منذ توليها قيادة المستشفى، إصلاحات شاملة في منظومة الإدارة، فجمعت بين أساليب العلاج التقليدية وأحدث التقنيات الطبية، إلى جانب استقطاب فريق من الأطباء ذوي الكفاءة العالية.
وتحت قيادتها، أصبح التركيز منصبًا على تقديم رعاية تتمحور حول المريض، مع ضمان الشفافية في التشخيص والعلاج. كما عملت على توفير بيئة علاجية متكاملة تضمّ أطباء متخصصين، وممرضين مؤهلين، وكوادر صحية تتمتع بروح إنسانية، بما يمنح المرضى الشعور بالأمان والثقة.
وتؤمن مشرفة حسين بأن العلاج لا يقتصر على الأدوية والإجراءات الطبية، بل إن التعامل الإنساني والتعاطف مع المريض يمثّلان جزءًا أساسيًا من عملية الشفاء. وبفضل هذا النهج، حصل مستشفى جي دي ومعهد السكري خلال فترة وجيزة على عدد من الاعتمادات والشهادات الوطنية المرموقة، وأصبح اليوم من أبرز المراكز الطبية التي يقصدها المرضى ليس فقط من كولكاتا، بل من مختلف أنحاء ولاية غرب البنغال والولايات المجاورة.
توسيع نطاق الخدمات الصحية إلى المناطق الريفية
لم تقتصر نجاحات مشرفة حسين، بصفتها رائدة أعمال، على النتائج المالية للمستشفى، بل امتدت إلى رسالتها الاجتماعية. فهي تؤمن بأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إذا ظلت الخدمات الصحية الحديثة حكرًا على سكان المدن الكبرى والقادرين ماديًا.
ومن هذا المنطلق، أطلقت العديد من المبادرات المجتمعية لإيصال الرعاية الصحية إلى الفقراء في المناطق الريفية والنائية. وشملت هذه المبادرات تنظيم مخيمات دورية مجانية للفحوصات الطبية، ومخيمات لعلاج المياه البيضاء وأمراض العيون، إلى جانب حملات للتوعية بمرض السكري، لا سيما في مناطق نائية ومتخلفة مثل مُرشد آباد. وقد أسهمت هذه المخيمات في تشخيص أمراض آلاف القرويين في مراحل مبكرة، ممن لم تكن تسمح لهم ظروفهم المادية أو نقص الوعي الصحي بالوصول إلى المستشفيات.
كما أطلقت برامج خاصة لدعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، شملت التعليم والرعاية وتنمية المهارات، بهدف تمكينهم ودمجهم في المجتمع.
نشر الوعي الصحي وإطلاق وحدات الفحص الطبية المتنقلة
يُعد مرض السكري من الأمراض الصامتة التي تُلحق أضرارًا بأعضاء الجسم تدريجيًا دون أن يشعر المريض بذلك في مراحله الأولى. ومن هذا المنطلق، ركّزت مشرفة حسين على الوقاية والكشف المبكر عن المرض، إلى جانب توفير العلاج.
وبمناسبة اليوم العالمي للسكري، تُنظم تحت قيادتها حملات توعية واسعة في مختلف أنحاء مدينة كولكاتا، حيث تُرسل وحدات فحص طبية متنقلة إلى محطات السكك الحديدية الرئيسة، ومحطات الحافلات، والتقاطعات المزدحمة للوصول إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين. وتوفر هذه الوحدات المتنقلة فحوصات مجانية لقياس مستوى السكر في الدم للمارة، كما يقدم الأطباء استشارات حول النظام الغذائي الصحي، وأنماط الحياة السليمة، وسبل الوقاية من المرض. وقد أسهمت هذه المبادرة في اكتشاف إصابة مئات الأشخاص بمرض السكري في مرحلة مبكرة كل عام، رغم أنهم لم يكونوا على علم بإصابتهم.
تقدير وطني وجوائز مرموقة
حظيت إسهامات مشرفة حسين المتميزة في قطاع الرعاية الصحية ومجال المسؤولية الاجتماعية للشركات بتقدير واسع على المستوى الوطني، ونالت العديد من الجوائز والتكريمات المرموقة في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية. فقد كرّمتها صحيفة "إيكونوميك تايمز" بجائزة "أفضل رائدة أعمال في قطاع الرعاية الصحية"، كما منحتها جوائز تايمز للأعمال لقب "الرئيسة التنفيذية الأكثر ريادة في قطاع الرعاية الصحية".

كما حصلت المؤسسة التي تقودها على عدد من الجوائز المرموقة في مجال المسؤولية الاجتماعية للشركات، تقديرًا لالتزامها بخدمة المجتمع وتنفيذ المبادرات الإنسانية. وتعكس هذه الجوائز حقيقة أن النجاح يكتسب قيمة أكبر عندما يقترن بالمسؤولية الإنسانية وخدمة المجتمع.
نموذج ملهم للهند الجديدة وللجيل الشاب
تمثل مسيرة مشرفة حسين المهنية والإنسانية مصدر إلهام كبير للجيل الجديد. فقد أثبتت أن منصب الرئيس التنفيذي لا يقتصر على تحقيق الأرباح، بل يشمل أيضًا الالتزام بالمسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع والإسهام في تحسين حياة الناس.
ومن خلال الجمع بين تعليم عالمي المستوى، وكفاءة إدارية حديثة، وفهم عميق لواقع المجتمع الهندي وتحدياته، قدّمت نموذجًا يُحتذى به في القيادة والإدارة، ورسخت تجربة ستظل ملهمة لسنوات طويلة. كما أسهمت في دحض الصورة النمطية التي تحصر دور المرأة المسلمة في الإطار الأسري، مؤكدة أن الكفاءة والعلم والإرادة قادرة على فتح آفاق واسعة أمام المرأة في مختلف المجالات.
اقرأ أيضًا: الزعفران الكشميري.. ذهب أحمر يجمع بين النكهة والفوائد الصحية
وتُعد مشرفة حسين اليوم قدوة للفتيات في ولاية غرب البنغال، ولا سيما للنساء في المجتمع المسلم. وتؤكد رحلتها أن اجتماع العلم، والشجاعة، وروح الخدمة كفيل بتجاوز العقبات وتحويل الطموحات إلى إنجازات ملموسة.