إيه. بي. جيه. عبد الكلام: رجل التعليم ذي القوة التحويلية

15-10-2026   آخر تحديث    |  نشر في  |  بواسطة    آواز دي وايس  |  مجيب الرحمن  
صورة تعبيرية (الذكاء الاصطناعي)
صورة تعبيرية (الذكاء الاصطناعي)

 


مجيب الرحمن*

 تحيي الهند ذكرى ميلاد الدكتور إيه. بي. جيه. عبد الكلام في 15 أكتوبر كل سنة، ليس فقط كأحد العلماء البارزين الذين أنجبتهم الهند،  أو كالرئيس الحادي عشر للجمهورية، بل كإنسان استثنائي ألهم ملايين الشباب الهنود ليحلموا ويتعلموا ويسعوا لتحقيق مستقبل أفضل.

وُلد أفول باكير زين العابدين عبد الكلام في 15 أكتوبر 1931 في راميسوارام، بولاية تاميل نادو. وكان أبوه يملك قاربًا يؤجّره للحجاج، وكانت الأسرة تعيش على قدر قليل من الرزق. وباع الصبي الصحف ليعين أهله، ثم درس الفيزياء وهندسة الطيران، وعمل في منظمتي الأبحاث الفضائية والدفاعية، وعُرف في الهند بلقب "رجل الصواريخ" لدوره الكبير في برنامجها الصاروخي. وشارك كذلك في برنامجها النووي. وفي عام 2002 انتُخب الرئيس الحادي عشر للجمهورية، فانتقل من بيت متواضع في راميسوارام إلى القصر الرئاسي في نيودلهي، فَعُرف بلقب "رئيس الشعب".

ومع ذلك، ظل التعليم أحبّ الأعمال إليه. كان يحاضر في الجامعات وهو رئيس، وبقي بعد انتهاء ولايته يزور المدارس ويلتقي بالطلاب ويجيب عن أسئلتهم. وتروي سيرته أنه توفي سنة 2015 وهو يلقي محاضرة على طلاب في شيلونغ. ولعل هذه الخاتمة تغني عن كل وصف: فقد ظل معلّمًا حتى آخر يوم من عمره.

وكان عبد الكلام يؤكد أنّ مستقبل الأمة يُصنع في فصولها الدراسية. ولم يكن التعليم عنده طريقًا إلى الشهادات والوظائف والمال فحسب، بل وسيلة لبناء الشخصية وإيقاظ الإبداع وتعويد العقل على التفكير العلمي. ورأى أن الأمة لا تتقدم تقدمًا يدوم ما دام شبابها يفتقرون إلى المعرفة والمهارة والإبداع والثقة بأنفسهم.

وسيرته نفسها شاهدة على ذلك. فقد نشأ في أسرة ضيقة الحال، وتعلّم باكرًا أن يضبط وقته ويعمل بيده ويصبر ويعتمد على نفسه. وكان لمعلميه فضل كبير في إيقاظ فضوله وإشعال خياله. وكثيرًا ما كان يحكي عن معلمه سيفاسوبرامانيا آير، الذي أخذ تلاميذه ذات يوم إلى شاطئ البحر ليشرح لهم كيف تطير الطيور. وقد قال عبد الكلام إن تلك الحصة هي التي أيقظت فيه حبّ الطيران، وإنها أثّرت بعد سنوات في اختياره دراسة هندسة الطيران. فحصة واحدة عن جناح الطير غيّرت وجهة حياة تلميذ، وهذا ما يفعله المعلم الصادق.

ولعل هذا ما جعل عبد الكلام يعظّم المعلمين. وكان يعدّ التعليم من أشرف المهن، لأن صاحبه يُمسك بعقول الصغار قبل أن تتشكل. وكان يريد من المعلم ألا يقف عند الكتاب المقرر والامتحان، بل أن يدع الطالب يسأل، ويتركه يخطئ ويفكر بنفسه، ويفتح له بابًا لم يكن يعرف أنه موجود. والمعلم الجيد عنده ليس من يملأ الرؤوس بالمعلومات، بل من يلمح في كل طالب قدرة نائمة فيوقظها.

وأكثر ما اشتهر به في هذا الباب إلحاحه على الحلم. فقد ظل يقول للشباب في كل مناسبة: "احلموا أحلامًا كبيرة، ثم اعملوا لها حتى تتحقق". وكان وقع كلامه أشد على الطلاب الفقراء والمهمّشين، فهو واحد منهم وقد عبر الطريق. وعرف من تجربته أن الذكاء لا يسكن البيوت الغنية وحدها ولا الجامعات العريقة وحدها. فالمشكلة عنده لم تكن في قدرة هؤلاء الشباب، بل في أنهم لا يجدون فرصة ولا كلمة تشجيع ولا مدرسة جيدة.

ولقد كانت رؤيته للتعليم وثيقة الصلة بحلمه الأكبر بتحويل الهند إلى دولة متقدمة. ففي كتابه الشهير "الهند 2020"، الذي شارك في تأليفه مع واي. إس. راجان، وضع رؤية شاملة للتنمية الوطنية، ربط فيها بين العلوم والتكنولوجيا والزراعة والرعاية الصحية والبنية التحتية والتعليم. وكان يؤمن بأن أعظم قوة للهند تتمثل في مواردها البشرية الهائلة، ولا سيما في شبابها. إلا أن هذه الميزة الديموغرافية لن تتحول إلى رصيد وطني إلا من خلال استثمار مستدام في التعليم والبحث والابتكار وتنمية المهارات.

وما ميّز عبد الكلام عن كثير من رجال الدولة أنه كان يحسن الحديث إلى الطلاب. ويقف أمام تلاميذ قرية نائية فيتكلم بالحرارة نفسها التي يتكلم بها في جامعة عريقة. ويصغي إلى أسئلتهم ولا يستخفّ بها، ويفرح بفضولهم، ويقول لكل واحد منهم إنه يستطيع. وكانت لغته بسيطة وفكرته واضحة، ولم يشكّ أحد في أنه يهتم بهم فعلًا. ولما صار رئيسًا للجمهورية من عام 2002 إلى 2007 لم يترك المدارس والجامعات، بل ظل يزورها ويلتقي بشبابها في مدن البلاد وقراها.

وكان عبد الكلام مسلمًا يلتزم بالدين، ولم يُخفِ ذلك يومًا. وكان في الوقت نفسه يقرأ "الغيتا" ويعزف على الفينا، ويجالس رجال الدين من الهندوس والمسيحيين وغيرهم، ويُصغي إليهم كما يُصغي إلى علماء المختبر. ولم يكن يرى في هذا تناقضًا. فالعلم عنده والإيمان لا يتخاصمان، وكلاهما يطلب الحقيقة من بابه. وربما كان هذا سرّ محبة الهنود على اختلاف أديانهم له، فقد وجد كل منهم فيه رجلًا متمسكًا بدينه ولا يضيق بدين غيره، وهذا ما قامت عليه الهند في أحسن أحوالها.

وفي الوقت الذي أصبح فيه التعليم يُقدر وتُحدَّدُ قيمته على أساس نتائج الامتحانات، وتصنيفات المؤسسات، والفرص المهنية، والمكاسب المالية، فإن الفلسفة التربوية للدكتور إيه. بي. جيه. عبد الكلام تستحق اهتمامًا متجددًا. ولقد كان يؤمن بأن الغاية الأسمى من التعليم ليست مجرد إعداد أطباء ومهندسين وعلماء ناجحين في مجالاتهم، بل بناء الإنسان قبل كل شيء؛ الإنسان الذي يجمع بين العلم والأخلاق، وبين التميز في عمله والرحمة في تعامله مع الآخرين، ويشعر بأن لعلمه قيمة أكبر حين يسخّره لخدمة الناس والتخفيف من معاناتهم. وكان يرى أن التقدم العلمي، مهما بلغ من آفاق، لا يكتسب قيمته الإنسانية الحقيقية إلا حين يقترن بضمير حيّ وقلب ينبض بالرحمة وحب الخير للآخرين.

ولقد ظل التزامه بالتدريس راسخًا ولم يفتر حتى اللحظات الأخيرة من حياته؛ ففي 27 يوليو 2015، سقط مغشيًا عليه أثناء إلقاء محاضرة في "المعهد الهندي للإدارة في شيلونغ" وفارق الحياة بعد ذلك بوقت قصير. وثمة جانب مؤثر للغاية في حقيقة أن رجلاً شغل أرفع منصب في البلاد قد قضى لحظاته الأخيرة وهو يمارس العمل الذي أحبه أكثر من أي شيء آخر: مشاركة المعرفة مع الطلاب.

اقرأ أيضًا: لماذا يجب توخّي أقصى درجات العناية عند اختيار إمام مسجد؟

اليوم، الخامس عشر من أكتوبر، تمرّ خمس وتسعون سنة على ميلاد عبد الكلام. ولن يكفي أن نذكره في الخطب. فهو لم يطلب منا ذلك، وإنما أراد أن يجد الطفل في أبعد قرية مدرسة فيها معلم يحب عمله، وأن يجد الشاب مختبرًا يجرّب فيه فكرته. وهذه أمور تقع على عاتقنا، حكومةً وأفرادًا: أن نحسّن مدارسنا، ونُنصف معلمينا، ونموّل البحث العلمي، ونفتح للأطفال الفقراء الأبواب التي فُتحت له.

والأمم لا تُقاس بما في خزائنها ولا بما في مصانعها وحدها، بل بما في رؤوس أبنائها وضمائرهم وأحلامهم. وقد عاش عبد الكلام وهو يثبت أن الكتاب والمعلم قد يرفعان ابن بائع الصحف إلى القصر الرئاسي. فكل طفل في هذه البلاد، من أي بيت جاء، من حقه أن يحلم، ومن حقه أن تكون له مدرسة تعينه على بلوغ حلمه.

*أستاذ بمركز الدراسات العربية والإفريقية ورئيسه سابقًا، جامعة جواهر لال نهرو، نيودلهي.