أجمل شاه*
جاء الاعتراف الأخير لنائب زعيم تنظيم لشكر طيبة، سيف الله قصوري، ليُسقِط آخر ما تبقّى من القشرة الهشّة للاحترافية التي سعت المؤسسة العسكرية الباكستانية إلى ترسيخها أمام المجتمع الدولي. ففي مقطع مصوّر ينبغي أن يشكّل جرس إنذار للقوى العالمية، قال قصوري صراحة إن الجيش الباكستاني يدعوه لقيادة صلاة الجنازة على جنوده القتلى، وهو تصريح يتجاوز حدود التباهي ليشكّل إقرارًا خطيرًا بعمق العلاقة بين المؤسسة العسكرية والجماعات المتطرفة.
ويعزّز هذا الاعتراف ما تؤكد عليه الهند منذ سنوات، وهو أن الفاصل بين الجيش النظامي في باكستان والتنظيمات الجهادية المحظورة بات شبه معدوم. فالعلاقة بين الطرفين لا تحكمها معايير الدولة أو القوانين العسكرية، بل أيديولوجيا متشددة مشتركة ترى في الهند خصمًا وجوديًا، وتسعى إلى استنزافها "بألف جرح".
Lashkar Deputy Chief Saifullah Kasuri openly states that Pak Army invites him to lead funeral prayers for its soldiers.
— The Inside Story (@TheInsideStory7) January 10, 2026
This reaffirms that terrorists and the pak army are the two sides of the same coin!#TerrorStatePakistan#CorruptPakArmy@ajaykraina @Arzookazmi30 @fhzadran pic.twitter.com/9OgKYfR8V6
وبذلك، تتهاوى الصورة التي حاول الجيش الباكستاني تسويقها لنفسه بوصفه قوة عسكرية محترفة، ليظهر على حقيقتها كمنظومة مسلّحة تتشابك فيها النزعة الدينية المتطرفة مع العمل العسكري، حيث لا يُنظر إلى الإرهاب كوسيلة عابرة، بل كواجب عقائدي وروحي موجِّه للسلوك والاستراتيجية.ولفهم هذا المسار المتدهور، لا يكفي التوقف عند العناوين الآنية، بل لا بد من التعمّق في البنية الفكرية للمؤسسة نفسها. فالجيش الباكستاني توقّف منذ عقود عن كونه قوة عسكرية تقليدية، وتحديدًا منذ عهد الديكتاتور الجنرال ضياء الحق. ففي تلك المرحلة، جرى التخلي عن الشعار المهني للمؤسسة العسكرية لصالح شعار "الإيمان والتقوى والجهاد في سبيل الله".
ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير في الشعارات، بل أعاد تشكيل عقلية الجندي ودوره. فحين جرى تكريس "الحرب الدينية" بوصفها الواجب الأساسي للجندي، تلاشت الحدود بين الدفاع عن الدولة والسعي وراء أهداف أيديولوجية دينية. ولم يعد خريجو الأكاديمية العسكرية في كاكول يُدرَّبون فقط على حماية الحدود، بل جرى تلقينهم خوض صراع فكري وعقائدي.
وقد جاءت نتائج هذا التحول كارثية. فمع مرور الوقت، تسرّبت هذه النزعة المتطرفة من الثكنات إلى قاعات الطعام، ثم إلى المستويات العليا في القيادة العامة للجيش في راولبندي، ما أسفر عن قيادة عسكرية لا ترى في جماعات مثل "لشكر طيبة" و"جيش محمد" تهديدًا لأمن الدولة، بل تعتبرها أدوات استراتيجية وشركاء أيديولوجيين.
ويُفسّر هذا التقارب الأيديولوجي استمرار الجيش الباكستاني في توفير الحماية والدعم للجماعات المتطرفة وتمكينها، على الرغم من تورّطها في أعمال عنف أزهقت أرواح مدنيين هنود. وقد تجلّت ملامح هذا التورّط بصورة جلية عقب الهجوم الإرهابي في باهالغام في أبريل 2025م، وما أعقبه من ردّ هندي أُطلق عليه اسم "عملية سيندور"، حيث كشفت تقارير استخباراتية ومشاهد مصوّرة عن تنسيق صادم، أظهرت عناصر من الجيش الباكستاني وسيارات إسعاف تابعة له وهي تنقل جثث مسلحين قُتلوا في العمليات.

وعندما يقدّم جيش دولة ما دعمًا لوجستيًا ودفنًا رسميًا لعناصر مصنّفة إرهابية، فإنه يفقد أهليته للتعامل معه بوصفه فاعلًا شرعيًا في النظام الدولي. وفي هذه الحالة، يتحوّل عمليًا إلى ميليشيا مارقة تمتلك أسلحة نووية. ومن هذا المنطلق، لا يبدو ادعاء قصوري بأنه يقود صلاة الجنازة لجنود الجيش سوى نتيجة منطقية لمسار طويل من الانحراف. . فهو يعكس مستوى مقلقًا من القبول والتبجيل لقيادات متطرفة داخل المؤسسة العسكرية، ويشير إلى واقع خطير يتمثل في أن بعض الجنود قد ينظرون إلى زعماء إرهابيين بوصفهم مرجعيات روحية، بما يضفي غطاءً معنويًا على العنف الذي تمارسه تلك الجماعات.
وغالبًا ما يروّج المدافعون عن هذه الظواهر لفكرة أنها مجرد "عناصر مارقة" داخل المنظومة، غير أن تكرار هذه الوقائع واتساع نطاقهايدحض هذا الادعاء من أساسه. فالمشكلة باتت بنيوية. فقد شهدنا توقيف ضباط عاملين برتب عميد ورائد، لا بتهم فساد، بل بارتباطهم بتنظيمات متشددة مثل "حزب التحرير"، وتورّطهم في مخططات للإطاحة بالدولة التي أقسموا على حمايتها بهدف إقامة "الخلافة".
كما تعرّضت قواعد بحرية وجوية باكستانية لهجمات، من بينها، اقتحام المسلحين لقاعدة مهران التابعة لسلاح البحرية الباكستانية، وهي عمليات يتفق خبراء الأمن على أنها لم تكن لتنجح من دون دعم داخلي ملموس من عناصر متعاطفة مع المهاجمين. وهذه ليست حوادث معزولة، بل مؤشرات على مؤسسة عسكرية غذّت التطرف طويلًا حتى استدار عليها.
لقد ظنّ الجيش الباكستاني أنه قادر على توظيف سمّ التطرف لاستنزاف الهند مع إبقاء صفوفه محصّنة، لكن التاريخ يثبت العكس: لا يمكن تربية الأفاعي في الفناء الخلفي وتوقّع أن تلدغ الجيران وحدهم. فالأيديولوجيا القائمة على الكراهية التي استُخدمت ضد الهند تسلّلت تدريجيًا إلى داخل المؤسسة نفسها، لتحوّل بعض ضباطها إلى متعاطفين، وبعض جنودها إلى منجذبين للتشدد.
ومن الزاوية الهندية، تفرض هذه الوقائع تغييرًا جذريًا ودائمًا في أسلوب التعامل مع الجار. وعلى مدى سنوات، ظلّ المجتمع الدولي يدعو إلى الحوار، انطلاقًا من افتراضٍ مضلِّل بوجود قيادة عسكرية باكستانية عقلانية وعلمانية يمكن التفاهم معها، غير أن هذا الافتراض لا يستند إلى الواقع. فلا يوجد شريك حقيقي للسلام في راولبندي، لأن من يمسكون بزمام السلطة هناك تحكمهم رؤية فكرية ترفض من حيث المبدأ فكرة التعايش السلمي مع الهند بوصفها دولة علمانية تعددية.
وتقوم شرعية هذه القيادة ونفوذها على استمرار الصراع، إذ إن تحقيق سلام حقيقي من شأنه أن يُقوّض هيمنة الجيش الباكستاني على مفاصل الاقتصاد والسياسة في البلاد. ومن هنا، تبرز مصلحة مباشرة في إبقاء حالة التوتر قائمة، عبر توظيف جماعات متشددة كأدوات بالوكالة، بما يضمن استمرار الصراع وعدم السماح له بالانطفاء.
وفي نهاية المطاف، يكشف هذا التصريح الصادر عن قيادة "لشكر طيبة" بوضوح طبيعة المؤسسة العسكرية الباكستانية، ويقدّم حكمًا قاطعًا على مسارها وسلوكها. فقد تحوّل الجيش، وفق هذا المنظور، من مؤسسة مهنية يفترض أن تحكمها معايير الانضباط والأخلاق العسكرية، إلى كيان فقد بوصلته القيمية، بعدما استبدل الاحتراف العسكري بالانجراف وراء خطاب التطرف الديني وما يرافقه من إغراء بالسلطة والنفوذ. وقد يرتدي أفراده زيّ جيشٍ حديث، لكن أفعالهم تفضح عقلية حروب القرون الوسطى.
.jpg)
وبالنسبة للهند، فإن الدرس واضح وحاسم، لا مكان للتهاون أو الاطمئنان، بل يتعيّن الحفاظ على درجة قصوى من اليقظة، واعتماد مقاربة دفاعية هجومية تقوم على الاستعداد والمبادرة في آن واحد، مع إدراك أن التهديدات القادمة من وراء الحدود ليست سياسية أو جيوسياسية فحسب، بل تحمل في جوهرها بعدًا أيديولوجيًا خطيرًا. فالجيش الباكستاني، في هذا السياق، لا يُنظر إليه باعتباره قوة عسكرية معادية فقط، بل بوصفه الذراع المسلحة لحركة راديكالية تسعى إلى زعزعة استقرار المنطقة بأسرها.
اقرأ أيضًا: ناراناغ في كشمير: حيث تتعانق الروحانية والتاريخ والطبيعة
وما لم يدرك المجتمع الدولي هذه الحقيقة ويتعامل معها على أساسها، سيظل شبح العنف مخيمًا على شبه القارة. ومن ثم، يتوجب على الهند أن تقف موقفًا ثابتًا وحازمًا، دون تردد أو اعتذار عن دفاعها عن أمنها، وأن تكون مستعدة لتحييد هذا التهديد من منابعه، إذ لا مجال لأي تسوية مع قوة تمنح الإرهاب شرعية رمزية وتستدعي المتطرفين لتبارك قتلاها.
*الكاتب محامٍ يمارس عمله المهني أمام المحكمة العليا في جامو وكشمير ولاداخ، ومقرّ عمله في مدينة سريناغار.