ناراناغ في كشمير: حيث تتعانق الروحانية والتاريخ والطبيعة

11-01-2026  آخر تحديث   | 10-01-2026 نشر في   |  أحمد      بواسطة | آواز دي وايس 
ناراناغ في كشمير: حيث تتعانق الروحانية والتاريخ والطبيعة
ناراناغ في كشمير: حيث تتعانق الروحانية والتاريخ والطبيعة

 


عامرسهيل واني*

تقع ناراناغ في وسط كشمير قرب كانغان، وهي قرية جبلية هادئة وبوابة لمسارات رحلات مرتفعة. ويجمع هذا المكان بين سكون القرية الجبلية، ودوره كبوابة لأحد أشهر مسارات الرحلات الجبلية المرتفعة في كشمير، إلى جانب مكانته التاريخية المميزة. إذ يضم الموقع مجموعة من أطلال المعابد التي تعود إلى القرن الثامن الميلادي، وترتبط تقليديًا بالإله شيفا وبحكام كشمير القدامى من سلالة ناغا–كاركوتا، ما يضفي على ناراناغ طابعًا فريدًا يجمع بين الطبيعة والتاريخ.

ورغم أن الزمن وتقدّم الغطاء النباتي اختزلا معظم هذا المجمع إلى قواعد حجرية وأعمدة متناثرة، فإن المكان لم يفقد روحه ولا حضوره المستمر. فما زال يشكّل نقطة توقف للزائرين في طريقهم إلى غانغابال، ومجالًا لرعي القطعان في المروج المحيطة، ومنطلقًا للمتنزهين نحو البحيرات الجبلية العالية ومنحدرات هارموخ.

ويعود تاريخ مجمّع معابد ناراناغ، في الغالب، إلى بدايات العصر الوسيط في كشمير، حيث ينسب عدد من الباحثين، إلى جانب الروايات المحلية، أعمال البناء الرئيسة إلى الملك لاليتاديتيا موكتابيدا من سلالة كاركوتا في القرن الثامن الميلادي، غير أن المصادر التاريخية تكشف أن منطقة وانغاث–ناراناغ كانت فضاءً مقدسًا قبل عهده بوقت طويل، وشهدت عبر القرون رعايةً مستمرة من حكّام متعاقبين، الذين أسهموا في تمويل المعابد القائمة وترميمها، بما يعكس عمق الاستمرارية الدينية والسياسية للمكان.

وتعكس البنية المعمارية للموقع — حيث تتوزع عدة مزارات حول ينابيع ومنصّات حجرية — ملامح عمارة المعابد الكشميرية في العصور الوسطى، كما تجسّد النمط الإقليمي لرعاية الحكّام لمراكز العبادة الشيفية. وتشير الدراسات الأثرية إلى قداسات مربّعة، وكتل غرانيتية متينة، وبوابات منحوتة، وهي سمات نموذجية لأعمال الحجر الكشميرية في تلك الحقبة.

وتنبع قدسية ناراناغ من مسارين متداخلين في الحياة الدينية. الأول يتمثل في ارتباط الموقع الطويل بالشيفية؛ إذ تكشف بقايا عبادة اللينغام والزخارف المعبدّية عن دوره كمزار للإله شيفا، حيث كان الزائرون يؤدّون طقوس الاغتسال والعبادة. أما المسار الثاني فيتصل باسم "ناراناغ" ذاته، الذي يحيل إلى تقليد الناغا القديم، المرتبط بعبادة الأفاعي والزهد الرهباني، وهو تيار ديني تزامن مع الشيفية البراهمانية السائدة في المراحل المبكرة من التدين الكشميري، مضيفًا إلى الموقع بعدًا روحيًا مركّبًا ومتعدد الجذور.

ومن منظور الممارسة الدينية المتواصلة، تُعدّ ناراناغ تقليديًا نقطة الانطلاق الدنيا للزيارة السنوية إلى بحيرتي غانغابال ونوندكول عند سفوح جبل هارموخ، حيث يحرص الزوار على أداء طقوسهم خلال أشهر الصيف. وبذلك تندرج ناراناغ ضمن مسار زياري متكامل يربط بين الينابيع المقدسة والبحيرات الجبلية والمراعي المرتفعة، جامعًا بين قدسية المكان وجمال الطبيعة في إطار واحد.

وفي ذروة ازدهاره، كان مجمّع ناراناغ يضم عددًا من المعابد الحجرية المتقاربة. وأمّا اليوم، فلا يجد الزائر سوى منصّات حجرية، وأروقة ذات أعمدة، إلى جانب كتل متناثرة من حجارة كانت يومًا منحوتة بعناية.

ويمنح المعبد الرئيس صورة واضحة عن الطراز المعماري لمعارف كشمير الدينية، حيث أسهم الإتقان في نحت الحجر، وتفضيل الغرانيت، في إنتاج مبانٍ رصينة ذات خطوط هندسية بسيطة، صمدت أمام قسوة فصول الشتاء الجبلية.

ولا يُعدّ ناراناغ متحفًا معزولًا عن الحياة اليومية، بل هو جزء من مشهد رعوي وزراعي حيّ، إذ يستخدم الرعاة المحليون وجماعات الغُجّار المروج المحيطة، فيما يحافظ القرويون على بساتين صغيرة وحقول في أسفل الوادي. وفي هذا السياق، تتداخل الممارسات الثقافية والدينية، حيث تمتزج تقاليد القرى المسلمة بذاكرة باقية لطقوس الحج الهندوسي الكشميري قبل العصر الحديث؛ إذ تواصل مجموعات محدودة من كشمير، خلال أشهر الصيف، سلوك المسار المؤدي إلى غانغابال، متوقفة في ناراناغ لأداء العبادة إيذانًا ببدء الصعود إلى المرتفعات.

وأضحى ناراناغ في السنوات الأخيرة نقطة التقاء موسمية للزوار المعاصرين، من متسلّقين ومصوّرين وسياح محليين بأعداد متزايدة، حيث تلتقي الضيافة الريفية البسيطة بمتطلبات الرحلات الجبلية والتنظيم اللوجستي.

وتتجاوز أهمية ناراناغ جمالها الهادئ لتؤدي دورًا عمليًا بوصفها نقطة الانطلاق الأساسية لمسار ناراناغ–تروندخول–غانغابال، الذي يمتد ليومين أو ثلاثة، ويشق طريقه عبر غابات الصنوبر والمروج الألبية وصولًا إلى البحيرتين ا عند سفوح جبل هارموخ. ويتميّز هذا المسار بتنوّع لافت في مشاهده الطبيعية، من السفوح الكثيفة بالأشجار إلى الهضاب الرحبة وأحواض البحيرات ذات المشاهد الدرامية، فضلًا عن كونه تجربة متكاملة تمزج بين الآثار والروحانية والطبيعة البرية.

وتدير شركات محلية رحلات منظمة من سريناغار وكانغان، ولا يزال هذا المسار يُعد من أشهر الرحلات الصيفية الكلاسيكية في كشمير، غير أن أهمية ناراناغ تقابلها تحديات متزايدة في مجالي الحماية والبنية التحتية؛ فالعزلة التي تحافظ على طابعه الهادئ تعرّض الآثار في الوقت ذاته للتلف الطبيعي، وتكاثر النباتات، وأحيانًا للعبث أو السرقة، إضافة إلى ضعف شبكات الاتصال الذي يعقّد إدارة السياحة والاستجابة للطوارئ.

ومع تزايد أعداد الزوار والاهتمام عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتصاعد الضغوط على البقايا الحجرية الهشّة والنظم البيئية الجبلية الحساسة. ورغم اتخاذ إجراءات حماية محدودة، يرى خبراء أن الموقع بحاجة إلى خطة متكاملة توازن بين الزيارة الدينية، وسياحة المشي الجبلي، وصون الإرث الأثري.

ولا تقتصر أهمية ناراناغ على جانب واحد، إذ تمثّل تاريخيًا شاهدًا على العصر الوسيط في كشمير ودور الحكّام في رعاية بناء المعابد، ودينيًا جزءًا من جغرافيا مقدسة حيّة تصل بين القرى والبحيرات الجبلية العالية. كما تشكّل اجتماعيًا فضاءً تلتقي فيه الحياة الرعوية والريفية مع طقوس الزيارة الموسمية، فيما تقدّم للزوّار نموذجًا فريدًا لموقع أثري مندمج في مشهد جبلي حيّ.

اقرأ أيضًا: حديقة كيشتوار الوطنية.. ثاني أكبر حدائق جامو وكشمير

وعليه، فإن ناراناغ ليست مجرد وقفة أمام أطلال حجرية، بل تجربة تفتح بابًا على ذاكرة إنسانية متراكبة، تجعل وديان كشمير قابلة للقراءة عبر العصور، حيث يتجاور الزمن والطبيعة والإنسان في سردية واحدة.