مظهر آصف*
إن تاريخ الأمم يؤكّد حقيقة واضحة، وهي أن الشعوب التي اتخذت العلم شعارًا لها، والتفكير الرصين زادًا لها، والنظام والانضباط عنوانًا لحياتها الجماعية، لم تستطع أي قوة في العالم أن تهوي بها إلى دركات التخلف. وأما المجتمعات التي سمحت للعواطف العابرة بأن تتغلب على العقل والبصيرة، فلم تفقد السلطة فحسب، بل فقدت زمام الحضارة والثقافة.
ومن سنن الحياة أن بناء الأمم لا يتحقق بالصخب والضجيج، وإنما بهدوء الفكر، والثبات في العمل، وتحصيل العلم. ولهذا فإن كل أمة حية تدل جيلها الجديد، قبل كل شيء، على طريق العلم ومؤسسات التعليم، لا على ميادين الصراع والمواجهة. ويقول الله تعالى في القرآن الكريم: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ" (سورة الزمر: 09).
ومن الحقائق المسلَّم بها أن روح الديمقراطية تكمن في حرية التعبير. فلا يمكن أن ينكر أي نظام حضاري ودستوري حق المواطنين في التعبير عن مشكلاتهم، وطرح مطالبهم، وإيصال أصواتهم إلى أصحاب السلطة بالوسائل السلمية. فالاختلاف في الرأي من محاسن الديمقراطية، ولكن حين يتجاوز هذا الاختلاف حدود القانون والآداب والاعتدال، فإنه يصبح مدخلًا إلى الفوضى بدلًا من أن يكون وسيلة للإصلاح. ولا شك أن الحق جدير بالاحترام، غير أن الطريقة التي يُطالب بها المرء بحقه لا تقل أهمية عن الحق نفسه.
ويُعد الطلاب الفئة التي يُبنى عليها مستقبل أي أمة؛ فالشباب الذين يجلسون اليوم في مقاعد الدراسة هم الذين سيتولون غدًا مسؤولية إقامة العدل في ساحات القضاء، وإنقاذ الأرواح في المستشفيات، والإسهام في الاكتشافات الجديدة داخل المختبرات، واتخاذ القرارات في مؤسسات الحكم، والاضطلاع بمهمة التوجيه الفكري للأمة. وإذا غفلت هذه الفئة عن غايتها الأساسية، فلن يكون نصيب الأجيال القادمة سوى الفقر العلمي والمعرفي.
ولا ينبغي أن نغفل أبدًا عن حقيقة أن الهوية الأولى للطالب تتمثل في علمه، لا في احتجاجه، وأن رأس ماله الحقيقي هو الكتاب، لا الشعار. كما أن قوته لا تستمد من حشود التجمعات، بل من عمق الفكر، وسعة الاطلاع، ورسوخ الشخصية. وإذا أخذ يقضي معظم وقته، بدلًا من الدراسة والتحصيل العلمي، في أنشطة تعوق تقدمه العلمي، فإن الضرر لا يقتصر على فرد واحد، وإنما يمتد إلى الأمة بأسرها؛ لأن الأمم تُبنى بعلم أفرادها، لا بمجرد حماستهم.
ومن الحقائق أيضًا أن مرحلة الشباب هي مرحلة تتدفق فيها العواطف ويشتد فيها الحماس. ولذلك حاولت قوى سياسية واجتماعية مختلفة، في كل حقبة من حقب التاريخ، استغلال مشاعر الشباب لتحقيق أهدافها الخاصة. وتقتضي الحكمة من الطالب ألا يلبّي كل نداء دون تمحيص، بل أن يتحقق أولًا من حقيقته، وأن يزن كل دعوة بميزان العقل والوعي، وأن يقدم على كل خطوة وهو مدرك أن زلة واحدة قد تؤثر على مستقبله بأكمله. فالأمة التي تجعل شبابها أسرى للعواطف لا تستطيع أبدًا أن تجعل منهم قادة للعلم والمعرفة.
ولقد بدأ العام الدراسي الجديد، ويتوجه آلاف الشباب من القرى النائية والبلدات والمدن في مختلف أنحاء البلاد إلى الجامعات والكليات بعيدًا عن منازلهم، وهم يحملون أملًا واحدًا، وهو أن يغيّر العلم مصيرهم. ويضحي آباؤهم بوسائل راحتهم، ويقلصون احتياجاتهم، ويعلقون آمالهم كلها على تعليم أبنائهم. وهذه التضحيات ليست مادية فحسب، بل هي حصيلة مشاعر وتطلعات وأمنيات تراكمت على مدى سنوات طويلة. وفي مثل هذه الظروف، يقع على عاتق كل طالب أن يقدّر هذه الأمانة، وأن يستثمر وقته في الغاية التي أُرسل من أجلها إلى المؤسسة التعليمية.
ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال أن يتنازل الطالب عن حقوقه أو أن يبقى غافلًا عن قضايا المجتمع. فالشاب الواعي هو الذي يدرك ما يجري من حوله، ولا يصمت إزاء الظلم، ويرفع صوته من أجل العدالة، ولكن ينبغي أن تظل كل جهوده في إطار الحفاظ على مكانة العلم، واحترام الدستور، والالتزام بالقانون. وهذا هو الاعتدال الذي يضفي الوقار على الاحتجاج ويحمي التعليم في الوقت نفسه.
وفي ظل الأوضاع الراهنة في البلاد، ينبغي أيضًا أن نضع في الاعتبار أن العلاقة بين الحكومة والشعب تقوم على الثقة المتبادلة. فإذا كانت لدى فئة من فئات المجتمع شكوى أو مشكلة، فمن واجب أصحاب السلطة أن يصغوا إلى صوتها، ويفهموا مشكلاتها، ويسعوا إلى إيجاد حلول لها وفق مقتضيات العدل والإنصاف.
وبالمثل، تقع على عاتق المواطنين، ولا سيما الطلاب، مسؤولية عرض مطالبهم بأسلوب لا ينتقص من هيبة القانون، ولا يعكّر صفو البيئة التعليمية، ولا يلحق الضرر بالوحدة الوطنية. فالحوار ينشأ حيث يوجد الصبر وضبط النفس، ولا يبقى ضبط النفس إلا حين يتغلب العقل على العاطفة.
ومما يبعث على الاطمئنان أن الحكومة أعربت مرارًا عن عزمها على التعامل بمنتهى الجدية مع مستقبل الشباب والقضايا التعليمية. وقد أوضح وزير التعليم السابق في مناسبات عدة أن الهدف من سياسة التعليم الجديدة ليس جعل التعليم حكرًا على فئة محدودة، وإنما ضمان وصول التعليم الجيد إلى كل طالب في البلاد.
كما جدّد رئيس الوزراء التأكيد على مبدأ سيادة القانون في جميع الظروف، مشددًا على أنه إذا ثبت أن أي شخص قد انتهك القانون، فستُتخذ الإجراءات بحقه وفقًا للدستور والقانون. وقال إن مصالح شباب البلاد ومستقبلهم تمثّل أولوية قصوى بالنسبة إلى الحكومة.
وأكّد أنه في جميع قضايا تسريب أوراق الامتحانات، ستُبذل الجهود لإنزال العقوبات المستحقة بالجناة في أسرع وقت ممكن، كما ستُنشأ محاكم سريعة للفصل في هذه القضايا على وجه السرعة. وشدّد على أنه لن يتم التساهل مع أي شخص يعبث بمستقبل الشباب.
وعلى أي حال، فإن حرمة القانون في أي مجتمع متحضر هي الأساس الذي يقوم عليه صرح الأمن والاستقرار والعدالة بأكمله. وفي هذا السياق، لا ينبغي إغفال حقيقة أن الاختلاف في الرأي والعداء ليسا شيئًا واحدًا. ففي الديمقراطية لا يُقمع الاختلاف، بل تُوفر له السبل الحضارية للتعبير عنه.
فالأمة التي تتعلم تقبّل الاختلاف تفتح أمامها أبوابًا جديدة للتقدم، وأما الأمة التي تحوّل كل اختلاف إلى صدام، فإنها تضعف بيدها قوتها الجماعية. ومن ثم، من الضروري أن تكون مؤسساتنا التعليمية منارات للفكر والبحث والحوار والتسامح، لا ساحات للصراع والمواجهة.
وتُعد مسيرة التربوي والمصلح الاجتماعي المعروف "سونام وانغتشوك" مثالًا مشرقًا أمامنا؛ فقد اختار دائمًا في التعبير عن أفكاره طريق العلم والاستدلال والعمل الإيجابي. وتشهد إسهاماته على أن التغيير المستدام لا تصنعه الشعارات، وإنما يتحقّق بالعمل المتواصل، والبصيرة العلمية، والدور البنّاء. فالثورة الحقيقية في المجتمع هي التي تنير العقول، لا التي تؤجج العواطف.
ويجسّد هذا البيت للشاعر البروفيسور وسيم البريلوي هذه الحقيقة خير تجسيد: (ما الذي يُقال، وأين يُقال، وكيف يُقال؟ إذا امتلك المرء هذا الفن، أُصغي إلى كل ما يقال").
وفي الحقيقة، لا تكمن قوة المطالبة في مشروعيتها وحدها، بل تكمن أيضًا في الأسلوب الذي تُطرح به. فحتى أشد أوجه الاختلاف يمكن أن تجد لها مكانًا في القلوب إذا عُبّر عنها بوقار وأدب وحجة ومنطق، في حين أن أكثر المطالب مشروعية قد تفقد قوتها وتأثيرها إذا اتخذت طابعًا تحريضيًا وخرجت عن حدود الاعتدال.
وإن الحاجة اليوم تقتضي ألا ينظر الطلاب إلى أنفسهم على أنهم مجرد فئة من الدارسين، بل أن يعتبروا أنفسهم أمانة علمية لدى الأمة. فنجاحهم ليس نجاحًا شخصيًا لهم وحدهم، وإنما هو نجاح للبلاد بأسرها، وإخفاقهم لا يعني حرمان فرد واحد فحسب، بل يمثّل خسارة لرأس مال وطني ثمين. فهؤلاء الشباب هم الذين سيرفعون غدًا راية العدالة في المحاكم، ويوقدون مشاعل العلم في الجامعات، ويكتشفون آفاقًا جديدة في المختبرات، ويسهمون في توجيه الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد. وإذا سقط الكتاب من أيديهم، أفلت المستقبل من يد الأمة.
ومن الضروري أيضًا ألا تتحول القضايا الاجتماعية والعامة في كل حين إلى موضوع للصراع السياسي. فعندما يُنظر إلى كل قضية من زاوية سياسية بحتة، تتراجع القضية الحقيقية إلى الخلف، ويقع المجتمع في انقسامات لا ضرورة لها. وإن جمال الحياة الوطنية يكمن في أن تبقى الوحدة قائمة رغم الاختلاف، وأن يظل الاحترام محفوظًا رغم الانتقاد، وألا تُمس حرمة الدستور والقانون مهما تعددت المطالب.
اقرأ أيضًا: هل حان الوقت لتقييد وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال في الهند؟
فينبغي لطالب اليوم أن يضع دائمًا نصب عينيه أن الوقت هو أثمن ما يملكه الإنسان في حياته. فالساعة التي يقضيها في المطالعة تسهم في بناء شخصيته، واللحظة التي يمضيها في البحث تضيء مستقبل الأمة، واليوم الذي يكرسه لتحصيل العلم يضع أساس النجاح في السنوات القادمة. وعلى العكس من ذلك، فإن الوقت الذي يضيع في صراعات عبثية أو فوضى أو غفلة لا يعود أبدًا.
ولهذا، فإن نداء أهل الفكر إلى الشباب هو ألا يغفلوا عن حقوقهم، ولكن عليهم في الوقت نفسه ألا ينسوا مسؤولياتهم؛ وأن يطرحوا مطالبهم، لكن من دون أن يتركوا حبل العلم يفلت من أيديهم؛ وأن يختلفوا، ولكن من دون أن يتجاوزوا حدود الآداب والقانون؛ وأن يجعلوا حماية مستقبلهم مقدمة على سائر الأهداف.
وهذا هو الاعتدال الذي يمنح الفرد مكانته وكرامته، ويهب الأمة الاستقرار، ويضمن للديمقراطية الاستمرار. وهذا هو الطريق الذي يمكن من خلاله بناء مجتمع متعلم ومتحضر يحفظ لأفراده كرامتهم، وهو أيضًا رأس المال الحقيقي الذي يمكن أن يكون ضمانة لمستقبل مشرق للأجيال القادمة.
*الأستاذ الدكتور مظهر آصف هو رئيس الجامعة الملية الإسلامية بنيودلهي.