استضافة بريكس والهند: خطوة مهمة نحو القيادة العالمية

17-09-2026  آخر تحديث   | 17-09-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | مظهر آصف 
استضافة بريكس والهند: خطوة مهمة نحو القيادة العالمية
استضافة بريكس والهند: خطوة مهمة نحو القيادة العالمية

 


مظهر آصف*

في ظل السياسة العالمية المتغيرة اليوم، دخل ميزان القوى مرحلة جديدة باتت فيها الهياكل القديمة للنظام العالمي مضطرة إلى التكيف مع الحقائق الجديدة. فلم يعد العالم يدور حول عدد قليل من الدول القوية فحسب، بل إن الاقتصادات الصاعدة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها من المناطق تطالب بمشاركة أكثر فاعلية ومكانة أكبر في عملية صنع القرارات العالمية.

وفي سياق هذا التحول الواسع، برز تجمع "بريكس" بوصفه منصة عالمية مهمة تسلط الضوء على تنامي أهمية القوى الصاعدة ودول الجنوب العالمي. وتعكس مشاركة الهند النشِطة في بريكس وتوليها رئاسة التجمع واستضافتها لقمة بريكس مكانتها الدبلوماسية المتنامية في هذا المشهد العالمي المتغير. كما تبرز في الوقت ذاته جهودها الرامية إلى جعل صوت الجنوب العالمي أكثر تأثيرًا وفاعلية.

ويقوم المفهوم الأساسي لبريكس على التعاون المتبادل بين الاقتصادات الصاعدة. وقد بدأ هذا التجمع بالبرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، ثم توسع مع مرور الوقت، وانضمت إليه دول أخرى عديدة. وقد أسهم هذا التوسع، إلى جانب توسيع نطاق التمثيل الجغرافي والاقتصادي لبريكس، في زيادة أهميته في النقاشات المتعلقة بالاقتصاد العالمي والتجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والتعاون الدولي. ولا تكمن أهمية بريكس في عدد الدول الأعضاء فحسب، بل تتجلى في حقيقة أنه يمثّل شريحةً كبيرة من سكان العالم وأجزاءً مهمة من الاقتصاد العالمي.

Image

استضافة الهند: تعبير عن الثقة العالمية

بالنسبة إلى الهند، لا تقتصر استضافة قمة بريكس على أداء المهام التنظيمية المتعلقة باجتماع دولي، بل تمثل أيضًا تعبيرًا دبلوماسيًا مهمًا عن دورها المتنامي على الساحة العالمية. وتتطلب قيادة منصة متعددة الأطراف مهمة من الدولة المضيفة ألا تضع مصالحها الوطنية في المقدمة فحسب، بل أن تحافظ كذلك على التوازن بين الأولويات العالمية الأوسع والمصالح المتنوعة للدول الأعضاء. ومن هنا، يمثل هذا الأمر بالنسبة إلى الهند الاختبار الحقيقي لهذه الفرصة، كما يشكّل معيارًا لقدرتها الدبلوماسية. وبفضل تراثها الحضاري العريق، وتقاليدها الديمقراطية، ومواردها البشرية الواسعة، واقتصادها سريع النمو، لم تعد الهند اليوم مجرد قوة كبرى وبارزة في السياسة العالمية، بل أخذ دورها يتزايد أيضًا في صياغة النقاشات الدولية. وخلال السنوات الماضية، سلّطت الهند الضوء في مختلف المحافل العالمية على قضايا الدول النامية، وتغير المناخ، والأمن الغذائي وأمن الطاقة، والتنمية الرقمية، والصحة، والتنمية المستدامة. وتتيح لها استضافة بريكس فرصةً لطرح هذه الأولويات في إطار متعدد الأطراف أوسع، وربطها بالتعاون العملي بين الدول.

صوت قوي لدول الجنوب العالمي

تكمن الأهمية الأساسية لبريكس في أنه يتيح للدول النامية والاقتصادات الصاعدة فرصة الحصول على تمثيل أكثر فاعلية في النظام العالمي. فهياكل العديد من المؤسسات الدولية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية تعكس مشهدًا عالميًا لا يتوافق بصورة كاملة مع الحقائق الاقتصادية والديموغرافية الراهنة. وقد دأبت دول الجنوب العالمي منذ فترة طويلة على الإشارة إلى ضرورة أن تحظى أهميتها الاقتصادية المتزايدة وثقلها الديموغرافي بمكانة مناسبة في مؤسسات صنع القرار العالمي. ويمكن أن تدفع الهند بهذا المطلب قدمًا من منظور الإصلاح والشمول، بدلًا من منظور المواجهة.

 

ولا ينبغي أن يكون الهدف تشكيل كتلة جديدة في مواجهة قوة أو مجموعة معينة، بل جعل مؤسسات الحوكمة العالمية، التي تؤثر قراراتها في العالم بأسره، أكثر تمثيلًا وعدالة وتوازنًا. وتشكل إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتحسين تمثيل الدول النامية في المؤسسات المالية العالمية، وإتاحة فرص متكافئة لتحقيق التنمية العالمية، أجزاءً من هذا التصور الأوسع.

آفاق جديدة للاقتصاد والتجارة

يُعدّ التعاون الاقتصادي أحد أهم مصادر قوة بريكس. فمن خلال تعزيز التجارة والاستثمار والتعاون المالي وتبادل التكنولوجيا بين الاقتصادات الصاعدة الكبرى، لا تستطيع الدول الأعضاء تعزيز روابطها الاقتصادية المتبادلة فحسب، بل يمكنها خلق آفاق جديدة لنفسها في الاقتصاد العالمي. ويكتسب هذا الجانب أهميةً خاصة بالنسبة إلى الهند. فاقتصادها سريع النمو، إلى جانب قطاعات التصنيع والخدمات الرقمية والشركات الناشئة والبنية التحتية والتكنولوجيا، يوفّر آفاقًا واسعة للاستثمار العالمي. ومن خلال بريكس، يمكن إضفاء طابع مؤسسي على التعاون في هذه المجالات، شريطة ألا تقتصر الشراكة الاقتصادية على الأرقام والإعلانات، بل تتحول إلى روابط تجارية ومالية وتقنية حقيقية.

 

كما برز الاقتصاد الرقمي الهندي بوصفه أحد عناصر قوتها المهمة. ويمكن أن تكون الخبرات التي اكتسبتها الهند في مجالات المدفوعات الرقمية، والشمول المالي، والذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الفضاء، والبنية التحتية الرقمية العامة، مفيدة للدول النامية الأخرى. ومن شأن التبادل المنهجي لهذه الخبرات داخل بريكس أن يضع أساسًا لنموذج جديد من التنمية المشتركة.

التكنولوجيا وجيل الشباب

في القرن الحادي والعشرين، لم يعد مفهوم القوة الوطنية مقتصرًا على القوة العسكرية أو الناتج المحلي الإجمالي فحسب. فقد أصبح العلم والبحث والابتكار وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال التكنولوجيا من المقاييس الأساسية لمكانة أي دولة على الساحة العالمية. ويمثّل العدد الكبير من الشباب في الهند رأس مال بشريًا استثنائيًا بالنسبة إليها، غير أن القيمة الحقيقية لهذا الرصيد لن تظهر إلا عندما تتاح له فرص التعليم الجيد والبحث وتنمية المهارات والابتكار. ويمكن أن يتحول تجمع "بريكس" في هذا الصدد إلى منصة واسعة للشراكة العلمية والتكنولوجية. ومن شأن البحث المشترك وتبادل التكنولوجيا في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الحيوية، وأبحاث الفضاء، والصحة، والتكنولوجيا الخضراء، والطاقة المتجددة، أن يمنح تنمية الدول الأعضاء زخمًا جديدًا. وإلى جانب إيجاد آفاق جديدة للتوظيف وريادة الأعمال، يمكن أن يسهم ذلك أيضًا في توسيع فرص ربط جيل الشباب بالاقتصاد العالمي القائم على المعرفة.

الحاجة إلى الأمن والحوار

يتسم المشهد العالمي الراهن بالحروب والتوترات الإقليمية والنزاعات التجارية وأزمات الطاقة والتنافس الجيوسياسي. وفي مثل هذه البيئة، تتزايد أهمية المنصات التي تتيح للدول ذات الأولويات السياسية والاقتصادية المختلفة إجراء حوار مباشر فيما بينها. فاستمرار الحوار رغم الخلافات يمثّل ضرورة أساسية للدبلوماسية العالمية. وقد احتل الحوار والاحترام المتبادل والتعايش السلمي مكانة مهمة في النهج الدبلوماسي للهند. وتتيح لها استضافة بريكس فرصة لربط هذا التصور بالممارسة الدبلوماسية العملية. ويمكن أن تؤكد الهند أن وجود الخلافات يمثّل حقيقة طبيعية في العلاقات الدولية، لكن ينبغي أن تظل أبواب الحوار مفتوحة دائمًا لمنع تحول الخلافات إلى مواجهات. فالسلام العالمي المستدام لا يمكن أن يقوم على هيمنة قوة واحدة، بل يمكن ترسيخه من خلال الثقة المتبادلة، والمفاوضات، والشعور بالمسؤولية المشتركة.

القوة الحضارية للهند

لا يمكن فهم الأهمية العالمية للهند من خلال قوتها الاقتصادية وحجم سكانها فحسب، إذ تمثل تقاليدها الحضارية وتنوعها الفكري وتجاربها الثقافية الممتدة على مدى قرون جزءًا مهمًا من هويتها العالمية. فمن اليوغا والأيورفيدا إلى البوذية والفكر الغاندي، قدمت الهند تصورات ذات أهمية عالمية في مجالات صحة الإنسان، واللاعنف، والمسؤولية الأخلاقية، والتوازن الروحي.

وتتيح استضافة بريكس للهند فرصة لربط قوتها الحضارية والفكرية بالدبلوماسية المعاصرة. فإذا أُدرجت موضوعات مثل التعليم والصحة والبيئة ورفاه الإنسان والسلام ضمن الأولويات العالمية المشتركة، إلى جانب التعاون الاقتصادي، فإن أهمية بريكس يمكن أن تتجاوز بكثير نطاق التعاون الاقتصادي وحده.

تشكيل نظام عالمي جديد

إن النظر إلى بريكس باعتباره جبهة جديدة في مواجهة دولة معينة أو العالم الغربي من شأنه أن يحدّ من إمكاناته وفائدته المحتملة. وبدلًا من ذلك، سيكون من المفيد النظر إليه بوصفه منصة إضافية للتعاون العالمي، لا تهدف إلى الحلول محل المؤسسات العالمية القائمة، بل تتيح فرصًا لإقامة شراكة أكثر توازنًا داخل النظام العالمي. فالقضايا مثل تغير المناخ، والأوبئة، والفقر، والأمن الغذائي، والطاقة، والاستقرار الاقتصادي العالمي، لا يمكن حلها من خلال منطقة أو مجموعة واحدة. ولذلك، فإن المسؤولية المشتركة والتعاون الدولي الأوسع أمران لا غنى عنهما.

وهنا تكتسب مسؤولية الهند أهمية استثنائية. إذ يتعين عليها أن تحوِّل استضافة بريكس من مجرد اصطفاف سياسي إلى وسيلة للتعاون والتنمية والحوار. وإلى جانب مشاركة تجاربها ونموذجها التنموي مع الدول الأخرى، فإن استعدادها للاستفادة من تجارب البلدان الأخرى يمكن أن يشكل أساسًا لشراكة متوازنة وقائمة على المنفعة المتبادلة.

Image

وإن استضافة الهند لبريكس تمثّل فرصةً دبلوماسية وتاريخية مهمة. فهي اعتراف بمكانتها المتنامية على الساحة العالمية، كما أنها اختبار لبصيرتها الدبلوماسية. وفي وقت يتجه فيه العالم نحو توازن عالمي جديد، يمكن أن تؤدي الهند دور الجسر الذي يعزّز الحوار والتعاون بين العالم المتقدم والعالم النامي، وبين مختلف المناطق والأنظمة الاقتصادية.

ولا ينبغي أن يتمثل المعيار الحقيقي لنجاح بريكس في عدد الاجتماعات، أو كثرة الإعلانات، أو البيانات الدبلوماسية، بل في مدى ما يتيحه هذا المنبر لدول الجنوب العالمي من فرص اقتصادية وتنموية حقيقية، ومدى التقدم في الشراكة في مجالي التكنولوجيا والمعرفة، وحجم التقدم المحرز نحو جعل النظام العالمي أكثر عدالة وتمثيلًا واستدامة.

 

وإذا قادت الهند بريكس مستفيدةً من رحابة أفقها، وتقاليدها الديمقراطية، وقدراتها الاقتصادية، وإمكاناتها التكنولوجية، وخبرتها الدبلوماسية، فإنها لن تتمكن من ترسيخ صورتها العالمية وتعزيز مكانتها على الساحة الدولية فحسب، بل يمكنها أيضًا أن تؤدي دورًا بنّاءً في تشكيل نظام عالمي يحظى فيه، إلى جانب القوة، بالمسؤولية، وإلى جانب المنافسة، بالتعاون، وإلى جانب التنمية، برفاه الإنسان وأهميته الأساسية.

*الأستاذ الدكتور مظهر آصف هو رئيس الجامعة الملية الإسلامية بنيودلهي.

قصص مقترحة