راجيف نارايان
شهد العالم من قبلُ صدمات في أسواق النفط، لكن القليل منها في الذاكرة الحديثة انتقل بهذه السرعة من ساحات القتال البعيدة إلى مطابخنا ومحطات الوقود. وإنها عاصفة تتشكّل ملامحها. وبدأت الأزمة الحالية بعيدًا عن سواحل الهند، مع تصاعد المواجهة العسكرية في غرب آسيا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وكانت التداعيات فورية؛ إذ أدّت تهديدات إيران والهجمات الميدانية على حركة الشحن إلى تعطّل الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. وقد تراجعت حركة ناقلات النفط عبر هذا الممر الضيق -الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية- بشكل حاد، وسط مخاوف أمنية متزايدة.
وانعكست تداعيات الأزمة بسرعة شبه فورية على الأسواق العالمية، إذ قفز خام برنت إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، ولامس لفترة وجيزة 126 دولارًا، مسجّلًا واحدة من أشد صدمات الإمداد منذ أزمات النفط في سبعينيات القرن الماضي. ولم يشهد العالم ردّة فعل بهذا الحجم منذ إغلاق قناة السويس عام 1956م. وبالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، كانت النتائج كارثية، مع تصاعد معدلات التضخم، واضطراب الأسواق، وحدوث أزمة في قطاع الطاقة. وقد وصفت وكالة الطاقة الدولية هذا الوضع بأنه "أخطر تحدٍ عالمي لأمن الطاقة والغذاء منذ عقود".
وفي حين، لا يظهر التباين بين التصوّر والواقع بوضوح كما هو الحال في الهند، حيث بدأت الشائعات وطوابير الانتظار وارتفاع الأسعار في التأثير على سلوك الناس بقدر تأثير الوضع الفعلي للإمدادات.
اعتماد الهند على الطاقة
تعتمد الهند بشكل هيكلي على واردات الطاقة، إذ تستورد نحو 80 إلى 85 في المئة من احتياجاتها من النفط الخام. ومع الاعتماد الكبير على الإمدادات الخارجية لغاز الطهي والغاز الطبيعي، فإن أي اضطراب في مسارات الإمداد العالمية ينعكس سريعًا على السوق المحلية.
وقد أصبح غاز البترول المسال -وهو وقود الطهي المستخدم في ملايين المنازل الهندية- أبرز مظاهر هذه الأزمة. فقرابة 90 في المئة من واردات الهند من هذا الغاز تمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل البلاد شديدة الحساسية لأي اضطرابات في هذا الممر. ومع تباطؤ حركة الشحن وتردد ناقلات النفط في دخول المناطق المتوترة، بدأت سلاسل الإمداد تضيق.

وفي العديد من المدن الهندية، أبلغت الأسر عن تأخيرات في تسليم أسطوانات الغاز. كما تأثرت المطاعم والمقاهي الصغيرة -التي تعتمد على الأسطوانات التجارية- بشكل أسرع، ما اضطر بعض المنشآت إلى إغلاق مطابخها مؤقتًا أو تعديل قوائم الطعام.
وفي الوقت ذاته، أسهمت نفسية الندرة في تفاقم الأزمة. فقد ظهرت طوابير أمام محطات الوقود وموزّعي الغاز في أنحاء الهند خلال الأسبوع الماضي. وأدّى الشراء بدافع الهلع -المدفوع بالشائعات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي- إلى خطر خلق النقص الذي يخشاه الناس.
كما زادت التقارير عن بيع أسطوانات الغاز بأسعار مرتفعة في الأسواق غير الرسمية من حالة القلق. وهنا تكمن نقطة أساسية غالبًا ما تضيع وسط الضجيج: الاضطراب موجود بالفعل، لكنه لا يرقى إلى مستوى انهيار الإمدادات.
وقد أكّدت شركات النفط الهندية، العامة والخاصة، مرارًا أن مخزوناتها لا تزال كافية، وأن شبكات التوزيع تعمل بشكل طبيعي. كما دعت المواطنين إلى تجنّب الشراء بدافع الذعر أو التخزين المفرط، محذّرة من أن مثل هذه السلوكات تُرهق سلاسل الإمداد وتفاقم الاختلالات المؤقتة.
تحرّك حكومي سريع
تحرّكت الحكومة بسرعة لاحتواء الوضع واستعادة الاستقرار. فقد جرى إعادة ضبط المخزونات الإستراتيجية وعمليات التكرير للتخفيف من تقلبات المدى القصير، كما تم تفعيل قنوات شراء طارئة لاستيراد شحنات إضافية من النفط الخام وغاز البترول المسال من موردين بديلين حيثما أمكن. وفي الوقت ذاته، انخرطت السلطات في اتصالات دبلوماسية مع شركاء رئيسين في منطقة الخليج لضمان مرور آمن لشحنات الطاقة.
كما أُدخلت تعديلات على السياسات، حيث زادت السلطات في بعض المناطق من تخصيصات الوقود البديل مثل الكيروسين، وسمحت مؤقتًا للمطاعم بالبحث عن مصادر طاقة بديلة لضمان استمرار عملها. غير أن التغيّرات في الأسعار -وخاصة الارتفاع في أسعار غاز الطهي- تعكس حقيقة صعبة مفادها أن الهند لا تستطيع عزل نفسها بالكامل عن أسواق الطاقة العالمية.
فعندما ترتفع أسعار النفط عالميًا، تصبح التعديلات المحلية أمرًا لا مفر منه. ومع ذلك، تظل الرسالة العامة من صانعي السياسات وشركات الطاقة واضحة: الهند تتعامل مع اضطراب في الإمدادات، وليس مع أزمة نقص حاد في الطاقة.
دور المواطنين
تُظهر دروس كل أزمة طاقة -من حظر النفط في سبعينيات القرن الماضي إلى صدمات الإمداد الحديثة- أن تحرّك الحكومة وحده لا يكفي لتحقيق استقرار الأسواق، فالسلوك المجتمعي يؤدي دورًا حاسمًا. وفي الهند، تتيح أنماط الاستهلاك مجالًا واسعًا لممارسة قدر أكبر من الترشيد. فإجراءات بسيطة، إذا طبّقتها ملايين الأسر، يمكن أن تُخفّف بشكل كبير من ضغوط الطلب. ومن بين هذه الإجراءات، اعتماد أساليب طهي ذكية مثل استخدام قدور الضغط، وتغطية الأواني أثناء الطهي، وتجنّب إبقاء الشعلة مشتعلة دون حاجة، ما يساعد على إطالة عمر أسطوانات الغاز. كما يمكن أن يقوم سكان المدن بتقليل استهلاك البنزين والديزل من خلال المشاركة في التنقّل، والاعتماد بشكل أكبر على وسائل النقل العام، وتجنّب الرحلات غير الضرورية.
كما أن إطفاء محرّكات المركبات عند إشارات المرور -وهي ممارسة كثيرًا ما يتم تجاهلها- يسهم في توفير كميات كبيرة من الوقود في المدن المزدحمة. وللقطاع التجاري دور مهم أيضًا؛ إذ ينبغي على المطاعم والفنادق والمنشآت التجارية اعتماد معدات طهي موفّرة للطاقة، وتنظيم أوقات تشغيل المطابخ، واستكشاف بدائل مؤقتة مثل الطهي الكهربائي أو باستخدام المواقد الحثّية.
وحتى التغييرات السلوكية البسيطة، مثل ترشيد استهلاك الطاقة في المنازل، وتقليل الهدر، وتجنّب التخزين بدافع القلق، يمكن أن تساعد في الحفاظ على توازن سلاسل الإمداد. وتبقى الحقيقة أن أزمات الطاقة نادرًا ما تُحلّ بين ليلة وضحاها، لكنها كثيرًا ما تتفاقم أو تُخفَّف بحسب استجابة المجتمع.
وتُقدّم الاضطرابات الجارية تذكيرًا واقعيًا للهند بمعضلتها المزمنة في مجال الطاقة. فعلى الرغم من النمو الاقتصادي السريع والتقدّم التكنولوجي، لا تزال الهند تعتمد بشكل كبير على واردات الهيدروكربونات. وتنتقل الصدمات الجيوسياسية -سواء في غرب آسيا أو أوروبا الشرقية أو غيرها- عبر طرق الشحن والأسواق العالمية لتصل في النهاية إلى المنازل الهندية.

ولا يكمن الحل طويل الأمد في إدارة الأزمات فحسب، بل في تقليل مستوى الاعتماد والهشاشة. فالتوسّع في الطاقة المتجددة، وتعزيز قدرات التكرير المحلية، وتنويع مصادر الاستيراد، وتسريع التحول نحو التنقل الكهربائي، جميعها عناصر أساسية لبناء مستقبل أكثر اعتمادًا على الذات. وقد بدأت الهند بالفعل هذه الرحلة من خلال الاستثمار في الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر والوقود الحيوي، إلا أن الأزمة الحالية تُظهر بوضوح أن مسار تعزيز أمن الطاقة يحتاج إلى تسريع أكبر.
المطلوب هو الهدوء
تميل أزمات الطاقة إلى إثارة ردّ فعلين: الذعر على المدى القصير، والسعي إلى إصلاحات على المدى الطويل. وعلى الهند أن تتجنّب الأول وتتبنّى الثاني. فطوابير الانتظار أمام محطات الوقود، والشائعات المتداولة عبر الهواتف المحمولة، تخلق أجواءً من الإحساس بالندرة. ولكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ إذ إن الإمدادات تحت ضغط، لكنها لا تزال قابلة للإدارة، شريطة أن تبقى عمليات التوزيع منتظمة وأن يكون الاستهلاك مسؤولًا.
وأما بالنسبة إلى المواطنين، فالرسالة واضحة: استخدام الطاقة بحكمة، وتجنّب التخزين المفرط، والثقة في المنظومة التي تعمل على استقرار الإمدادات. وبالنسبة إلى صنّاع القرار، فإن التحدي أكبر، ويتمثل في ضرورة تعزيز أسس أمن الطاقة، حتى لا تنتقل الصدمات العالمية المقبلة بهذه السرعة إلى داخل المنازل الهندية.
وقد تظل أسواق النفط العالمية متقلبة، وقد تبقى الجيوسياسية غير قابلة للتنبؤ. ولكن التحلي بالهدوء، والعمل الواعي، والتكاتف الجماعي يمكن أن يضمن ألا تتحول لحظة القلق إلى أزمة ثقة. وفي نهاية المطاف، لعل الوقود الأقوى الذي تمتلكه الهند لا يكمن تحت الأرض، ولا في الناقلات العابرة للبحار؛ بل يكمن في انضباط شعبها وعزيمة مؤسساتها.