شنكر كومار*
تتهيأ الهند هذا العام لاستضافة قمة "بريكس" إلى جانب سلسلة من الاجتماعات الدولية ذات الأبعاد الجيوسياسية والاستراتيجية، كما ستستقبل رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ضيفي شرف في احتفالات يوم الجمهورية السابع والسبعين، المقررة في 26 يناير.
واختتم المستشار الألماني فريدريش ميرتس زيارته الأولى، والتي شهدت توقيع 19 مذكرة تفاهم وإطلاق ثمانية إعلانات رئيسة. وأفادت تقارير إعلامية بأن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يُتوقع أن يزور الهند قريبًا.
وتشير هذه التطورات إلى تصاعد مكانة الهند على الساحة الدولية، حيث لم يعد يُنظر إليها فقط كأحد أكبر الاقتصادات العالمية، بل كقوة فاعلة تمتلك قدرة متزايدة على القيادة والتأثير. ويأتي هذا التحول في سياق دولي يتسم بالاضطراب وعدم اليقين وتصاعد الأزمات وتشابك التحديات الجيوسياسية.
ولم تغب هذه المكانة المتنامية للهند عن الأنظار، إذ بادر وزير الخارجية الإيراني سيد عباس عراقجي، الأسبوع الماضي، إلى التواصل مع وزير الشؤون الخارجية إس. جايشانكار، لبحث تطورات الأوضاع في بلاده.
ورغم أن الهند لا تشترك بحدود جغرافية مباشرة مع إيران، فإنها ترتبط معها بعلاقات ودّية وروابط حضارية عميقة، في وقت تمر فيه طهران بواحدة من أصعب مراحلها منذ الثورة الإسلامية عام 1979م. ويرى محللون أن موجة الاحتجاجات الجماهيرية الأخيرة في إيران كانت أوسع نطاقًا وأكثر انتشارًا من تلك التي شهدتها البلاد في عامي 2019م و2022م، ما يعكس حساسية وتعقيد المرحلة الراهنة.
وفي وقت تترقّب فيه القوات الأميركية توجيهات من الرئيس الأميركي بشأن احتمال التحرك ضد إيران، ومع استمرار حالة التوتر بين طهران وتل أبيب، من دون أي بوادر للتهدئة، يُفسَّر اتصال وزير الخارجية الإيراني بوزير الشؤون الخارجية الهندي على أنه مؤشر واضح على تصاعد الوزن الدبلوماسي للهند، وقدرتها على الانخراط الإيجابي في إدارة الأزمات وسط أجواء إقليمية تتسم بتزايد الغموض والتعقيد في الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى الهند في 19 يناير باعتبارها جزءًا من اعتراف أوسع بتنامي الأهمية الاستراتيجية لنيودلهي ودورها المتوازن في الإقليم.
وجاءت الزيارة، التي تمت بدعوة من رئيس الوزراء ناريندرا مودي، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تزامن مع الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من قاعدة عين الأسد الجوية في غرب العراق، ومع حالة الاضطراب التي تشهدها المنطقة على وقع التطورات المتسارعة في إيران.

التعامل مع تحديات صراعات القوة الجيوسياسية
لطالما أكدت الهند أن الحوار والدبلوماسية يمثلان أنجع السبل للتوصل إلى حلول دائمة لأي صراع أو توتر، وهو مبدأ شكّل الركيزة الأساسية لسياستها الخارجية، إلا أن التطور الأبرز في الأعوام الأخيرة يتمثل في تنامي الثقة بطرح الهند، حيث بات صوتها يحظى بقبول واهتمام متزايدين لدى الأطراف الإقليمية والدولية على السواء.
وينعكس هذا المعنى بجلاء في ما أورده وزير الخارجية الياباني موتيغي توشيميتسو، إذ قال في مقال نشرته صحيفة "تايمز أوف إنديا" في 15 يناير إن الهند "تعزّز حضورها بسرعة كقوة عالمية، مستندة إلى نموها الاقتصادي القوي"، في إشارة إلى تصاعد مكانتها الدولية وتزايد وزنها في المعادلات العالمية.
وفي وقتٍ تكاد فيه الصراعات تعصف بمختلف أرجاء العالم، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، وتكافح فيه الاقتصادات لمواجهة حالة عدم اليقين المتزايدة، تبرز الهند كاستثناء لافت. ويعود ذلك إلى حدٍّ كبير إلى الاستقرار السياسي الذي تنعم به، إذ لا تشهد نموًا اقتصاديًا ملحوظًا فحسب، بل تبذل أيضًا جهودًا واعية لتجنّب الانزلاق إلى صراعات النفوذ الجيوسياسي ومنافسات القوة التي تخوضها أطراف دولية كبرى أو تكتلات تسعى إلى تحقيق مصالحها الاستراتيجية الخاصة.
وامتنعت الهند، في الأسبوع الماضي، عن المشاركة في مناورة بحرية مشتركة ضمّت عددًا من دول "بريكس"، من بينها جنوب أفريقيا وروسيا والصين وإيران. وانطلقت هذه التدريبات، التي استمرت أسبوعًا، قبالة سواحل جنوب أفريقيا، وكانت الأولى من نوعها التي تُنظم بمشاركة بعض دول المجموعة. وفي توضيح أسباب هذا القرار، قال المتحدث باسم وزارة الشؤون الخارجية الهندية راندهير جايسوال إن المناورة "لم تكن نشاطًا دوريًا أو مؤسسيًا ضمن إطار بريكس، كما أنها لم تشمل جميع الدول الأعضاء".
ويبدو أن امتناع الهند عن المشاركة في المناورة البحرية التي قادتها بعض دول "بريكس" جاء بدافع تجنّب الظهور بمظهر المنخرط في أي مبادرة قد تُفسَّر على أنها استعراض قوة موجّه ضد الولايات المتحدة. وفي السياق نفسه، قد دحضت في وقت سابق مزاعم تفيد بسعيها إلى الدفع نحو تقليص دور الدولار أو "إزالة الدولرة" داخل إطار بريكس، مؤكدة التزامها بنهج متوازن يتجنب الاصطفافات الحادة.
وبالنهج نفسه، حرصت نيودلهي باستمرار على توضيح أن إطار "كواد"، الذي يضم الهند والولايات المتحدة واليابان وأستراليا، لا يُقصد به أن يكون تحالفًا عسكريًا مغلقًا في مواجهة الصين. وفي الوقت ذاته، لم تتردد الهند في التعبير عن قلقها إزاء تنامي الحضور الصيني المتزايد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ولكن الهند تفضّل التعامل مع هذه التحديات بعيدًا عن منطق المواجهة، مركّزة على أجندة تقوم على دعم السلام، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وتوسيع مجالات الترابط والتعاون. وتسعى الهند، في هذا الإطار، إلى بناء أكبر عدد ممكن من الشراكات المثمرة من دون أن تكون حصرية، بما يضمن لها الحفاظ على استقلالية قرارها الاستراتيجي في بيئة دولية شديدة التعقيد.
الاستقلال الاستراتيجي كخيار لا غنى عنه
وبحكم كونها اقتصادًا ناميًا، تدرك الهند أن الاستقلالية الاستراتيجية تمثل ضرورة أساسية لا غنى عنها. ومع تصاعد تنافس القوى الكبرى وتزايد حدة الانقسامات الجيوسياسية، واصلت نيودلهي التمسك بنهج يضمن لها حرية اتخاذ قراراتها بما يخدم مصالحها الوطنية، بعيدًا عن الاستقطابات والضغوط الخارجية.
وفرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية بنسبة 50% على الهند، وهي الأعلى مقارنة بأي دولة أخرى، في خطوة مرتبطة باستمرار نيودلهي في استيراد النفط من روسيا وبالخلافات القائمة مع واشنطن حول نفاذ السلع الأميركية إلى السوق الهندية. كما هددت الولايات المتحدة بفرض رسوم قد تصل إلى 500 في المئة على المنتجات الهندية المصدّرة إلى أسواقها.
ورغم هذه الضغوط، لم تغيّر الهند من سياستها، إذ واصلت استيراد النفط الروسي، كما امتنعت عن فتح أسواقها أمام السلع الأميركية، ولا سيما منتجات الألبان والقطاع الزراعي، في تأكيد على تمسّكها بمواقفها الاقتصادية والتجارية.
ويُفهم هذا النهج على أنه تعبير عن متانة موقف الهند وإرادتها في حماية استقلالية قرارها الاستراتيجي، حتى في مواجهة ضغوط اقتصادية وجيوسياسية متزايدة تمارسها قوى عالمية كبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
واللافت في هذا السياق أن نيودلهي، في مواجهة إغلاق فعلي للسوق الأميركية أمام السلع الهندية عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، اتجهت إلى تنويع أسواق صادراتها والبحث عن بدائل في مناطق مختلفة من العالم. وفي هذا السياق، أثمر تحسّن العلاقات بين الهند والصين نتائج واضحة على الصعيد الاقتصادي.
وقد أصبحت الصين اليوم الشريك التجاري الأول للهند، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 110.20 مليارات دولار خلال الفترة من أبريل إلى ديسمبر 2025م، متجاوزًا حجم التجارة مع الولايات المتحدة الذي وصل إلى 105.31 مليارات دولار خلال الفترة نفسها.
ويتجلّى هذا المسار أيضًا في تنامي انخراط الهند مع أوروبا. فعلى الرغم من أن الموقف الهندي المحايد من الحرب الروسية–الأوكرانية يثير قدرًا من القلق الأوروبي، فإنه لم يشكّل ذلك عائقًا أمام توسيع العلاقات الدبلوماسية والسياسية مع نيودلهي. بل على العكس، أسهمت كثافة التواصل بين الجانبين في إدارة الخلافات بشكل أفضل، وتعزيز الفهم المتبادل للاعتبارات والضرورات الاستراتيجية لكل طرف.
وفي دلالة واضحة على هذا التقارب، يحلّ كلٌّ من رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ضيفَي شرف على احتفالات يوم الجمهورية السابع والسبعين في نيودلهي، في خطوة تعكس قوة العلاقات الهندية–الأوروبية وتنامي آفاق التعاون بين الطرفين.
وخلال زيارة هذين الزعيمين الأوروبيين البارزين إلى الهند في الفترة من 25 إلى 27 يناير، يُتوقع أن يوقّع الجانبان اتفاقية التجارة الحرة التي استغرقت مفاوضاتها سنوات طويلة. ويذهب محللون إلى أن إبرام هذه الاتفاقية، في حال إتمامه، سيشكّل منعطفًا اقتصاديًا واستراتيجيًا وجيوسياسيًا مهمًا للهند والاتحاد الأوروبي على حد سواء.
كما يُتوقع أن تسهم الاتفاقية في تقليص اعتماد الجانبين المفرط على سوق واحدة، وتعزيز صلابة سلاسل الإمداد، بما يدعم قدرتهما على التكيّف مع المتغيرات الاقتصادية العالمية المتسارعة.
اقرأ أيضًا: الجاليات الهندية ودورها المتصاعد في توثيق العلاقات مع دول الخليج
الخاتمة
تؤكد هذه التطورات مكانة الهند بوصفها واحةً للسلام والاستقرار، وتعزز في الوقت نفسه الاعتراف المتزايد بها طرفًا مؤثرًا في الدبلوماسية العالمية. فهي دولة قادرة على الإسهام في صياغة المواقف وتوجيه المسارات عبر الحوار والدبلوماسية، مع الحفاظ على استقلالية قرارها الاستراتيجي، وسط نظام دولي يتسم بتزايد الانقسامات والتشظي.