الأم واللغة والمنزل

21-12-2025  آخر تحديث   | 21-12-2025 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
الأم واللغة والمنزل
الأم واللغة والمنزل

 


 يوسف أبو لوز

يروي الشاعر رسول حمزاتوف أنه التقى ذات مرة برسام داغستاني غادر إلى روما للدراسة، وهناك، تزوّج من إيطالية ولم يعد إلى داغستان، والمهم في هذا اللقاء أن الرسام طوال الوقت كان يتحدث إلى ابن بلده حمزاتوف بالفرنسية، ويقول إنه حين عاد إلى دياره في داغستان بحث عن أقارب الرسام، وبحزن، أصغى أقاربه إلى حديثه عن ابنهم الذي ترك وطنه، ويقول حمزاتوف: فجأه سألته أم الرسام، هل تحدثتما باللغة الأفارية وهي لغة داغستان، فأجابها: كلا، تحدّثنا بواسطة مترجم، كنت أنا أتكلم باللغة الروسية، وابنك كان يتكلم باللغة الفرنسية، وهنا، غطّت أم الرسام وجهها بطرحة سوداء، كما تفعل النساء حين يسمعن بموت واحد من أبنائهن.

ما مناسبة اقتباس هذه الحكاية بين رسول حمزاتوف، وابن بلده الرسام؟، المناسبة هي اللغة، وتحديدًا، اللغة الأم، وكيف أن الإنسان يمكن أن يموت إذا ماتت لغته، أو تخلّى عنها واستبدلها بلغة أخرى، كما هو حال ذلك الرسام الداغستاني. 

وحكاية أخرى قد تكون مشابهة من حيث أمومة اللغة، وهذه المرة يرويها الشاعر الإيراني رضا براهِني ويقول إنه بعد سلطة الحكم الذاتي ومنع التلاميذ من التعلّم بلغتهم الأم كتب مقالاً باللغة التركية الأذرية في مادة الإنشاء حين كان في الصف السادس الابتدائي، غير أن المعلم أجبره على أن يبتلع ورقة الإنشاء تلك، ويقول براهني: أكون بذلك قد ابتلعت لغة أمّي. 

ثم، أخيرًا، إليك ما قاله الكاتب الجزائري مالك حدّاد عن الفرق بين اللغة العربية لغته الأم، وبين اللغة الفرنسية التي يكتب بها مجبرًا، فهو لا يعرف العربية، ومع ذلك، له عبارة لم تنسها الذاكرة الثقافية العربية إلى اليوم حين قال: (اللغة الفرنسية منفاي، بينما العربية وطني).

ولكن، أيمكن للغة الأم أن تكون منزلاً مثلما هي وطن؟، . هذه الفكرة بالذّات فكرة فلسفية يبسّطها لنا المفكر والباحث الفرنسي ماكس بيكارد على النحو التالي: "حيثما تترسّخ الهيئة الإنسانية بثبات بواسطة اللغة، يبقى الإنسان. وهناك يبني منزلاً ليعيش فيه. المنزل واللغة يمتلك أحدهما الآخر". 

اقرأ أيضًا: احتفالية كبرى في جامعة جواهر لال نهرو بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية

ذلك قليل من كثير حول علاقة الكائن البشري بلغته الأم، وهي أكثر من ذلك، تمنحه هويته أو بصمته الصوتية من خلال علاقة أصوات الحروف، وترددها، أو، تذبذبها في حنجرته، ولذلك، فالصوت البشري للإفريقي الزنجي يختلف عن صوت الأوروبي الأبيض، كما يختلف صوت اللغة أو صوت الحنجرة عند الصّيني، عن أصوات اللغات في اليابان، وأمريكا اللّاتينية أو غيرها من جغرافيات الصوت في العالم. وفي يوم لغتنا الأم، احفظ صوتك أخي العربي، احفظ هويتك، لكي لا تضع أمهاتنا طرحات سوداء على وجوههن النبيلة الجميلة.