شانكار كومار
في 7 أغسطس، في ظل التحولات المتسارعة في المشهد الجيوسياسي بمنطقة غرب آسيا، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاعية ثلاثية في مكة المكرمة. وتهدف الاتفاقية، وفقًا لما أكدته الدول الثلاث الموقعة في بيان مشترك، إلى توفير ردع مشترك في مواجهة أي عمل عدواني، بحيث يُعتبر أي هجوم مسلح على أي دولة من الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا.
ويُنظر إلى هذه الاتفاقية باعتبارها تطورًا مهمًا في العالم الإسلامي، إذ تأتي في وقت أثرت فيه الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران بصورة عميقة في الوضع الأمني بمنطقة غرب آسيا، مع بروز مضيق هرمز كنقطة توتر رئيسة بين طهران وواشنطن. غير أن الاتفاقية ثلاثية الأطراف لا تخلو، بالنسبة إلى الهند، من تحديات، بحسب رأي عدد من الخبراء الاستراتيجيين. ويرى هؤلاء أنه إذا نفّذت نيودلهي ضربات عقابية، كما فعلت العام الماضي خلال "عملية سندور"، ضد مخابئ الإرهابيين في باكستان، فلن تتردد إسلام آباد في تصوير مثل هذه الهجمات الهندية على أنها أعمال حربية.
ويرى هؤلاء الخبراء أن إسلام آباد ستعمد، عن قصد، إلى تصوير أي رد عسكري هندي على أنه عمل حربي، في محاولة لتبرير تفعيل بنود الدفاع الجماعي المنصوص عليها في الاتفاقية الثلاثية، وبالتالي جرّ تركيا والسعودية إلى الصراع. غير أن هذا الطرح يغفل أن الأهمية العملية للاتفاقية ستعتمد على كيفية تفسير الدولتين الأخريين الموقعتين لأي حادثة. فإذا وصفت الهند هجومها على باكستان بأنه عملية لمكافحة الإرهاب، فهل ستتبنى السعودية وتركيا رواية إسلام آباد؟ وعلاوة على ذلك، من المستبعد للغاية أن تنخرط السعودية في اصطفاف عسكري ضد الهند.
وفي إطار رؤية السعودية 2030، تمضي الرياض في مسار للتحول الاقتصادي يتطلب بناء شراكات قوية مع الاقتصادات الكبرى. وتنظر السعودية إلى الهند باعتبارها شريكًا اقتصاديًا طويل الأمد. وبناءً على ذلك، سيكون من المستبعد جدًا أن تقدم السعودية على أي تحرك عسكري من شأنه الإضرار بعلاقاتها مع الهند.
وعليه، فإن الاتفاقية ثلاثية الأطراف يكتنفها قدر كبير من الغموض. فعلى الرغم من أنه يشدّد على مبدأ الدفاع الجماعي، فإنه لا ينص على التزامات عسكرية تلقائية على غرار تلك المعمول بها في حلف شمال الأطلسي (الناتو). كما أنه لا يحدّد هيكلًا مؤسسيًا مماثلًا للناتو، ولا نظامًا للقيادة العسكرية، ولا يتضمن أي بند واضح يحدّد آلية الاستجابة في حال وقوع هجوم. وكذلك، لا تتطرق الاتفاقية إلى الميزانية المشتركة للتحالف العسكري.
ويرى خبراء استراتيجيون أيضًا أن عبارات من قبيل "الهجوم على دولة واحدة هو هجوم على الجميع" لا تعني بالضرورة إعلان حرب تلقائيًا أو نشر القوات بصورة آلية.
وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أهمية خاصة. ففي مقابلة مع وكالة "الأناضول" التركية، قال إن الهجوم على إحدى الدول الأعضاء لن يُعتبر تهديدًا مشتركًا إلا إذا طلبت تلك الدولة رسميًا المساعدة.
وبالإضافة إلى ذلك، لا تحدد الاتفاقية نوع الالتزامات العسكرية التي سيتعين على كل عضو الوفاء بها إذا تعرضت باكستان أو أي دولة عضو أخرى في الاتفاقية لهجوم. ولا توجد، بحسب خبراء إستراتيجيين، أي تفاصيل واضحة بشأن طبيعة المساعدة العسكرية التي يمكن تقديمها للدولة المتعرضة للهجوم، وما إذا كانت ستشمل نشر قوات، أو توفير أنظمة للدفاع الجوي، أو أسلحة، أو دعم لوجستي، أو معلومات استخباراتية، أو مساندة دبلوماسية.
وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى أن باكستان والسعودية وتركيا لا تملك سجلًا حافلًا بتقديم دعم عسكري مباشر. ففي ديسمبر 2015م، أعلنت السعودية تشكيل التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، الذي ضمّ أكثر من 40 دولة إسلامية، من بينها باكستان. وأُنشئ مقر التحالف في الرياض، وتولى رئاسته قائد الجيش الباكستاني السابق، الجنرال رحيل شريف.
وفي 15 سبتمبر 2018م، رفضت باكستان طلبًا سعوديًا لتقديم الدعم في جهودها لوقف تقدم المتمردين الحوثيين في اليمن. بل إن البرلمان الباكستاني مضى قدمًا وصوّت ضد الانضمام إلى التدخل العسكري الذي قادته الرياض في الدولة الواقعة بمنطقة غرب آسيا. ولم تكن هذه الحادثة، مع ذلك، حالة معزولة من عدم التزام باكستان بتعهداتها.
وفي سبتمبر من العام الماضي، وقّعت إسلام آباد والرياض اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشترك، وتعهدتا بموجبها بأن أي عدوان على إحدى الدولتين سيُعتبر هجومًا على كلتيهما. وقال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، عقب توقيع الاتفاقية بين إسلام آباد والرياض: "إذا تعرضت باكستان أو السعودية لهجوم من أي جهة، فسيُعتبر ذلك هجومًا على الدولتين، وسنرد معًا".
ومع ذلك، منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات مشتركة ضد إيران في فبراير، تعرّضت السعودية لهجمات متكررة من جانب الحوثيين وإيران استهدفت أصولًا عسكرية وغير عسكرية. وظلت باكستان، في المقابل، صامتة تمامًا، إذ لم تتخذ أي رد عسكري على الهجمات الإيرانية أو هجمات الحوثيين التي استهدفت السعودية، رغم أنها عزّزت وجودها العسكري في المملكة من خلال نشر آلاف الجنود والطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة هناك.
اقرأ أيضًا: مكافحة المخدرات مسؤولية مشتركة بين الشرطة والأسرة والمجتمع
وفي ضوء ذلك، أُثيرت تساؤلات حول ما إذا كانت باكستان والسعودية وتركيا ستلتزمان بالفعل بالتعهدات التي قطعتها بموجب الاتفاقية الدفاعية المشتركة في حال وقوع أزمة. كما تلقي هذه الحادثة بظلال من الشك على فعالية الاتفاقية ومصداقيتها.
وفي غضون ذلك، اقتصرت ردة فعل وزارة الشؤون الخارجية الهندية على تعليق مقتضب ومبهم، أكّدت فيه أن نيودلهي تتابع الوضع عن كثب. وقال المتحدث باسم الوزارة، راندير جايسوال: "هذا أيضًا تطور نتابعه عن كثب، وسنبقيكم على اطلاع بالمستجدات". ومن جهة أخرى، لم تصدر الولايات المتحدة ولا إسرائيل حتى الآن أي بيان رسمي بشأن الاتفاقية الدفاعية المشتركة.