صهيب عالم*
يعيش في ولاية جارخاند نحو خمسة ملايين مسلم، ولهم عادات وطقوس مميزة. وهم ينتظرون حلول شهر رمضان بفرح كبير، ويخرجون في أواخر شهر شعبان لتحرّي هلال رمضان، فيصعدون إلى قمم الجبال والأشجار العالية والمباني المرتفعة ومنارات المساجد الشاهقة لرؤية الهلال. فإذا رأوه، تسارعوا مبتهجين يهنئ بعضهم بعضًا، كما يجهّزون مكبرات الصوت في المساجد والأحياء ذات الكثافة المسلمة لإيقاظ الناس لتناول السحور.
أجواء الإفطار والسحور في ليالي رمضان
تتحول ليالي رمضان إلى محافل عامرة بالأطعمة المتنوعة واللذيذة. ويفطر معظم المسلمين، اتباعًا للسنة النبوية، على التمر أولًا، ثم يتناولون بعد ذلك مختلف أنواع الفواكه وبعض الحلويات والمشويات. كما يستيقظون قبل وقت السحور لأداء صلاة التهجد، ثم يتناولون وجبة سحور خفيفة جدًا، وبعدها يتوجهون إلى المساجد لأداء صلاة الفجر.
وعند غروب الشمس يحين موعد الإفطار، فيتناول الصائمون حبة تمر اقتداءً بما كان يفعله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تمتد موائدهم بالمأكولات المتنوعة مثل الحلويات والمقليات وغيرها. ويحترم غير المسلمين الصائمين في أسواق جارخاند، فيمتنعون عن تناول الطعام أمامهم. كما تزداد مبيعات الشعيرية خلال شهر رمضان، إذ أصبحت هذه الأكلة جزءًا لا يتجزأ من المائدة الرمضانية، حتى إن الإفطار يكاد لا يكتمل دونها.
الاستعدادات الروحية والاجتماعية خلال الشهر
مع رؤية هلال شهر رمضان، يبدأ المسلمون أعمال التنظيف الشاملة في منازلهم ومحلاتهم التجارية ودكاكينهم، ويستعدون للتسوّق. ومع تقدم أيام رمضان، يحرصون على أداء الصلوات جماعة في المساجد المحلية، وتقديم الصدقات، والمواظبة على العبادات. كما يؤدون صلاة التراويح، ويكثرون من أعمال الخير، ويعيشون أجواءً روحانية واحتفالية طوال هذا الشهر المبارك، محتفلين به بكل حماس وإخلاص، بما يعكس قيم التفاني وضبط النفس والتأمل الروحي.
تسهيلات حكومية وموائد إفطار مشتركة
تمنح حكومة ولاية جارخاند امتيازات خاصة للموظفين المسلمين في أماكن العمل خلال شهر رمضان المبارك. إذ يُسمح للموظفين الحكوميين المسلمين بمغادرة العمل بحلول الساعة الرابعة مساءً، كما يحصلون على استراحة إضافية مدتها ساعتان كل يوم جمعة لأداء الصلوات والشعائر الدينية. وتهدف هذه الخطوة إلى تلبية الاحتياجات الدينية للمسلمين، وتمكينهم من الصيام وأداء عباداتهم دون عوائق تتعلق بالعمل.
وفي عدد من مديريات ولاية جارخاند، مثل رانتشي وجمشيدبور وبلامو ودانباد وغيرها، تنظّم الجمعيات الأهلية المختلفة ولجان السلام –التي تضم مسؤولين وإداريين وضباط شرطة ومدنيين من الهندوس والمسلمين– موائد إفطار للصائمين. كما تسهم هذه المبادرات في مساعدة المسلمين على الاحتفال بشهر رمضان في أجواء يسودها الوئام والأخوة والتسامح والتعايش السلمي.
نماذج للتآخي المجتمعي
يشارك في تنظيم موائد الإفطار معظم الطوائف الاجتماعية، من المسلمين والهندوس، دون أي تردد. وقد شوهد في مديرية جمشيدبور مشهد نابض بالحياة يعكس روح الوحدة والأخوة؛ إذ نُظِّمت مؤخرًا مأدبة إفطار مشتركة بين مختلف الطوائف في منطقة "سوناري" احتفاءً بالأجواء الرمضانية.

وقد ساعد دي. بوس، أحد أعضاء لجنة السلام التابعة لمركز شرطة سوناري، بنفسه في تنظيم وتوزيع وجبات الإفطار للمصلين في مسجدي "كومهار بادا" و"خوتادي"، وذلك تحت إشراف سودير كومار بابو، سكرتير لجنة السلام ومحامٍ بارز في المحكمة المدنية بمدينة جمشيدبور. كما يحرص بوس خلال هذا الشهر الفضيل على زيارة المسجدين بانتظام لتوزيع وجبات الإفطار مباشرة على الصائمين.
تقاليد رمضانية مميزة في الهند
يشارك عادةً عدد من وجهاء الولاية والشخصيات الدينية والسياسية والثقافية في موائد الإفطار بكل فرح وسرور وسعة صدر، حيث يجددون جميعًا التزامهم بالحفاظ على النسيج الاجتماعي من خلال التمسك بالتقاليد المشتركة.
وتتميّز احتفالات رمضان في الهند بمزيج فريد من التقاليد الإسلامية العريقة والثقافة الهندية المتنوعة؛ إذ تعمّ أجواء البهجة، وتضاء المساجد بالقناديل الكهربائية والإلكترونية الملوّنة، وتنشط الأسواق ليلًا. ومن أبرز هذه العادات إيقاظ الناس لتناول السحور عبر إنشاد الأهازيج المحلية والقصائد الدينية، في أجواء يسودها الإخاء الاجتماعي والتلاحم بين أفراد المجتمع.
الزكاة والتكافل الاجتماعي
يتبادل المسلمون وجبات الإفطار مع الجيران والأصدقاء من مختلف الديانات، رمزًا لمشاركتهم الفرح والسرور. كما تُوزَّع التمور والماء والفواكه مجانًا في شوارع المدن الصناعية المكتظة بالعمالة المهاجرة.
ويهتم المسلمون بأداء الزكاة والصدقات، ويوزّعون الملابس والأموال على الفقراء والمحتاجين. كما يحرصون على أداء صلاة التراويح والمشاركة في حلقات تلاوة القرآن الكريم، وتشهد المساجد خلال هذا الشهر المبارك إقبالًا كبيرًا من المصلين.
عيد الفطر: ذروة الفرح والتكافل الاجتماعي
يُعدّ عيد الفطر أعظم مناسبة يحتفل بها المسلمون في هذه الولاية، إذ يبدأون الاستعداد له قبل أيام من حلوله، وتشمل هذه الاستعدادات شراء الملابس الجديدة وتجهيز متطلبات العيد. ويتقاسم الناس مشاعر الفرح والسرور مع جميع أهالي الولاية دون تمييز بين الفقراء والأغنياء، أو بين الرجال والنساء، أو بين الصغار والكبار، حتى لو لم يكن بعضهم من الصائمين. كما يتبادلون وجبات العيد الخاصة فيما بينهم، وتعمّ أجواء الألفة والمحبة. ولا يكاد يوجد في هذا اليوم من يفتقر إلى الطعام أو اللباس، إذ تُوزَّع زكاة الفطر في الليلة التي تسبق يوم العيد، حرصًا على أن يشارك الجميع في فرحة العيد.
اقرأ أيضًا: الأجواء الرمضانية في ولاية آسام: ذاكرة التقاليد وروح التضامن في زمن التحولات
وفي ليلة العيد تُزيّن البنات والصبيان الصغار أكفّهم وأصابعهم بالحناء. ويرتدون في الصباح الباكر الملابس الجديدة، ثم يجتمعون لأداء صلاة العيد في الميادين، بينما يؤدي بعضهم الصلاة في المساجد. كما تشارك النساء في كثير من الأحيان في صلاة العيد التي تُقام في الساحات والميادين. وبعد الصلاة مباشرة يتبادل الناس المودة والتهاني بين الأقارب والأصدقاء، ويزورون بيوت بعضهم بعضًا، ويتناولون غداء العيد في أجواء يسودها الفرح والألفة. وهكذا يُعدّ الاحتفال بعيد الفطر نموذجًا مميزًا وأحد أبرز مظاهر العدالة الاجتماعية والأخوة في المجتمع الهندي. وفي مختلف مناطق ولاية جارخاند وأرجائها يُحتفل بشهر رمضان وعيد الفطر بكل ابتهاج واهتمام بالغين، حيث تصبح هذه المناسبات رمزًا قويًا للحب المتبادل والثقة والوئام المجتمعي. كما تُبرز هذه الاحتفالات الثقافة المتنوعة والفريدة التي تحتضنها ولاية جارخاند في أرجائها.
*أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، الجامعة الملية الإسلامية، نيودلهي.