إيمان سكينة
ليس الإسلام مجرد دين يقوم على القواعد والأحكام والقيود، بل هو منهج حياة يرشد الإنسان إلى الخير والعدل والسلام وتحمل المسؤولية. وتنطوي كل تعاليم الإسلام على حكمة، سواء تعلقت بالصلاة، أو العلاقات الأسرية، أو المعاملات التجارية، أو العدالة الاجتماعية. ولإدراك هذه الحكمة، من المهم التعرف على "مقاصد الشريعة"، أي الغايات والأهداف التي ترمي إليها الشريعة الإسلامية.
وبعبارة بسيطة، توضح مقاصد الشريعة أسباب وجود الأحكام الإسلامية والخير الذي تسعى إلى تحقيقه وحمايته في حياة الإنسان. وتذكّرنا هذه المقاصد بأن التعاليم الإسلامية لم تأتِ لتجعل الحياة صعبة دون داعٍ، بل تهدف إلى صون كرامة الإنسان، وإقامة العدل، ومنع الضرر، ومساعدة الناس على العيش بمسؤولية.
ماذا تعني مقاصد الشريعة؟
تعني كلمة "مقصد" الغاية أو الهدف، أما الشريعة فتشير إلى الهداية الإلهية التي أنزلها الله تعالى. وبذلك، تدل مقاصد الشريعة على الغايات والحِكَم الكامنة وراء التعاليم والأحكام الإسلامية.
وقد تناول علماء مسلمون، من بينهم الإمام الغزالي، العالم المعروف، أهمية حماية المصالح الإنسانية الأساسية من خلال الشريعة الإسلامية. ثم جاء علماء لاحقون، مثل الإمام الشاطبي، فطوّروا هذا الفهم ووسّعوا نطاقه.
وجرى العرف لدى العلماء على بيان خمسة مقاصد رئيسة للشريعة، هي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل والأسرة، والمال. وتساعدنا هذه المبادئ على فهم كيفية استجابة الهداية الإسلامية للاحتياجات الروحية والدنيوية للإنسان على حد سواء.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).
وتبرز هذه الآية الكريمة طبيعة الرحمة التي تقوم عليها رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويمكن فهم مقاصد الشريعة في إطار هذه الرؤية الشاملة التي تقوم على الرحمة والهداية وتحقيق الخير للإنسان.
المقاصد الخمسة الكبرى للشريعة الإسلامية
حفظ الدين: يشجّع الإسلام الناس على عبادة الله تعالى، وتعزيز إيمانهم، والعيش وفقًا للمبادئ الأخلاقية. وتساعد الصلاة والصيام والصدقة وذكر الله المؤمنين على الحفاظ على صلتهم الروحية به.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن ينعكس الالتزام الديني في حسن الخلق والصدق والصبر والرحمة. فلا ينبغي أن يصبح الإيمان ذريعة لإهانة الآخرين أو إساءة معاملتهم.
حفظ النفس: للحياة الإنسانية مكانة عظيمة في الإسلام. وتُعدّ حماية الناس من العنف والظلم والجوع والمعاناة التي يمكن تجنبها من المقاصد المهمة للشريعة الإسلامية.
وقال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الإسراء: 33).
ويذكّرنا هذا التوجيه بخطورة إزهاق الأرواح البشرية. ومن الوسائل العملية لتحقيق هذا المقصد إنقاذ الأرواح، ومساعدة الناس في حالات الطوارئ، ودعم الفئات المستضعفة، والعمل على ضمان السلامة العامة.
حفظ العقل: العقل البشري نعمة عظيمة من الله تعالى. ويحثّ الإسلام على التعلّم والتفكّر والسعي إلى اكتساب العلم النافع. كما أن حفظ العقل يعني تجنّب كل ما يضرّ بقدرة الإنسان على التفكير واتخاذ القرارات المسؤولة.
ويدعو القرآن الكريم الناس مرارًا إلى التأمل في خلق الله والنظر في آياته. ويمكن أن يسهم التعليم والتفكير النقدي والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، في تحقيق هذا المقصد.
حفظ الأسرة والنسل: توفر الأسرة الحب والرعاية والهوية والشعور بالأمان العاطفي. ويولي الإسلام أهمية كبيرة للزواج وحقوق الأطفال ومسؤوليات الوالدين والحفاظ على الروابط الأسرية.
وقال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: 19).
وعلى الرغم من أن هذه الآية تتناول على وجه الخصوص معاملة الأزواج لزوجاتهم، فإن ما تحمله من دعوة إلى المعاملة الحسنة يُعدّ تذكيرًا مهمًّا في الحياة الأسرية عمومًا. ويعني الحفاظ على الأسرة منع الإساءة، والوفاء بالمسؤوليات، واحترام بعضنا بعضًا، وضمان نشأة الأطفال في بيئة آمنة يسودها الاهتمام والرعاية.
حفظ المال: يقرّ الإسلام بأهمية كسب الرزق وتلبية الاحتياجات المالية، لكنه يؤكد ضرورة كسب المال وإنفاقه بمسؤولية. فالسرقة والاحتيال والفساد والاستغلال والممارسات التجارية غير النزيهة تضرّ بالأفراد والمجتمع.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (البقرة: 188).
وترسي هذه الآية مبدأً مهمًّا من مبادئ العدالة المالية. ومن أمثلة حفظ المال وفقًا للقيم الإسلامية، دفع أجور العاملين بعدل، وردّ الحقوق إلى أصحابها، ومساعدة المحتاجين، وممارسة التجارة بأمانة ونزاهة.
مقاصد الشريعة في حياتنا اليومية
لا تقتصر مقاصد الشريعة على كتب الفقه الإسلامي أو النقاشات الدائرة بين العلماء، بل تحتل مكانة مهمة في قراراتنا اليومية. فالطبيب الذي يعالج مرضاه بعناية يسهم في حفظ النفس، والمعلم الذي يعلّم الأطفال يساعد على حفظ العقل، والوالدان اللذان يربيان أبناءهما على الحب وحسن الخلق يسهمان في الحفاظ على الحياة الأسرية، ورجل الأعمال الذي يرفض خداع الزبائن يحافظ على الأموال ويعزز العدل. وكذلك فإن المؤمن الذي يمارس شعائره الدينية بإخلاص يسهم في حفظ الدين.
وتبيّن هذه الأمثلة أن الهداية الإسلامية تربط العبادة بالمسؤولية الاجتماعية. فهي تعلّم المسلمين ألا ينظروا إلى ما يحقق مصالحهم الشخصية فحسب، بل أن يراعوا تأثير اختياراتهم في الآخرين.
ومع ذلك، لا ينبغي استخدام مقاصد الشريعة لتبرير أي تصرف لمجرد اعتقاد صاحبه أنه سيؤدي إلى نتيجة إيجابية. ففهم مقاصد الإسلام يتطلب معرفة بالقرآن الكريم وتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم والمبادئ التي وضعها العلماء المؤهلون.
وأما المسائل المتعلقة بالأحكام الشرعية، فقد تكون معقدة، ولذلك ينبغي التعامل معها بعلم وتأنٍّ.
اقرأ أيضًا: الإسلام والذكاء الاصطناعي: هل يمكن أن يرشد الذكاء الاصطناعي في دراسة القرآن والفتاوى والأدعية اليومية؟
وفي عالم يواجه العنف وانعدام الأمانة وتفكك الروابط الأسرية وتزايد التفاوت الاجتماعي، تظل هذه المبادئ وثيقة الصلة بواقعنا. فهي تشجّع المسلمين على أن يكونوا أكثر وعيًا في قراراتهم، وأكثر إنصافًا في تعاملاتهم، وأشدّ رحمة بالآخرين.
وتتجلّى الجوانب المشرقة لفهم مقاصد الشريعة في إدراك أن المسؤولية الدينية تمتد إلى جميع جوانب الحياة؛ فهي تنعكس في طريقة حديثنا، وكسبنا للرزق، وتربيتنا لأبنائنا، ومعاملتنا لجيراننا، ومواقفنا من الظلم.
وتعلّمنا مقاصد الشريعة ألا نكتفي بالسؤال: "ماذا يطلب مني الإسلام؟"، بل أن نسأل أيضًا: "كيف أستطيع تطبيق تعاليمه في حياتي على نحو يصون الكرامة، ويعزز العدل، ويحقّق الخير للبشرية؟".