إيمان سكينة
دخل الذكاء الاصطناعي بهدوء في معظم جوانب الحياة الحديثة. فنحن نستخدمه لكتابة رسائل البريد الإلكتروني، وترجمة اللغات، والبحث عن المعلومات، والتخطيط ليومنا، وحتى لتعلّم مهارات جديدة. ولم يكن سوى مسألة وقت قبل أن يبدأ المسلمون في طرح سؤال مهم: "هل يمكن أن يساعدنا الذكاء الاصطناعي أيضًا على فهم الإسلام وممارسته؟".
والجواب ليس نعم بسيطة ولا رفضًا مطلقًا.
فالإسلام لا يرفض التكنولوجيا النافعة لمجرد أنها جديدة. ويذكّرنا القرآن بأن الله سخّر للإنسان أشياء كثيرة في الخلق لينتفع بها. لكن الإسلام يعلّمنا أيضًا تحمّل المسؤولية، والتحقق من المعلومات، واحترام العلم. وتزداد أهمية ذلك بصورة خاصة عندما تدخل التكنولوجيا إلى مجال القرآن والحديث والفقه الإسلامي.
الذكاء الاصطناعي ودراسة القرآن
يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي "مساعدًا دراسيًا" مفيدًا. فيمكن أن يطلب أحد منه شرح الموضوع العام لسورة ما، أو مقارنة الترجمات، أو تحديد الموضوعات القرآنية المتكررة، أو إعداد خطة للمراجعة، أو المساعدة في العثور على الآيات التي تتناول الصبر أو الشكر أو العدل أو المغفرة.
كما يمكنه مساعدة الطلاب على تنظيم كميات كبيرة من المعلومات. وقد أقرت دراسات إسلامية حديثة بأن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في البحوث القرآنية، والتدرب على التلاوة، والحفظ. فعلى سبيل المثال، ذكرت دار الإفتاء المصرية أن المصاحف الإلكترونية وأدوات التلاوة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون جائزة للمساعدة في القراءة والحفظ، شريطة مراجعة النص القرآني والتلاوة مراجعة صحيحة.
لكن هناك حد مهم لا ينبغي تجاوزه: "لا ينبغي أن يصبح الذكاء الاصطناعي مرجعنا المستقل في التفسير".
وفي يناير 2026، حذّرت دار الإفتاء المصرية على وجه التحديد من الاعتماد الكامل على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تفسير القرآن. والمخاوف هنا بسيطة: فقد ينتج نظام الذكاء الاصطناعي إجابة تبدو واثقة، بينما يخلط بين المصادر، أو يسيء فهم السياق، أو يقدم تفسيرًا من دون الأدوات العلمية اللازمة للتفسير.
ويقدم لنا القرآن نفسه مبدأً للتحقق والتثبت: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (القرآن الكريم، 16:43).
فيمكن أن يساعدنا الذكاء الاصطناعي في الوصول إلى الباب، لكنه لا ينبغي أن يتظاهر بأنه العالم الواقف خلف ذلك الباب.
ماذا عن الفتاوى؟
هنا تحديدًا تزداد الحاجة إلى مزيد من الحذر. فالفتوى ليست مجرد إجابة يتم التوصل إليها من خلال البحث في المعلومات الدينية. إذ ينظر العالم المؤهل في القرآن والسنة، وأصول الفقه الإسلامي، واختلافات العلماء، والظروف المحيطة بالمسألة، والنية، والتفاصيل الخاصة بحالة السائل.
وقد أكّدت مجمع الفقه الإسلامي الدولي أهمية الذكاء الاصطناعي في البحث وجمع الأدلة، لكنه شدّد على أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يؤدي بصورة مستقلة الاجتهاد العلمي المطلوب لإصدار الفتاوى.
وذهبت دار الإفتاء المصرية إلى أبعد من ذلك، إذ ذكرت أن الاعتماد على الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي باعتبارها فتاوى غير جائز، لأن الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى المؤهلات والحكم المبني على فهم السياق اللازمين للمفتي.
لذلك، إذا سأل شخصٌ الذكاء الاصطناعي: "ماذا يقول الإسلام في هذه المسألة؟"، فقد يكون ذلك مفيدًا كنقطة بداية للبحث. لكن عندما يتعلق السؤال بالزواج، أو الطلاق، أو الميراث، أو الالتزامات المالية، أو الظروف الطبية، أو أي مسألة أخرى ذات أهمية كبيرة، فينبغي أن يكون القول الفصل لعالم موثوق ومؤهل.
ماذا عن الأدعية اليومية؟
هذا المجال مختلف إلى حدّ ما. يمكن أن يكون استخدام الذكاء الاصطناعي لـ"العثور على الأدعية المأثورة وترتيبها وتذكّرها" أمرًا نافعًا. فقد يطلب شخصٌ أدعية من القرآن والأحاديث الصحيحة للسفر، أو القلق، أو الشكر، أو الوالدين، أو طلب الحماية، أو بدء مهمة جديدة، ولكن التحقق يظل مهمًا.
فليس كل دعاء متداول على الإنترنت واردًا في القرآن أو السنة، وقد ينسب الذكاء الاصطناعي أحيانًا، وبثقة، كلمات إلى النبي ﷺدون أن يكون لها مصدر موثوق.
وهناك سؤال أعمق أيضًا: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي "ليساعِدنا على تذكّر الله، أم ليحلّ محل العلاقة الشخصية التي ينبغي أن تكون لنا معه؟" فالدعاء الذي يصوغه الذكاء الاصطناعي بأسلوب جميل لا يمكن أن يحل محل المناجاة الصادقة لله. ويمكن أن تذكّرنا التكنولوجيا بالدعاء، لكنها لا تستطيع أن تخلق الإخلاص في قلوبنا.
ولذلك، فإن النهج الأكثر سلامة هو أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره "أداة"، لا مرجعًا دينيًا. ويمكن استخدامه للبحث، والتنظيم، والمراجعة، والترجمة، والتعلّم. وينبغي التحقق من الاقتباسات القرآنية التي يوردها ومن مراجع الأحاديث التي يستند إليها، والرجوع إلى كتب التفسير الموثوقة والمصادر الصحيحة. وأما في المسائل التي تتطلب فتوى، فينبغي استشارة العلماء المؤهلين.
اقرأ أيضًا: بين العبادة والمسؤوليات.. كيف تجد الأم مساحة للراحة؟
ويمكن أن يجعل الذكاء الاصطناعي الوصول إلى المعرفة الدينية أكثر سهولة، لكن سهولة الوصول يجب ألا تُخلط أبدًا بالمرجعية العلمية.
وينبغي ألا يكون مستقبل الإسلام والتكنولوجيا قائمًا على منافسة بين الإنسان والآلة، بل على توظيف المعرفة البشرية والضمير والإيمان لضمان بقاء التكنولوجيا القوية في خدمة الحقيقة، بدلًا من أن تتحول إلى بديل عنها.