من الحلبة المحلية إلى العالمية.. صعود نجمة الملاكمة الهندية

30-03-2026  آخر تحديث   | 30-03-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
ألفية باثان
ألفية باثان

 


 غلام قادر/ ناغبور 

حين تتصادم قفازات الملاكمة، لا يبقى صداها حبيس الحلبة، بل يمتد ليتردد عبر صفحات التاريخ. وهذا الصدى يحمل اليوم اسم ألفية باثان، الشابة البالغة من العمر 24 عامًا من ناغبور. وعندما تسترجع ألفية بداياتها، ترتسم على وجهها ابتسامة هادئة تكاد تكون طفولية. وتتذكر الأيام التي أصرت فيها على تعلّم الملاكمة من والدها أكْرَم باثان. ففي مجتمع محافظ، ومع قلق الأب على سلامة ابنته، رفض في البداية رفضًا قاطعًا، ولكن الإصرار المتقد في عينيها أذاب تردده، فوافق أخيرًا بشرط واحد: "كل ما يحدث في الحلبة سيكون أمام عيني".

ومنذ ذلك اليوم، لم ترفع ألفية اسم ناغبور وماهاراشترا فحسب، بل رفعت العلم الهندي على الساحة العالمية، مؤكدة أن الإرادة الصلبة قادرة على كسر كل القيود. وتبدو رحلة ألفية وكأنها سيناريو فيلم سينمائي. والمفارقة أن شرارة هذه الملاكمة القوية اشتعلت على شاشة السينما. فقد كان شقيقها شكيب باثان يمارس الملاكمة، ومشاهدته في الحلبة أيقظت في داخلها شغفًا لا يُقاوم. وفي الوقت نفسه، جاء فيلم "Mary Kom" من بطولة بريانكا تشوبرا ليوقظ الملاكمة الكامنة داخلها. كما أن رؤيتها للفتيات يتدرّبن في مجمع مانكابور الرياضي حوّلت فضولها إلى شغف حقيقي. غير أن الطريق لم يكن سهلًا؛ إذ وقفت التقاليد العائلية والقيود الاجتماعية عائقًا أمامها، لكنها واصلت المحاولة -بين الرجاء والإصرار- حتى حصلت على الإذن لدخول الحلبة. 

وتنافس ألفية في فئة الوزن 81 كغ، وتُعرف بأسلوبها المميز في الملاكمة، حتى لُقبت بـ"فتاة أحلام ناجبور" و"الفولاذ الجديد في الملاكمة الهندية". وقد أعلنت عن بزوغ نجمها ووصولها إلى الساحة العالمية من خلال فوزها بالميدالية الذهبية في بطولة العالم للملاكمة للشباب التي نظمها الاتحاد الدولي للملاكمة في مدينة كاليز البولندية.

وفي المباراة النهائية، واجهت خصمًا قويًا هي البطلة الأوروبية داريا كوزورِز من مولدوفا. لكن ألفية بدت في ذلك اليوم وكأنها مصنوعة من معدن مختلف؛ إذ فازت عليها بقرار نظيف بنتيجة 5–0. وكل من شاهد النزال أدرك أنها لم تفقد السيطرة ولو للحظة. ولقد تُوِّجت بطلةً للعالم بفضل رشاقتها، ولكماتها الدقيقة، وقدرتها على قراءة نقاط ضعف الخصم.

وتتجلّى في شخصية ألفية باثان صورتان متباينتان؛ فخارج الحلبة، يرتسم على وجهها براءة وفضول طفلة تعشق طبق "البرياني" وتستمتع بالرسم في أوقات فراغها. ولكن ما إن تدخل الحلبة حتى يتحول تعبيرها إلى إصرار حادّ، وتقول: "داخل الحلبة، أكون بلا مشاعر، لأن الملاكمة علّمتني التحكم في سلوكي". ويصفها مدربها الأول غانيش بورهِيت بأنها رياضية متكاملة قوية وسريعة، وقبل كل شيء تمتلك روحًا لا تقبل الهزيمة.

وخلال مسيرتها، كان والدها سندها الأول؛ فالرجل الذي عارض الملاكمة يومًا ما أصبح يرافقها في كل بطولة كظلّها. وعندما كرّمتها شرطة ماهاراشترا، كان فخر والدها وابتسامته أعظم قيمة لديها من أي ميدالية ذهبية. ومن أبرز محطات مسيرتها مشاركتها في كأس السيدات للناشئات في صربيا عام 2018م، حيث أحرزت الميدالية الفضية، معلنة انطلاقتها الدولية. ومنذ ذلك الحين، لم تنظر إلى الوراء؛ ففي عام 2019م، أحرزت الذهبية في بطولة آسيا للناشئات بعد فوزها على ملاكمة من كازاخستان، لترسّخ اسمها بين أبرز الملاكمات في البلاد.

ورغم تقديرها الكبير للنجمات مثل ماري كوم، ونكهت زرين"، فإن ألفية تُعبّر عن ملاحظة هادئة، قائلة: "الجميع يتحدث عن ماري كوم ونكهت، لكن هناك العديد من الملاكِمات مثلي يحققن إنجازات بهدوء". كما تجمعها صداقة قوية بـ نكهت زرين، وتُظهر صورهما على وسائل التواصل روحًا رياضية حقيقية. 

وُلدت ألفية باثان في 18 فبراير 2003م، وارتدت قفازات الملاكمة لأول مرة وهي في الرابعة عشرة من عمرها. وقد صقلت التدريبات الشاقة التي تصل إلى 28 ساعة أسبوعيًا، إلى جانب تحديات الفقر، عزيمتها أكثر فأكثر. واليوم، لم تعد مجرد ملاكمة، بل أصبحت مصدر إلهام لآلاف الفتيات اللواتي يحلمن بكسر القيود وتحقيق طموحاتهن. ومع تطلعها إلى تحقيق المجد الأولمبي، برزت ألفية باثان كنجم ساطع في سماء الرياضة الهندية، ولن يخبو بريقها لسنوات طويلة قادمة.

قصص مقترحة