أديبة إنعام شيخ.. ابنة سائق "أوتو ريكشا" التي أصبحت أول مسلمة من ماهاراشترا في الخدمة الإدارية الهندية

01-06-2026  آخر تحديث   | 01-06-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
أديبة إنعام شيخ
أديبة إنعام شيخ

 


 بهاكتي شالاك/ماهاراشترا

في سلسلة "پرواز"، نأخذكم إلى قصة "أديبة إنعام أشفاق أحمد شيخ". فقد حققت أديبة إنجازًا نادرًا بكونها أول امرأة مسلمة من ماهاراشترا تنضم إلى سلك الخدمة الإدارية الهندية، وهي صاحبة رحلة ملهمة مليئة بالكفاح والانتصار. فلنقترب من تفاصيل حياتها الحافلة بالتحديات والنجاح. 

في أبريل 2025م، استحوذ خبر بثّته وسائل الإعلام على اهتمام ولاية ماهاراشترا بأكملها، إذ صُنِع التاريخ في ذلك اليوم مع إعلان النتائج النهائية لامتحان الخدمة المدنية الهندية لعام 2024م، حيث حصلت ماهاراشترا على أول امرأة مسلمة تتأهل إلى منصب ضابط الخدمة الإدارية الهندية. فقد أصبحت ابنة سائق "أوتو ريكشا" مسلم بسيط من قرية صغيرة في منطقة ياتمال ضابطةً إدارية، وانتشر الخبر بسرعة كبيرة، لتعمّ موجة من الفرح مختلف أنحاء ماهاراشترا.

فخر الأب وكفاحه

تنحدر أديبة إنعام في الأصل من منطقة ياتمال بولاية ماهاراشترا. وغالبًا ما تتصدر مدينة ياتمال عناوين الأخبار بسبب حالات انتحار المزارعين والأوضاع الاقتصادية الصعبة. ويعمل والد أديبة، أشفاق أحمد شيخ، سائق "أوتو ريكشا"، بينما والدتها ربة منزل، ولديها شقيقان أصغر منها سنًا. وكانت الأوضاع المالية لهذه الأسرة متواضعة دائمًا. ورغم الصعوبات المالية القاسية، تمكنت أديبة من أن تصبح ضابطة إدارية. وبكل فخر، يقول والدها أشفاق رافعًا رأسه اعتزازًا بابنته: 

 

"الصباح مضيء، والمساء مضيء… ونظام الحياة كله مضيء. الناس يفتخرون بأبنائهم الذكور، أما أنا فقد أضاء اسمي بفضل ابنتي". ويضيف قائلاً: "لم أفرّق يومًا بين الابن والبنت. كانت ابنتي موهوبة للغاية منذ طفولتها، وقد أدركت هذه الموهبة فيها منذ وقت مبكر، لذلك اتخذت قرارًا حاسمًا بتوفير تعليم جيد لها، ومن أجل ذلك حاربت حتى ظروفي الصعبة".

ويواصل أشفاق أحمد شيخ حديثه قائلاً: "لم تكن رحلة أديبة حتى هذه المرحلة سهلة. لقد اضطررنا جميعًا لتحمل ضغوط نفسية كبيرة. وكنا نستمع باستمرار إلى تعليقات وانتقادات من المجتمع، لكنني تجاهلت كل ذلك تمامًا. ولم أسمح أبدًا بأن يؤثر ذلك على تعليمها. كان هدفنا الوحيد هو تعليمها وجعلها ضابطة".

التعليم والتحول نحو الخدمة المدنية 

أكملت أديبة إنعام شيخ تعليمها الابتدائي في مدرسة مجلس المنطقة الابتدائية الأردية في منطقة ظفرنغر. وبعد ذلك، أنهت تعليمها المدرسي في مؤسسة حكومية بمدينة ياتمال. وقد كانت متفوقة في دراستها منذ أيام المدرسة، وتميزت بشكل خاص في مادة الرياضيات. وحققت نجاحًا لافتًا في امتحاني الصفين العاشر والثاني عشر. وبهدف تحصيل التعليم العالي، انتقلت إلى بونه، حيث حصلت على درجة البكالوريوس في الرياضيات. وخلال فترة دراستها الجامعية، بدأت تتولد لدى أديبة رغبة في الالتحاق بالخدمة المدنية. فقد أدركت آنذاك "أن الخدمة المدنية تُعد وسيلة ممتازة لإحداث تغيير في المجتمع وحل مشكلات الناس". وفي نهاية المطاف، حققت هذا الإنجاز الكبير بعد أن حصلت على المرتبة 142 على مستوى الهند في محاولتها الرابعة.

دعم الأسرة والرحلة إلى بونه 

لم يتمكن والد أديبة، أشفاق أحمد شيخ، من إكمال تعليمه بسبب بعض الظروف، لكنه كان قد عقد العزم على ألا يعاني أطفاله مما اضطر هو إلى تحمله. ولذلك، كان التعليم يحظى دائمًا بالأولوية القصوى داخل أسرة أديبة. وحتى في أصعب الظروف، لم يسمح والدها للفقر بأن يحرق أحلام ابنته. وتقول أديبة متأثرة: "حتى عندما كانت الأوضاع المالية لعائلتي صعبة للغاية، لم يطلب مني والداي أبدًا ترك الدراسة. وكان كثير من الناس ينصحونني بالبحث عن عمل. كما أن العديد من الفتيات والفتيان من حولي كانوا يتركون الدراسة من أجل العمل، أو يعملون إلى جانب الدراسة، لكن والديّ لم يمارسا عليّ أي ضغط للحصول على وظيفة".

 

وقد انتقلت أديبة إلى بونه لإكمال دراستها الجامعية. ولم يكن الانتقال من بلدة صغيرة إلى مدينة كبيرة والعيش بمفردها أمرًا سهلًا. ففي البداية، واجهت صعوبات كثيرة، واضطرت إلى تدبير كل شيء بنفسها، من الطعام والسكن إلى التنقل، إلى جانب ألم الابتعاد عن المنزل والضغط الكبير للدراسة. وفي ظل هذه الظروف الصعبة، وقفت أسرتها إلى جانبها بثبات، ومنحتها الدعم والثقة. وتقول أديبة: "نحن نعيش في مجتمع أبوي، لكن أسرتي لم تفرّق يومًا بين الذكر والأنثى، بل ربّتني بالمحبة والاهتمام نفسيهما اللذين حظي بهما شقيقاي. وعلى العكس، كانوا دائمًا يشجعونني على أن أحلم أحلامًا كبيرة وأسعى لتحقيقها بالإصرار والعزيمة".

الطريق من الفشل إلى النجاح 

لم تكن هذه الرحلة خالية من الإخفاقات. فقد فشلت أديبة إنعام في أول محاولتين لها في الامتحانات التنافسية. وفي إحدى المرات، وصلت حتى مرحلة المقابلة الشخصية، لكنها أخفقت بفارق ضئيل في الوصول إلى القائمة النهائية. ومع ذلك، لم تستسلم، بل بدأت من الصفر مرة أخرى. وكان تحمّل الأعباء المالية خلال تلك الفترة تحديًا كبيرًا. وبعد ذلك، التحقت بمعهد "حج هاوس" لتدريب الخدمة المدنية، ثم بأكاديمية الجامعة الملية الإسلامية السكنية للتدريب في دلهي. وبفضل توجيهات هذه المؤسسات وقوة عزيمتها الذاتية، استطاعت أن تنهض من جديد. 

 

وروت أديبة حادثة لافتة من رحلتها نحو أن تصبح ضابطة إدارية. ففي مرحلة المقابلة الشخصية، يُختبر جانب الشخصية لدى المتقدمين. وقد طرح عليها أعضاء لجنة المقابلة أسئلة تتعلق بخلفيتها الاجتماعية والقضايا المجتمعية السائدة في ماهاراشترا، كما سألوها تحديدًا عن التغييرات التي ترغب في تحقيقها بصفتها مسؤولة إدارية امرأة. وبفضل وضوح أفكارها وثقتها العالية بنفسها، تركت انطباعًا قويًا لدى لجنة المقابلة. وفي نهاية المطاف، اجتازت أديبة جميع المراحل وأصبحت ضابطة في الخدمة الإدارية الهندية. وقد أدى الالتزام والاستمرارية في الدراسة دورًا كبيرًا في نجاحها، إذ كانت تدرس يوميًا ما بين 8 و10 ساعات، كما كان من أساسيات روتينها اليومي قراءة الصحف وتدوين ملاحظاتها الخاصة.

رسالة أديبة إلى الفتيات الشابات

 تؤكد أديبة إنعام شيخ أن الاستمرارية والصبر عنصران أساسيان لتحقيق أي نوع من النجاح. وتقول: "إن خوضي أربع محاولات للوصول إلى هدفي كان في الحقيقة اختبارًا لصبري. لكن ليس من الصواب إظهار الصبر في كل مرة؛ لأن هناك أوقاتًا تحدث فيها مواقف يُظلَم فيها شخص ما بينما نقف متفرجين، وفي مثل هذه الحالات لا بد من رفع الصوت بدلًا من الاكتفاء بالصبر". 

ويُعد نجاح أديبة مثالًا ملهمًا للفتيات المنحدرات من الأقليات والمناطق الريفية. وتوجه رسالة إلى الفتيات اللاتي يحملن أحلامًا كبيرة مثلها، فتقول: "أريد أن أقول لصديقاتي اللواتي يدرسن في المناطق الريفية: مهما كانت ظروفكن، اجعلن أحلامكن كبيرة، ولا تبتعدن أبدًا عن التعليم. والأهم من كل ما يحدث في المجتمع أو حولكن هو مقدار تركيزكن على أهدافكن. واعملن بجد، وكونوا ثابتات، وآمنّ بأنفسكن، فالنجاح سيكون حليفكن بالتأكيد".

اقرأ أيضًا: الدكتورة سيد مبين زهرة.. مسيرة أكاديمية تتجاوز حدود قاعات الدراسة

وتختتم حديثها قائلة: "صوّبوا نحو القمر، فعندها فقط يمكنكم الوصول إلى النجوم. وإذا أردتم تحقيق شيء في الحياة، فتعلّموا دائمًا أن تحلموا أحلامًا كبيرة. ويجب أن يكون للإنسان هدف في حياته، حتى يتذكره الناس بعد وفاته بسبب أعماله العظيمة".

ومن خلال عملها في الخدمة المدنية، تطمح أديبة الآن إلى العمل من أجل الفئات المحرومة، ولا سيما في مجال تعليم الفتيات. وبنجاحها في تجاوز الظروف القاسية، أثبتت أن فتاة تنتمي إلى أسرة بسيطة جدًا يمكنها أيضًا أن تصبح مسؤولة إدارية كبيرة.

قصص مقترحة