الدكتورة شبينة حسن.. عالمة آثار من آسام تحفظ التاريخ وتبني الوعي الثقافي

03-06-2026  آخر تحديث   | 03-06-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
الدكتورة شبينة حسن.. عالمة آثار من آسام تحفظ التاريخ وتبني الوعي الثقافي
الدكتورة شبينة حسن.. عالمة آثار من آسام تحفظ التاريخ وتبني الوعي الثقافي

 


 دولت رحمن/ آسام

في زاوية هادئة من المشهد الأكاديمي والثقافي بولاية آسام، تواصل عالمة الآثار الشابة الدكتورة شبينة حسن إعادة صياغة رواية الحفاظ على التراث بخطوات ثابتة. وتشغل الدكتورة شبينة حسن منصب نائبة مدير مديرية الآثار في آسام، وتمثل نموذجًا نادرًا يجمع بين الصمود والشغف والإحساس بالرسالة. وتعكس مسيرتها -من طالبة في علم الإنسان إلى شخصية بارزة تقف خلف أحد أهم إنجازات الاعتراف بالتراث في الهند- ليس فقط نجاحًا مهنيًا، بل أيضًا مسيرة من التحول الشخصي والمثابرة. 

وتخرجت الدكتورة حسن في مدرسة سانت ماري كونفينت بمدينة غواهاتي، ثم تابعت تعليمها العالي في كلية كوتون، قبل أن تحصل على درجة الماجستير في علم الإنسان من جامعة غواهاتي مع تخصص في علم آثار ما قبل التاريخ المتقدم. ونالت درجة الدكتوراه عام 2021م عن أطروحتها المتعلقة بالمنحوتات الصخرية للإله غانيشا في منطقة كامروب.

غير أن طريق الدكتورة شبينة حسن إلى عالم الآثار لم يكن طموحًا مخططًا له منذ البداية. فقد غيّر الزواج المبكر أولوياتها، وما بدأ في البداية كضرورة لبناء مسيرة مهنية تحول تدريجيًا إلى شغف عمرها كله. وفي عام 2009م، انضمت إلى مديرية الآثار في ولاية آسام بصفتها مسؤولة للاستكشافات الأثرية، إلا أن سنواتها الأولى كانت مليئة بالتحديات العاطفية، خاصة فيما يتعلق بالموازنة بين العمل الميداني ودورها كأم. وكان ترك طفلها الصغير أثناء الرحلات الاستكشافية أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة إليها، لكن شغفها المتزايد بعلم الآثار ساعدها على الاستمرار. ومع مرور الوقت، تحولت متعة اكتشاف التاريخ والتواصل مع الماضي إلى قوة دفعتها لتصبح عالمة آثار ملتزمة ومتفانية في عملها.

 

واليوم، تصف الدكتورة شبينة حسن تجربة الإمساك بالقطع الأثرية ومحاولة تجميع خيوط التاريخ الإنساني بأنها تجربة "ساحرة" بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ويُعد أحد أبرز الفصول المفصلية في مسيرتها المهنية دورها المحوري في حصول موقع تشارايديو مايدام على صفة موقع تراث عالمي من منظمة اليونسكو في يوليو 2024م. وخلال المشروع الذي استمر ثلاث سنوات، عملت شبينة حسن أولًا بصفتها مسؤولة فنية، ثم نائبة للمدير، حيث شاركت بعمق في مختلف مراحل العمل، بدءًا من الحفريات وإدارة الموقع، وصولًا إلى إنشاء متحف ومركز معلومات سياحي.

غير أن هذه العملية لم تكن سهلة على الإطلاق. فقد شكّل كسب ثقة المجتمعات المحلية أكبر التحديات، الأمر الذي تطلب ما يقرب من عام كامل من التواصل المستمر والحوار المتواصل معهم. وتشير الدكتورة شبينة حسن إلى أن النجاح الذي تحقق في النهاية كان ثمرة للعمل الجماعي، والمثابرة، والالتزام المشترك بالحفاظ على التراث الثقافي. وإلى جانب إنجازاتها الميدانية، فإن إسهامها في خدمة المجتمع من خلال دورها في الإدارة الحكومية يُعد واسع الأثر وذا أهمية كبيرة. فمن خلال عملها ضمن الهيكل الحكومي، تؤدي دورًا مهمًا في صياغة السياسات المتعلقة بحماية التراث، بما يضمن الحفاظ على الإرث التاريخي الغني لولاية آسام للأجيال القادمة.

وتسهم جهود الدكتورة شبينة حسن في ردم الفجوة بين الإدارة الحكومية والمجتمعات المحلية، من خلال تعزيز الوعي والمشاركة المجتمعية وتنمية الشعور بالمسؤولية لدى الناس تجاه تراثهم الثقافي. ومن خلال مبادرات مثل تطوير البنية التحتية للمواقع الأثرية، وتشجيع السياحة التراثية، وتحفيز مشاركة المجتمع المحلي، فإنها لا تعمل فقط على حماية الماضي، بل تسهم أيضًا في دعم سبل العيش المستدامة وتعزيز التنمية الإقليمية. ويبرز عملها كيف يمكن لعلم الآثار، عندما يحظى بدعم الإدارة الفعالة والسياسات الحكومية المناسبة، أن يتحول إلى أداة قوية للتعليم، وبناء الهوية، وتحقيق النمو الاجتماعي والاقتصادي.

ولا يقتصر عمل الدكتورة شبينة حسن على موقع تشارايديو مايدام فحسب، بل يمتد إلى مشاريع أثرية أخرى بارزة. ومن بين أبرز هذه المشاريع أعمال التنقيب التي قادتها في قرية خوباك بمنطقة ديما هاساو. وقد أُجريت أعمال الحفر في ظروف بالغة الصعوبة، في ظل غياب الكهرباء وشبكات الاتصال، إلا أن المشروع أسفر عن اكتشاف هياكل حجرية ضخمة ونادرة لم يُسجل مثيل لها من قبل في الهند. وتشبه هذه المعالم الفريدة الجرار الحجرية القديمة المكتشفة في لاوس، ما يشير إلى احتمالات وجود أنماط هجرة قديمة وروابط تاريخية مع مناطق جنوب شرق آسيا. ويرى الباحثون أن هذه الاكتشافات قد تسهم بصورة كبيرة في إعادة تشكيل الفهم التاريخي لثقافات ما قبل التاريخ في شمال شرق الهند.

ولم تمر إسهامات الدكتورة شبينة حسن دون تقدير، إذ حصل مشروع تشارايديو مايدام على جائزة "كارماشري" المرموقة، وهي جائزة يمنحها كبير الوزراء لولاية آسام تقديرًا للتميّز في الإدارة العامة لعام 2023-2024م. وتصف شبينة هذا التكريم بأنه "أضاف ماسة جديدة إلى تاجها". وفيما يتعلق بخططها المستقبلية، تركز الدكتورة حسن على جعل علم الآثار أكثر شمولًا وسهولة في الوصول إلى الناس. ومع وجود 171 موقعًا أثريًا في مختلف أنحاء آسام مقابل عدد محدود من العاملين، تؤكد أهمية إشراك المجتمعات المحلية، وتعزيز التعاون، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في جهود الحفاظ على التراث. ولا يقتصر اهتمامها على العمل الميداني فقط، بل تكرّس جانبًا من جهودها أيضًا للكتابة الأكاديمية والتوعية المجتمعية، سعيًا إلى إثارة فضول الأجيال الشابة وغرس الشعور بالفخر بالتراث الثقافي لديهم.

 https://www.awazthevoice.in/upload/news/1780389040Chabina_Hassan_(left)_in_her_field_work.jpeg

وفي حديثها عن النظرة المجتمعية، ولا سيما ما يتعلق بدور المرأة العاملة داخل المجتمع المسلم، تتحدث الدكتورة شبينة حسن عن تجربتها الشخصية بكثير من الامتنان. فقد حظيت بدعم والد ذي فكر منفتح وأسرة مشجعة، ولم تُجبر يومًا على التخلي عن طموحاتها أو التنازل عنها. وترى أن توفير بيئة داعمة، إلى جانب امتلاك العقلية الصحيحة، يُعدان عنصرين أساسيين في تمكين النساء من السعي وراء أهدافهن وتحقيق طموحاتهن.

اقرأ أيضًا: ضابطة مسلمة من مالابار تكرّس عملها لخدمة الفئات الهشّة في كيرالا

وفيما يتعلق بتراجع اهتمام الأجيال الشابة بالتاريخ، تقدم الدكتورة شبينة حسن رؤية متوازنة للموضوع. فهي ترى أن أساليب التدريس التقليدية قد تبدو مملة أحيانًا، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن التاريخ وعلم الآثار يمكن أن يصبحا أكثر تشويقًا وجاذبية عندما يُقدَّمان من خلال القصص والتجارب الواقعية. وتشدد قائلة: "إن الماضي يحمل الكثير مما يمكن أن نتعلمه"، داعيةً إلى اعتماد أساليب تعليمية أكثر تفاعلية وقربًا من حياة الناس واهتماماتهم.

وإن قصة الدكتورة شبينة حسن لا تتعلق فقط بالحفريات والاكتشافات الأثرية، بل هي أيضًا قصة شجاعة وقدرة على التكيف وسعي متواصل لربط الناس بجذورهم وهويتهم الثقافية. ومن خلال ذلك، فهي لا تعمل على حفظ التاريخ فحسب، بل تسهم بصورة فاعلة في خدمة المجتمع عبر تعزيز الوعي الثقافي، ودعم تنمية المجتمعات المحلية، والمساهمة في بناء مستقبل أكثر معرفة ووعيًا بأهمية التراث الحضاري.

قصص مقترحة