ضابطة مسلمة من مالابار تكرّس عملها لخدمة الفئات الهشّة في كيرالا

02-06-2026  آخر تحديث   | 02-06-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
ضابطة مسلمة من مالابار تكرّس عملها لخدمة الفئات الهشّة في كيرالا
ضابطة مسلمة من مالابار تكرّس عملها لخدمة الفئات الهشّة في كيرالا

 


إم. سريلاتا

كثيرًا ما يتساءل المرء في أي يوم عادي، وهو يقف منتظرًا عند موقف الحافلات، عمّن قام بتنظيف الشوارع في وقت مبكر من الصباح. أو يتساءل كيف لم تتحول المدينة إلى مكبّ نفايات، رغم الكمّ الكبير من القمامة التي يخلّفها كل منزل أو متجر يوميًا. أو ربما يتساءل عن العكس أيضًا. 

وفي الواقع، تتولى هذه المهام -سواء أُنجزت كما ينبغي أم لا- أنظمةٌ عامة تبقى في معظم الأحيان غير مرئية للناس. فالقمامة تختفي من الشوارع، وتصل برامج الرعاية الاجتماعية إلى بعض الناس بينما تُفوّت آخرين، وتعمل المكاتب الحكومية عبر الملفات والموافقات الإدارية. ولكن وراء هذه النتائج اليومية يوجد مسؤولون وإداريون لا يعملون بوصفهم مجرد صناع قرار بمعزل عن الآخرين، بل بوصفهم منسقين لمنظومات معقدة وحية تضم أعدادًا كبيرة من العاملين.

 https://www.awazthevoice.in/upload/news/1780313180Dr_Adeela_Abdulla_IAS_1.webp

وتنتمي الدكتورة عديلة عبد الله، وهي ضابطة في الخدمة الإدارية الهندية، إلى هذا النوع من المهنيين في مجال الإدارة والحكم. وتُعرف في كيرالا بأنها من أوائل النساء المسلمات من منطقة مالابار اللاتي التحقن بالخدمة المدنية الهندية. وتشغل اليوم منصب السكرتير الخاص في دائرة العدالة الاجتماعية بحكومة كيرالا، وهو موقع يُعد من أكثر مواقع الإدارة العامة حساسية، حيث تلتقي السياسات الحكومية مباشرة مع الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع. وتتعامل دائرة العدالة الاجتماعية مع فئات غالبًا ما تبقى على هامش الاهتمام والظهور، مثل الأشخاص ذوي الإعاقة، وكبار السن، ومجتمعات المتحولين جنسيًا، وغيرهم ممن لا يعتمدون على الدولة من أجل الدعم فقط، بل من أجل الحفاظ على كرامتهم الإنسانية أيضًا. 

وفي هذا المجال، لا تقتصر الإدارة على مجرد تحريك الملفات والإجراءات الروتينية، بل تتمثل في ضمان وصول الأنظمة والبرامج إلى الناس بصورة فعلية وملموسة على أرض الواقع. 

 https://www.awazthevoice.in/upload/news/1780313212Dr_Adeela_Abdulla_IAS_2.jpg

فمن جهة، تتعامل هذه الإدارات مع أعداد كبيرة من المستفيدين، ومن جهة أخرى، يتعين عليها الاستجابة لاحتياجات متنوعة ومختلفة. وهنا يتمثل دور مسؤولة مثل الدكتورة عديلة عبد الله في أن تكون حلقة الوصل بين البرامج الحكومية والناس، وأن تضمن وصول هذه البرامج إلى الفئات المستهدفة.

وقبل توليها هذا المنصب، ارتبطت الدكتورة عادلة عبد الله بأحد أكثر مشاريع الإدارة الحضرية طموحًا في ولاية كيرالا، وهو "مشروع إدارة النفايات الصلبة بكيرالا". وكان المشروع يسعى إلى تحقيق هدف معقد يتمثل في تنظيم جميع مراحل إدارة النفايات، بدءًا من جمعها وفرزها ومعالجتها، وصولًا إلى التخلص منها بصورة سليمة. وامتد المشروع عبر 93 هيئة حضرية محلية، على مستويات الولاية والمناطق والبلوكات الإدارية، بدعم من مؤسسات دولية. وفي هذا الإطار، كان على عديلة عبد الله، بصفتها إحدى الركائز الأساسية للمشروع، أن تضمن بقاء جميع حلقات هذه المنظومة مترابطة ومتواصلة بصورة فعالة.

وفي مقال نشرته مجلة "Kerala Calling" الحكومية، كتبت الدكتورة عديلة عبد الله عن هذا المشروع والتحديات التي واجهته، موضحة أنه يركّز على حلول طويلة الأمد لا على المعالجات السريعة والمؤقتة. فبدلًا من التعامل مع إدارة النفايات بوصفها أزمة متكررة، كان الهدف يتمثل في بناء بنية تحتية وقدرات مؤسسية قادرة على الاستمرار لعقود طويلة. 

كما أن عمل عديلة عبد الله الحالي في مجال الرعاية والعدالة الاجتماعية، على غرار مشروعها السابق، يتطلب قدرًا كبيرًا من التنسيق والمتابعة والمساءلة لضمان انتقال السياسات الحكومية إلى واقع ملموس يعيشه الناس على الأرض. ومع ذلك، فإن نجاح هذه البرامج لا يمكن قياسه في يوم واحد، بل إن نتائجه ستسهم في رسم ملامح الولاية خلال السنوات العشر المقبلة. ولهذا، فإن الإداري الذي يعمل خلف الكواليس يؤدي دورًا صامتًا، غالبًا من دون ظهور إعلامي أو إشادة علنية.

ولكن الدكتورة عديلة عبد الله تبدو وكأنها تهيأت منذ طفولتها للقيام بمثل هذا الدور المهم في الإدارة والخدمة العامة. فقد استذكرت مؤخرًا، في منشور عبر  إنستغرام، كيف أن والدتها كانت تنظر يومًا إلى المشردين الذين يعيشون في العراء، وتقول لها إنه إذا امتلكت يومًا ما القدرة على إحداث تغيير عندما تكبر، فعليها أن تساعد من لا يملكون مأوى. 

واليوم، بصفتها السكرتير الخاص في دائرة الرعاية والعدالة الاجتماعية، تشعر عديلة عبد الله بأنها قد تكون قادرة على تحقيق أمنية والدتها؛ تلك الأمنية التي ينبغي -كما يوحي النص- أن تحملها كل أم تجاه جميع الأطفال، مهما كانت خلفياتهم، وهي ألا يضطر أي إنسان إلى النوم في الشوارع بلا مأوى. 

وتقول: إن أحد المشاريع التي أعدّتها من أجل المشردين في المناطق الحضرية استلهم فكرته من تلك الكلمات العميقة التي سمعتها من والدتها منذ سنوات طويلة. وهي تحرص على التمسك بكل مصدر إلهام تستمد منه القوة، وهو ما يسهم في تشكيل شخصيتها بوصفها شخصية تسعى إلى إحداث تغيير إيجابي وخلاق في المجتمع. 

وقبل فترة، حين كانت تتولى رئاسة دائرة التنمية الحضرية، تحدثت عن الشخص الأكثر إلهامًا لها، وقالت إنه والدها الذي تطلق عليه اسم "أوشو عبد الله". وقد تحوّل أحد منشوراتها على الفايسبوك إلى ما يشبه السيرة الذاتية المصغّرة، حين كتبت عن والدها وكيف لا يزال يلهم تصرفاتها وأعمالها حتى اليوم.

وكتبت الدكتورة عديلة عبد الله: "لم أرَ والدي يصلي في حياتي سوى مرة واحدة، وكانت صلاة عيد. لكنه كان دائمًا يشجع الآخرين على الذهاب إلى المسجد. ولم أسمعه يومًا يسخر من أحد أو يتحدث عن الناس بسوء". وأضافت أن والدتها كانت تؤدي الصلاة خمس مرات يوميًا بكل التزام، بينما لم يكن والدها يعارض ذلك مطلقًا، وكانت العلاقة بينهما قائمة على المحبة والتفاهم الكبير. 

 https://www.awazthevoice.in/upload/news/1780313243Dr_Adeela_Abdulla_IAS_3.jpg

وفي مشهد يشبه -كما يوحي النص- فصلًا من أعمال الكاتب رسكن بوند بطابع مالاباري، كتبت تقول: "كان والدي، أثناء سفره عبر منطقة ماهي، يعود محملًا بوجبات التابيوكا المقلية الملفوفة بالأوراق، ومعها الحكايات والقصص. وكنت أنتظره دائمًا، لأن تدفق القصص كان يبدأ مع عودته. وفي تلك الليالي، كانت الأحاديث تمتد حتى يأتي النعاس ببطء". وأضافت: "كنت أجلس مع والدي حتى يغلبه النوم. وفي تلك الليالي تعرّفت إلى رواية "القلعة"، وكتاب "سيدهارتا" لـ هيرمان هِسّه، وقصص إم تي فاسوديفان ناير، وأعمال خوشوانت سينغ... كنت أبقى مستيقظة أستمع وأقرأ وآكل وسط حكاياته حتى ينام، وهناك انفتح أمامي عالم واسع".

وكان الدكتورة عديلة التي درست علم التنجيم، قد عاشت سنوات طويلة في مدينة مدراس. وفي تلك الأيام التي سبقت ظهور  جوجل والإنترنت، كانت الأحاديث التي تدور بينها وبين والدها وبابيتان بمثابة نافذة تطل منها على العالم. 

وتقول الدكتورة عديلة عبد الله: "من خلالهما تعرّفت إلى بلدان وأشخاص وحكايات لم ألتقِ بها في الواقع قط"، مضيفة "هكذا نمت بداخلي فكرة أن أصبح ما أصبحت عليه لاحقًا. ولقد شكّلت تلك العوالم طريقة تفكيري قبل وقت طويل من دخولي الخدمة المدنية. وما زلت أحاول التمسك بالقيم التي تعلمتها آنذاك طوال حياتي. فهي تمنح الشجاعة، ليس لي وحدي، بل أؤمن بأنها قادرة على منح الشجاعة لأي فتاة".

 https://www.awazthevoice.in/upload/news/1780313301Dr_Adeela_Abdulla_IAS_5.jpeg

اقرأ أيضًا: أديبة إنعام شيخ.. ابنة سائق "أوتو ريكشا" التي أصبحت أول مسلمة من ماهاراشترا في الخدمة الإدارية الهندية

كما تحدثت عن المبادئ التي تحملها في قلبها، وهي مبادئ ورثتها عن والدها، وتستمد منها الإلهام بما تحمله من معاني الأمل والعطاء. وكان أول تلك المبادئ هو الأمل؛ إذ كان والدها يقول لها إن وجود شخص واحد فقط على وجه الأرض يعني أن الأمل لا يزال قائمًا. ومن المبادئ الأخرى التي غرست في نفسها أن لا أحد لا يمكن الاستغناء عنه، فالحياة تستمر بوجودنا أو من دوننا، وأن الفشل لا وجود له ما لم يقبل الإنسان به كنهاية، إضافة إلى أهمية الاستمرار في التعلم، وأن على الإنسان أن يفعل الخير ما دام حيًا.

وتصف الدكتورة عديلة عبد الله هذه النصائح بأنها "موتوكال" أي لآلئ ثمينة، مؤكدة أنها تحتل مكانة خاصة في قلبها. ومع طبيعة عملها الذي يمس حياة كثير من الفئات الهشّة والمستضعفة، تبدو هذه اللآلئ من الحكمة وكأنها تمنحها القوة والإلهام في أداء مسؤولياتها الإنسانية والإدارية.

قصص مقترحة