نيودلهي
يُحتفل بيوم الجمهورية في جميع أنحاء البلاد، غير أن العرض العسكري المهيب في "كارتافيا باث" بالعاصمة الوطنية دلهي يظل حدثًا فريدًا من نوعه. فإلى جانب العروض الزاهية التي تُجسّد الثقافة والتراث، يستعرض هذا الحدث القوة العسكرية للبلاد بأسلوب مميّز للغاية.
وبهذه المناسبة، تُوجَّه الدعوة إلى شخصيات بارزة من مختلف أنحاء البلاد بصفتهم ضيوفًا لرئيس الجمهورية، وهم أشخاص قدّموا إسهامات مهمة في مسيرة بناء الوطن. وفي هذا العام، يبرز من بين هؤلاء اسم "تانيا بروين"، رئيسة مجلس سيسوا بورفي القروي (البانشايت) في مقاطعة تشامباران الشرقية بولاية بيهار، التي نجحت في تحويل البانشايت إلى نموذج يُحتذى به على مستوى البلاد.
ولقد أثبتت تانيا بروين أن العمل بإخلاص وتفانٍ قادر على إحداث تغيير حقيقي، وأن القرى يمكنها أيضًا أن تُزوَّد بمرافق وخدمات تضاهي ما هو متاح في المدن. وتقديرًا لجهودها وخدماتها المتميزة، وُجِّهت إليها الدعوة الرسمية لتكون ضيفةً خاصة بمناسبة الاحتفالات بيوم الجمهورية لعام 2026م التي تقام في نيودلهي.
ومن اللافت أن تانيا بروين، بعد حصولها على شهادة في الهندسة ووظيفة حكومية، قررت ترك منصبها عندما رأت الأوضاع المتردية في قريتها، وقررت دخول معترك السياسة المحلية. ومع توليها منصب رئيس المجلس القروي في سنٍّ مبكرة، استطاعت بحكمتها وقيادتها أن تُحدث تحولًا شاملًا في القرية، فغيّرت ملامحها وارتقت بمستوى الخدمات والحياة فيها.
وتشغل تانيا بروين منصب رئيس المجلس القروي منذ عام 2016م. ويشكّل أبناء الأقليات نحو 48 في المئة من سكان المنطقة. وتستعيد تانيا ذكرياتها قائلةً إن الفتيات في المنطقة كنّ في السابق يُبدين اهتمامًا ضعيفًا بالتعليم، غير أنّ المشهد تغيّر اليوم بصورة كاملة، إذ باتت الفتيات يتحضّرن بحماسة للالتحاق بالمدارس.
مواجهة تحديات كبرى
بوصفها رئيسةً لمجلس قروي ذي غالبية من الأقليات، واجهت تانيا بروين العديدَ من التحديات. فقد كانت عمالة الأطفال من المشكلات الخطيرة، إلى جانب الزواج المبكر، كما سُجّلت حالات عنف ضد النساء. وخلال فترة جائحة كوفيد-19، انتشرت مفاهيم مغلوطة عديدة في المجتمع، إذ ساد الخوف من تلقي اللقاحات، وسعى كثيرون إلى تجنّب إجراءات الحجر الصحي. ومن خلال قيادتها القوية، عملت تانيا بروين على نشر الوعي بين سكان المنطقة، ومع مرور الوقت بدأ السكان في تلقي اللقاحات والالتزام بقواعد الحجر الصحي، ما أسهم في تجاوز تلك المرحلة الصعبة وتعزيز الثقة بالإجراءات الصحية.
إشادة ببرنامج تمكين البانشيات
جاءت الدعوة الموجّهة إلى رئيسة المجلس القروي بروين في إطار "برنامج تمكين البانشيات" التابع للحكومة المركزية، والذي يختار ممثلين متميزين عن المجالس القروية من مختلف أنحاء البلاد. وقد أصبحت تانيا بروين رئيسةَ المجلس القروي في سن 32 عامًا فقط، واستطاعت خلال السنوات الثلاث الماضية تحويل البانشايت من منطقة متخلفة إلى بانشيات نموذجي.
وقد تم إيلاء اهتمام خاص بالصحة والتوظيف والتعليم من أجل تمكين النساء في البانشيات. وشهد قطاع الصحة تحسنًا ملحوظًا، حيث تُجرى فحوصات صحية منتظمة لكبار السن والحوامل والفتيات، كما تقوم عاملات "آشا" بزيارات منزلية لأداء مهامهن. ولتعزيز الاعتماد على الذات لدى النساء، جرى ربطهن بعدة برامج حكومية.
ومن أجل تحسين تعليم الفتيات، جرى إدخال الفصول الذكية وحصص تعليم الحاسوب في المدارس، كما بُذلت جهود خاصة للحد من تسرّب الفتيات من التعليم. وبعد إطلاق حملة "بيتي باتشاو، بيتي بادهاو" (إنقاذ البنات وتعليمهن)، نما لدى الفتيات اهتمامٌ كبير وحماسٌ واضح للتعلّم. ومع تركيب أعمدة الإنارة في الشوارع، باتت النساء يشعرن بقدرٍ أكبر من الأمان حتى في ساعات الليل.
لماذا اختارت المجال السياسي؟
تقول تانيا بروين إنه عندما تولّت منصب رئيس البانشايت عام 2016م، كانت أوضاع المجلس القروي سيئة للغاية؛ فالطرق كانت متهالكة، والمصارف مغمورة بالمياه، ونُظم الصرف الصحي ضعيفة. وعندها عقدت العزم على تغيير واقع البانشيات. وبفضل العمل الدؤوب والمتواصل، باتت المنطقة اليوم تتمتع بطرقٍ أفضل، ونظام تصريف منظّم، والتخلّص السليم من المياه، إضافة إلى تحسّن واضح في مستوى النظافة.
ورفضًا لثقافة العمولات والفساد، تؤكد تانيا أن تركيزها كان على العمل لا المال، لأن الإنجاز الحقيقي يتحدث عن نفسه، مؤكدةً أن هدفها كان الارتقاء بالبانشيات إلى مستوى المدن، حتى يتمكن سكان الريف من التمتّع بالخدمات والمرافق نفسها التي يحصل عليها سكان المناطق الحضرية.
كما تم إنشاء مكتب RTPSفي مبنى البانشايت، حيث تُقدَّم خدمات إصدار شهادات الميلاد والوفاة، والمعاشات، وشهادات السكن، ووثائق الطبقة والدخل. ويقصد هذا المكتب يوميًا ما بين 20 إلى 35 شخصًا لإنجاز معاملاتهم دون الحاجة إلى التوجه إلى مكتب الدائرة. ويلتزم جميع الموظفين بالحضور المنتظم، كما تحرص تانيا بروين نفسها على التواجد في المكتب يوميًا.
وتُعد تانيا بروين نشطة على نحوٍ خاص في قضايا المرأة، إذ تعمل على بناء بانشيات صديق للنساء. وتؤمن بأن قوة المرأة لا تتحقق إلا عندما تتوافر لها فرص العمل الذاتي. ولهذا تخطط لإنشاء مراكز لتعليم الخياطة والتدريب على الحاسوب، إضافة إلى تدريب الفتيات على فنون الدفاع عن النفس مثل التايكوندو، حتى يصبحن معتمدات على أنفسهن ويشعرن بالأمان والثقة.
وفي رسالة وجّهتها إلى رؤساء المجالس القروية الآخرين في ولاية بيهار، تؤكد تانيا بروين ضرورة العمل بأمانة وإخلاص، وبناء سمعة طيبة، والتركيز على التنمية الحقيقية، قائلة: "عندما يتغير البانشيات يتغير المجتمع، ومعه تتغير المدن، وفي نهاية المطاف تتغير ولاية بيهار. وترى أن تنمية البانشيات هي في جوهرها التنمية الوطنية الحقيقية".
كما تشير إلى أن مشاركة النساء شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في برامج الضمان الاجتماعي، مثل برامج المعاشات، والحصص التموينية، والإسكان. غير أن المسيرة لا تتوقف عند هذا الحد؛ إذ تؤكد تانيا بروين أن لديها خططًا عديدة أخرى تهدف إلى التنمية الشاملة للبانشايت في المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضًا: الهند تعيّن أول امرأة قنصلًا لشؤون الحج في السعودية
وتشمل هذه الخطط خلق فرص عمل جديدة، وتعزيز تعليم المرأة بصورة أكبر، ورقمنة نظام البانشيات. وتؤكد تانيا بروين أنه إذا أُريد للمجالس القروية أن تكون قوية وذات مكانة لائقة، فلا بد من توفير فرص متكافئة للنساء ومنحهن الاحترام الكامل بوصفهن شريكات أساسيات في مسيرة التنمية.
اليوم، برزت تانيا بروين نموذجًا قويًا لقيادة المرأة في ولاية بيهار. فقد منح عملها الدؤوب مجلس سيسوا بورفي القروي شهرةً وتقديرًا لا يقتصران على مستوى الولاية فحسب، بل يمتدان إلى مختلف أنحاء البلاد.