عندما تتحول الإرادة إلى فنّ.. حكاية ظهير مع النقش على الخشب

14-02-2026  آخر تحديث   | 13-02-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
عندما تتحول الإرادة إلى فنّ.. حكاية ظهير مع النقش على الخشب
عندما تتحول الإرادة إلى فنّ.. حكاية ظهير مع النقش على الخشب

 


دايارام واشيشت

الأحلام لا تعرف العمر، ولا تلتفت إلى الظروف، ولا تخاف من قلة الموارد؛ إنها لا تطلب سوى عزيمة واحدة: ألا نستسلم. فإن قصة الحرفي ظهير، ابن مدينة سهارنفور في ولاية أترا براديش تجسّد مثالًا حيًا على هذه العزيمة والعمل الدؤوب والصبر. فالطفل الذي شاهد والده يقطع الأشجار وهو في السابعة من عمره، هو نفسه الذي يبلغ اليوم 63 عامًا وينقش على الخشب بدقة متناهية، حتى حظيت حرفته بتقدير واسع على المستوى الوطني. وقد نال ظهير الجائزة الوطنية تقديرًا لإبداعه، وهو يمضي الآن بخطى واثقة نحو تحقيق أكبر أهدافه في الحياة، والمتمثل في الفوز بجائزة "شيلبغورو".

وقبل فهم قصة ظهير، من الضروري معرفة ما هي جائزة "شيلبغورو"؟ تُعد جائزة "شيلبغورو" أرفع وسام في مجال الحرف اليدوية تمنحه حكومة الهند. وقد أُطلقت هذه الجائزة عام 2002م من قبل هيئة تنمية الحرف اليدوية، التابع لوزارة المنسوجات بحكومة الهند.

وتُمنح هذه الجائزة للحرفيين المهرة الذين لم يكتفوا بصقل مهارتهم على مدى سنوات طويلة، بل أدّوا أيضًا دورًا محوريًا في نقل الحِرَف التقليدية الهندية إلى الأجيال القادمة.

ويحصل الحرفي المُكرَّم ضمن هذا التكريم على جائزة نقدية، وعملة ذهبية، وشال، ولوحة نحاسية تذكارية، إلى جانب شهادة تقدير. كما تتيح له الجائزة فرصة عرض مهاراته على المنصات الوطنية والدولية.

ويرى ظهير أن النجاح ليس نتيجة معجزة، بل يُصاغ بالعمل المتواصل، والثقة بالنفس، والصبر. ويقول: "لكي يغيّر الإنسان حظه، عليه أن يكافح بنفسه. فالعمل الجاد هو المفتاح الذي يفتح باب القدر".

وُلد ظهير في أسرة بسيطة بمدينة سهارنفور، ولم تكن حياته سهلة. ففي سن السابعة فقط بدأ يتعلّم فنّ النقش على الخشب. وكانت الأسرة تعاني من ضائقة مالية شديدة؛ إذ كان والده يعمل في قطع الأشجار، وكانت الأسرة تضم ست شقيقات وستة أشقاء، ما جعل تحمّل نفقات هذا العدد الكبير أمرًا شاقًا للغاية. وفي ظل هذه الظروف، اضطر ظهير إلى ترك الدراسة ليُعين والده، وبدأ يتعلّم حرفة النقش على الخشب ليسهم في إعالة أسرته.

ولا يزال ظهير يتذكّر تلك الأيام جيدًا. ففي بداياته كان يتقاضى أجرًا شهريًا لا يتجاوز 20 روبية. وقد يبدو هذا المبلغ ضئيلًا اليوم، لكنه حتى في ذلك الوقت لم يكن كافيًا لتسيير شؤون المنزل. ومع مرور الزمن ارتفع الأجر قليلًا، غير أن الأوضاع لم تتحسّن كثيرًا. وبعد وفاة والده، ازدادت المسؤوليات على عاتقه. وعلى مدى نحو 20 عامًا، عاش ظهير حياة العامل المأجور. وكلما تحدّث عن رغبته في بدء عمله الخاص، كان الناس يثبطون عزيمته قائلين: "لا فائدة من العمل الخاص، فالعمل بالأجرة أفضل". ولكن في داخله كان هناك إصرار مختلف. فإنه واصل التقدّم بصمت نحو هدفه، وطوّر مهاراته في النقش على الخشب باستمرار.

وأخيرًا، في عام 1990م، حسم أمره وقرّر أن يبدأ مشروعه الخاص. واستأجر محلًا صغيرًا مقابل 100 روبية شهريًا، واشترى أخشابًا بقيمة 1000 روبية من سهارنفور، وبدأ في صناعة علب خشبية صغيرة. ومن هنا تغيّر مسار حياته. فبفضل أحد المصدّرين في سهارنفور، ويدعى ميغلاني، بدأت المنتجات التي يصنعها ظهير تصل إلى الأسواق الخارجية. ومع حصوله على أول طلبية كبيرة، غمرت الفرحة ظهير وأسرته. وأصبح يكسب نحو 1500 روبية أسبوعيًا، وهو مبلغ كان يُعدّ كبيرًا في ذلك الوقت. ومع مرور الأيام، بدأت سمعته تنتشر في السوق، ولم ينظر بعدها إلى الوراء. وبعد أن ترسّخت مكانته في السوق، توثّقت علاقاته بعدد من المصدّرين.

وخلال تلك الفترة علم أن الحكومة تمنح جوائز وطنية لتشجيع الحرفيين، فزاد ذلك من عزيمته وبذل مزيدًا من الجهد. وصنع طاولة مستديرة بقطر 30 بوصة، زُيّنت بنقوش دقيقة ومتقنة للغاية، وقدم هذه التحفة الفنية للجائزة الوطنية في لكناؤ. وقد أثمرت سنوات كفاحه وجهده، ففي عام 2007م مُنح ظهير الجائزة الوطنية عن فنّ الأعمال الخشبية. وكان ذلك من أكثر اللحظات فخرًا في حياته، إذ لم يزد هذا التكريم ثقته بنفسه فحسب، بل ألهمه للتطلع إلى أهداف أعلى.

واليوم، يطمح ظهير إلى الفوز بجائزة شيلبغورو. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، صمّم طاولة طعام فخمة بطول أربعة أقدام، واستغرق إنجازها 13 شهرًا كاملًا. وتُعدّ النقوش المنفذة على هذه الطاولة من أروع وأدق أعماله حتى الآن. ويثق ظهير تمامًا بأن هذا الجهد سيقوده حتمًا إلى الفوز بجائزة "شيلبغورو". ولم يكتفِ ظهير بتطوير نفسه فحسب، بل انخرط في نقل خبرته إلى الآخرين، حيث يقوم بتدريب الشباب ليصبحوا حرفيين مهرة. ويؤمن بأن الإتقان في الحرفة يمكن أن يحقق دخلًا جيدًا، فاليوم أصبح العملاء مستعدين لدفع مبالغ مجزية مقابل التصاميم التي تلبي أذواقهم. وكلما كانت النقوش على الخشب أكثر دقة وجاذبية، ارتفعت قيمتها المادية.

اقرأ أيضًا: الألعاب الجلدية من مدينة إندور تتألّق في معرض سوراجكوند الدولي للحِرف اليدوية

كما أن ابنه عمر فاروق، البالغ من العمر 12 عامًا، بدأ هو الآخر يتعلّم هذه الحرفة التقليدية. فهو، مثل والده، يبذل الجهد ويصقل مهارته حتى تستمر هذه الوراثة الفنية عبر الأجيال.وفي حديثه عن الاتجاهات المتغيرة في السوق، يقول ظهير إن العملاء في السابق كانوا يفضلون المنتجات الثقيلة المصنوعة من خشب الشيشام.

ولكن الزمن تغيّر الآن، فخصوصًا العملاء في الخارج باتوا يفضلون المنتجات خفيفة الوزن. ولهذا السبب أصبحت القطع المصنوعة من مزيج يضم 25% من خشب الشيـشام، و25% من خشب الساج، و50% من خشب المانجو تحظى بإقبال أكبر في السوق.

فإن قصة ظهير ليست مجرد حكاية نجاح لحرفي، بل هي مثال حيّ على روح لا تستسلم رغم قسوة الظروف. فهي تؤكد أن الإرادة القوية قادرة على نحت المصير، حتى من قطعة خشب بسيطة.

قصص مقترحة