لماذا لا يغيب الليل؟

07-11-2026   آخر تحديث    |  07-11-2026 نشر في  |  بواسطة    آواز دي وايس  |  طالب الرفاعي  
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

 


 طالب الرفاعي* 

إشكاليةُ الإنسانِ الكبرى في الحياة أنّه لا حيلةَ له في تغييرِ الوقتِ أو إيقافِه. يولد الإنسانُ وعمرُه معدود، وكلما مرّتْ عليه لحظة، حلوةً كانت أم مُرّة، أكلتْ نصيبَها من عمره. وكأنّ الوقتَ في عداءٍ مع الإنسان، ولا يهدأ له بالٌ إلا بالانتقامِ منه واستيفاءِ عمره! لذا، ولأنّ نقصانَ العمرِ لا يتوقف، أبدعَ الشعراءُ في محاكاةِ الوقت.

ولعلّ أصدقَ ما قيل في هذا الوجعِ أغنيةٌ تمسُّ روحي كلما سمعتُها: أغنيةُ سيدةِ الغناءِ الأبقى فيروز "ليلية بترجع يا ليل"، كلمات الأخوين الرحباني، وألحان المبدعِ الكبير فيليمون وهبة. وأنا أنظرُ إلى فيليمون بوصفِه أهمَّ من لحّن لفيروز، محتفظًا بمقاماتِ الأغنيةِ الشرقية وعُدّتِها الموسيقية، ومُحسِنًا توظيفَ نعمةِ صوتِ العظيمةِ فيروز بتفرّدٍ، كأجملِ ما يكون.

لحّنَ فيليمون وهبة الأغنيةَ على مقامِ الرَّست، وأقلُّ ما يُقال عن هذا المقامِ الشجي: "إنه أبو المقاماتِ الشرقية". ومن أشهرِ الأغاني التي غُنّيت به، أغنيةُ السيدة أم كلثوم "أنتَ عمري"، من ألحان محمد عبد الوهاب، وموشّحُ "يا شادي الألحان" لسيد درويش.

ليلية بترجع يا ليل / وبتسأل عالناس

وبتسقيهن يا هالليل / كل واحد من كاس

غيّبلك شي ليلة يا ليل / وانسانا يا ليل يا ليل

أيُّ رجاءٍ حارٍّ ومؤلمٍ يطلقُه الأخوان الرحباني وهما يُناجيان الليل، بأن يغيبَ ولو لليلةٍ واحدة، وينسى البشر، كلَّ البشر. فهم جميعًا في انشغالاتِهم وأوجاعِهم، ويكفيهم ذلك، ولا داعيَ لأن يأتيَ الليلُ كلَّ يوم لأخذِ ليلةٍ جديدةٍ من أعمارِهم.

أرجوك يا ليل، غبْ ولو لليلةٍ واحدة، وانسانا يا ليل.. نداءٌ من الروحِ إلى الليل، ذلك السواد المخيف الذي لا يملُّ أن يطردَ الضياءَ ويحلَّ محلَّه، آخذًا حصتَه من أعمارِنا القصيرة.

تهيمُ فيروز، سكرى بالشجن، تنادي الليلَ راجيةً منه أن يغيب ولو لليلةٍ واحدة، ويتركَ الناس. ولكن من أين لفيروز أن تُسمعَ الليلَ الذي يصمُّ أذنيه عن بني البشر؟ والمفارقةُ أن الأغنيةَ التي ترجو غيابَ الليل لا تُسمَعُ إلا فيه!

مستمعُ الأغنيةِ إذا كان ينتشي بالاستماعِ لكلماتِها ولحنِها، فإنه من جهةٍ أخرى يتوجّهُ بالرجاءِ نفسِه إلى الليل، عساه يُعتِقُ البشرَ من سطوتِه التي لا تُخلِفُ ميعادَها. لكن هيهاتَ أن يستمعَ الليل.

هو ديدنُ الحياةِ الذي لا يتغيّر: الإنسانُ عابرٌ في لحظةٍ عابرة، ولا شيءَ يقفُ في وجهِ عبورِه. ولأننا بشرٌ نحملُ من المشاعرِ الشيءَ الكثير، وربما هذا هو سببُ تعاستِنا، فإننا نتألمُ حين تمرُّ بنا أيامُ العمرِ ونحن نتقلّبُ على نارِ الأوجاع، ويؤلمُ أرواحَنا أكثرَ أن تُحسبَ هذه الأيامُ من أعمارِنا، وكأنّ الزمنَ لا يكتفي بحرقِنا بناره، بل يُصرُّ على أن تكونَ تلك الأيامُ معدودةً من أعمارِنا القصيرة.

كيف نختفي من عدّادِ الزمن؟

كيف نختبئُ من الليل؟

وأين لنا بعمرٍ يتجدد ولا يقصُر؟

هي جدليةُ الحياة، تدفعُ مقابلَ ما تأخذ. وحين يكون الدفعُ من رصيدِ العمر، فهو أثمنُ ما يمتلكُ الإنسان، وهو الأوجع! من هنا يأتي التماسُ الرحابنةِ وفيروز ووهبة، ومن هنا يأتي التماسُنا أجمع:

لنا عمرٌ قصير، مهما طال، ونرجوك يا ليل أن تتركنا ولو لليلةٍ واحدة دون أن تقتصَّ منا.

أكتبُ هذا وأنا جِدُّ متأكّدٍ بأن ليلَ العمرِ لن يغيّرَ عادتَه، وسيبقى يزورنا ما دمنا أحياء. لكنّنا، ما دمنا نناجيه، فإننا لم نُسلِّم له بعدُ.

* قاص وروائي كويتي.

قصص مقترحة